بيان الكتب: اذا اتجهت اليوم إلى سفح جبل قاسيون المطلّ على دمشق، صاعداً اليه من ساحة الشهداء «المرجة» عابراً الجسر الأبيض فقد مررت بين حيين: حي الصالحية عن يمينك، وحي المهاجرين عن يسارك، وحي الصالحية اليوم حي كبير، أوله سوق تجارية انيقة، صغيرة المحال، كثيرة الأموال، معصومة ، من عجلات السيارات، تجول فيها وانت آمن لا تزحمك مركبة، ولا يتثاءب في وجهك محرك بنفث الدخان واخره حي سكني كبير. ترى اتساءلت عن اولئك المهاجرين الذين خلعوا على الحي المتسلق سفح قاسيون اسمهم: من هم؟ ومن اين قدموا؟ ومتى استوطنوا هذه الأرض؟ وعن الصالح الذي تسمت باسمه هذه السوق بعد ان كانت خراباً يبابا؟ يجيبك عن اسئلتك كلها الدكتور محمد مطيع الحافظ في كتابه «المدرسة العمرية بدمشق وفضائل مؤسسها محمد بن احمد المقدسي الصالحي». وهو سفر ضخم يقع في «480» صفحة من القطع الكبير، موزعة على مقدمة وثلاثة ابواب، مشفوعة بملحق يضم مجموعة من الصور تقف القاريء على اطلال المدرسة قبل الترميم، وبعد ان ردّ اليها الترميم رواءها القديم. وهذا الكتاب من أحدث الكتب التي أصدرتها دار الفكر عام 1421 هـ. واحفلها بعبق التراث العربي الإسلامي. وقبل ان نطلب من الدكتور الحافظ الاجابة عن اسئلتك يحسن بنا ان نستعرض الكتاب لنقف على موضوعاته وأبوابه وفصوله. في صفحات عشر وقفها المؤلف على التمهيد للكتاب يجد القاريء صورة واضحة الملامح للقرن السادس الهجري، وهو القرن الذي انشئت فيه المدرسة العمرية، كما يجد رصداً للخطوات التي مرت بها قوافل المهاجرين من القدس إلى دمشق، بعد الاحتلال الصليبي للقدس وما حولها، ووصفاً لأحوال الارض التي بُني عليها حي المهاجرين، ولطبيعة الناس الذين استوطنوه، وعلاقتهم بأهل دمشق، وسلطانها نور الدين محمود بن زنكي، وتأريخاً للمدرسة العمرية منذ بنيت، وبعد ان مات عنها مؤسسها العابد الزاهد والعالم العامل محمد بن احمد المقدسي، وذكراً للمصادر العلمية القيمة التي استقى منها مؤلف الكتاب مادته التاريخية الموثقة. وفي مئة وسبعين صفحة ـ وهو القدر المخصص للباب الأول ـ ثلاثة فصول يتحدث أولها عن هجرة المقادسة إلى دمشق، وشروعهم بتأسيس الصالحية. وههنا نجد المؤلف حريصاً على الدقة في التحليل والتسجيل، فيذكر سبب الهجرة، وتاريخها، وعدد المهاجرين وأسماءهم، ويعدد العقبات الكأداء التي اعترضهم، والمصاعب التي احتملوها، والمشقة التي ذللوها، واختيارهم الجبل سكناً لهم ووطناً، وبناءهم الاديار فيه، حتى تحول من أرض قفر يكسوها الشوك والقصب إلى حاضرة عامرة تنافس احياء دمشق القديمة العريقة. وفي الفصل الثاني من الباب الأول رسالتان حققهما المؤلف. أولاهما لضياء الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي المتوفى عام 643 هـ. وفيها حديث مفصل عن فضائل الشيخ ابي عمر، وتنويه بجمعه العمل إلى العلم، والعبادة إلى مساعدة الناس، حتى اوقع الله محبته في قلوب الذين عاشروه وعايشوه. وثانية الرسالتين للشيخ مجد الدين محمد بن عيسى الكناني. وفي موضوعها طرافة وحرص على ترجمة العلماء، في الحياة وبعد الموت، اذ قصرها المؤلف على سرد اسماء العلماء والصالحين الذين دفنوا في مقبرة الشيخ المقدسي، ليفوزوا بجواره في الدنيا والآخرة. وثالث الفصول من الباب الأول مخصص لأولاد الشيخ واحفاده. وهذا الفصل حافل بأسماء من اجازهم الشيخ، ومن سمعوه، وصور عن نصوص الاجازات والسماعات التي حظي بها تلاميذ الشيخ ومريدوه من رجال ونساء. وأبرز ما يتسم به هذا الفصل ما عرف به الدكتور محمد مطيع الحافظ من دقة في السرد، وصدق في النقل، وأمانة في الترجمة، وحرص على سلامة النصوص وضبطها بمعارضتها على كتب التراجم الموثوقة. والباب الثاني ـ وعدد صفحاته مئتان وعشرون ـ اطول ابواب الكتاب، واحفلها بعبق التاريخ. وموضوعه تاريخ المدرسة العمرية من النواحي المعمارية والعلمية والوقفية. ينطوي هذا الباب على تسعة فصول: اولها في خصائص المدرسة وفضائلها، وما قيل من الشعر في مدحها ومدح واقفها. وثانيها في تاريخ بنائها. وهو عام 557هـ، وما قيل في وصفها منذ تأسست منتصف القرن السادس حتى تداعت منتصف القرن الرابع عشر. وهذا الفصل مشفوع بمخطط لغرف التدريس وللخلوات التي كان الطلاب يبيتون فيها، وبصور حديثة لما آل اليه حالها بعد ان ادركها الهرم، ونهضت بترميمها مصلحة الاثار لترد اليها معالمها القديمة. وفي ثالث الفصول ـ وهو أهم ما في الباب الثاني ـ يتحدث المؤلف عن التدريس في المدرسة العمرية، فيذكر كبار الشيوخ، ويسرد اسماء المدرسين الذين اعتقبوا منابرها، ونصوص السماع، وتدريس الفقه الإسلامي على المذاهب الاربعة. ولك ان تلحق به الفصل الرابع الخاص بالمناهج التي كانت المدرسة تلتزمها في تعليم القرآن الكريم. أما الخامس والسادس فترجمة لمشاهير الائمة والتلاميذ، واما السابع فيذكر الاوقاف التي كفلت للطلاب اقواتهم وملابسهم والانفاق على شئونهم المختلفة ليتفرغوا للتحصيل وهم آمنون مطمئنون. وفي الثامن سرد وترجمة للمشرفين والنظار، وفي التاسع وصف لمكتبة المدرسة وذكر لذخائرها التي نقلت في عصرنا هذا إلى المكتبة الظاهرية، ثم إلى مكتبة الأسد. ومع ان الباب الثالث لا تزيد صفحاته على خمس وعشرين، فهو عندي أهم الابواب، وادعاها إلى التفاؤل، وخلاصته ان الغيارى على الاثار العربية الإسلامية عامة، وعلى المدرسة العمرية خاصة ساءهم ان يروا صرحها يتداعى، ونورها يخبو، فتنادوا في عصرنا الحاضر إلى بعثها من مرقدها، واعادة ذكر الله إلى انقاضها المتهالكة، وحجراتها المتداعية. بدأت حركة الاحياء عام 1942م، وتتابع في حمل الامانة فخري البارودي. غير ان الشخصية التي احتملت تبعة النهوض بالمشروع، وابلغته غايته المرجوة هو الاستاذ احمد قدامة احد الاحفاد المتحدرين من باني المدرسة الأول. لقد نبه هذا الرجل أهل العقد والحل في وزارة الاوقاف على ما اصاب المدرسة من حيف، اذا اغار عليها وعلى اوقافها المغيرون، حتى ذهبوا بأكثر الارض التي قامت عليها، ودعا الوزارة إلى استرداد ما غصب، وترميم ما تداعى، وتحويل هذا البناء التاريخي إلى مركز إسلامي لتدريس القرآن الكريم وعلومه. وفي الاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري تحول الحلم إلى واقع، واخذت وزارة الاوقاف موثقاً على نفسها ان تجدد المدرسة، فأرست عام 1990م الحجر الأول في أساس البناء الجديد، وشكلت لجنة كلفتها بشراء الابنية التي انتزعت من المدرسة، وازمعت ان تقيم بعد تجديد البناء مركزاً للبحوث الإسلامية، ولا تمضي بضع سنوات حتى تعود إلى المدرسة عراقتها العربية الإسلامية، وتغدو منارة حضارة، ومركز اشعاع. تلك حال المدرسة في الماضي، والمشروع الذي حدثناك عنه سيحدّد وضعها المرجو في المستقبل. أما سبب تسمية الحي الاعلى المتسلق جدار قاسيون حي المهاجرين، والحي الادنى المنداح على سفحه حي الصالحية فيعود إلى مايلي: في منتصف القرن السادس الهجري 551 هـ أي منتصف القرن الثاني عشر الميلادي 1156م هاجر الشيخ احمد بن محمد بن قدامة من قرية اسمها «جماعيل» احدى قرى نابلس هرباً من طغيان «باليان بن بارزان» الصليبي الفرنسي امير منطقة نابلس التي احتلها الغزاة الصليبيون. وكان هذا السفاح قد قتل خلقاً، وعذب اخرين، وقطع ايديهم وارجلهم، حتى ألجأ كثيراً من المسلمين إلى التماس النجاة في دمشق وغيرها من بلاد الشام. هاجر مع الشيخ ثلاثة من اقاربه، ونزلوا ضيوفاً على بني الحنبلي الذين كانوا يقيمون خارج باب دمشق الشرقي، ثم لحق بهم قوم من اقاربهم، بينهم اولاده واحفاده وأصهاره. ثم اخذت ارتال المهاجرين تتوالى طوال ثلاث سنين، واخذ المهاجرون يبحثون عن ارض تسعهم، فاختاروا سفح قاسيون، اختاره لهم رجل تقي عرف بالصلاح والورع، وهو العابد الصالح احمد الكهفي، فأسكنهم في دير هناك، ثم تعاون القوم، وبنوا ثلاث دور، واتبعوها رابعة فخامسة، واستتبعت الدور الحوانيت والمساجد، وهكذا فشا اسم المهاجرين وشاع حتى ملأ الاسماع، وسميت المحلة التي نزلوها المهاجرين. وعرف الشيخ احمد بن محمد المهاجر من فلسطين بالصلاح، ونسبت اليه وإلى صلاحه المحلة التي نزلها، فسميت الصالحية، وجعلت المدرسة العمرية درة هذه المحلة. د. غازي مختار طليمات