بيان الكتب: بتاريخ 17 اغسطس من عام 1893 نشرت صحيفة «لوفيغارو» على صدر صفحتها الاولى خبر وفاة «شاركو» والدكتور «بلانش». ظل الاول محافظاً على شهرته بفضل الابحاث الاستثنائية التي كان قد قدمها حول مرض «الهذيان» او «الهستيريا». اما الثاني ، اي الدكتور اميل بلانش فكل ما بقي منه هناك تسمية احد شوارع العاصمة الفرنسية ـ الدائرة السادسة عشرة ـ باسمه. لكن المستوصف الذي كان يعمل فيه «نزله» اختفى ولم يعد موجوداً، هذا على الرغم من ان هذا الطبيب كان قد أشرف على علاج النخبة في عصره باعتباره اخصائياً بالطب النفساني. هذا الكتاب هو اول عمل عن سيرة حياة الطبيب اميل بلانش الذي كان النسيان قد طوى ذكراه الى حد كبير، لاسيما وانه كان هو نفسه قد أمر ابنه جاك اميل بلانش بحرق جميع الملفات الطبية لمرضاه الكبار. واستفادت لور مورا، مؤلفة هذا العمل الموثّق بدقة من عدة مصادر مثل الشهادات التي تركها اولئك الذين كانوا يرتادون عيادته وايضا السجلات التي كان استخدامها قد أصبح اجبارياً باسم القانون اعتباراً من عام 1838 بحيث انها كانت تتضمن معلومات دقيقة محددة عن هوية المرضى النفسانيين وتاريخ دخولهم الى الاستشفاء ووصف اعراض الحالة المرضية التي كانوا يعانون منها وكذلك التشخيص الذي كان يقدمه الطبيب المعالج. وهناك مصدر اضافي اخر اعتمدت عليه المؤلفة ويكمن في مجموعة الرسائل التي تركها ابن جاك اميل بلانش بالتبنّي لمكتبة المعهد الفرنسي عام 1977. ان مؤلفة هذا الكتاب لا تقدم مجرّد سيرة حياة الطبيب النفساني اميل بلانش، ولكنها تؤرخ في الواقع للمستوصف الطبي الذي عمل فيه جيلان هما الاب «ايسبري بلانش» «1796 ـ 1852» والابن اميل بلانش «1820 ـ 1893» والذي تزامنت ممارسته للمهنة مع ازدهار الطب النفسي. كان ذلك المستوصف «النزل» قد أقيم منذ مطلع العشرينيات في القرن التاسع عشر في منطقة «مونمارثر» الباريسية ثم انتقل الى احد القصور في المدينة اعتباراً من عام 1861،وكان يعتبر أحد افضل المؤسسات الطبية في عصره على الرغم من «تواضع» عدد حالات الشفاء التي شهدها. لاشك بان المفاجأة ستكون احد ردود الفعل الرئيسية حيال قراءة هذا الكتاب حيث كان يوجد في عداد نزلاء تلك العيادة الطبية اسماء ادباء كبار وفنانين مشاهير على مستوى العالم كله من امثال «جيرار دوزفال» و«غي دو موباسان» و«تيو فان جوخ».. وغيرهم. ان وجود مثل هذه الاسماء على «سجلات» عيادة الطبيبين بلانش، الاب والابن، يتماشى الى حد كبير مع آراء اميل «الابن» الذي كان قد وضع «سلّماً تصاعدياً» لقابلية الجنون بدا العاملون في حقل الادب بمثابة شريحة معرضة اكثر من غيرها... ولعل هذا ما يفسر الاقبال الشديد على اللقاءات التي كان يتم تنظيمها في «نزل بلانش»، وايضا على الدروس التي كان الدكتور «شاركو»، الذي اطلقوا عليه لقب «نابليون الطب النفساني»، في مستشفى «سالبوتريير» الباريسي الشهير. في هذا الكتاب تقدم الصحفية «لور مورا» مساهمة مهمة في البحث عن «تاريخ الجنون» في فرنسا خلال القرن التاسع عشر وذلك عبر وصفها «لمغامرة» المصح النفسي الذي اسسه «ايسبري بلانش» وازدهرت نشاطاته بشكل خاص في عهد ابنه «اميل بلانش». وتكتسب هذه المساهمة اهمية اكبر ضمن الاطار الذي كان الفيلسوف الكبير ميشيل فوكو قد أكد فيه في كتابه المعروف: «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» بانه لم تتم حتى الان دراسة الجنون في القرن التاسع عشر بشكل جيد. هكذا يأتي هذا العمل ليسد «ثغرة» اكاديمية من جهة ويعيد الاعتبار الى شخصية الدكتور «اميل بلانش» الذي كان قد جرى اهماله على الرغم من انه كان نقطة علام بارزة في عصره. كان المرضى العقليون «المجانين» في عداد الكائنات التي لا ترقى الى «المرتبة الانسانية» خلال القرن التاسع عشر. لذلك كان من المطلوب «علاجهم» بواسطة «الصدمات» العنيفة «الحمامات الباردة والضرب وتكتيف اليدين». لكن مصح الدكتور «بلانش» اختط سبيلاً اخر وقرر ان يوفر لهم طريقة في العلاج «الطليعي»، ومن هنا جاءت شهرة «الدار» التي لم يكن ميدان نشاطها يقتصر على نزلائها فقط ولكنه شمل شخصيات شهيرة في عصرها كانت تنتمي الى «علية القوم» مثل «دوقة كاستكليون» التي كانت نموذجاً للجمال في القرن التاسع عشر فضلا عن انها كانت عشيقة نابليون الثالث.. لكنها انهت حياتها كمجنونة «رسمية» مصابة بنزعة نرجسية مفرطة. وكان «غي دو موباسان» قد عاش فترة احتضار طويلة في مؤسسة الدكتور بلانش، وكان مصاباً بمرض «الزهري» حيث توفي هناك بعد ان حقق نجاحات كبيرة على الصعيد الادبي واصبح احد اهم الكتاب الفرنسيين في القرن التاسع عشر حيث لاتزال اعماله بمثابة مرجعيات «كلاسيكية» عن ادب تلك الحقبة. ولم يكن «غي دو موباسان» هو النزيل «الادبي» الوحيد وانما وافقه ايضا في عداد نزلاء مصح الدكتور بلانش جيرار دو نرفال الذي كتب كثيرا عن الشرق حيث عاش لسنوات عديدة من حياته وانتهى «ممزقاً» في حالة انفصام شخصية شبه كامل بين «الحقيقة» و«الواقع»، لقد فقد حس الواقع واصبح يعيش خيالاته وكأنها هذا الواقع ذاته.. اي ما يعبر عن حالة «فصام» عميق في الشخصية. لكن هذا لا يمنع واقع ان «جيرار دو نرفال» قد كتب بعض اجمل اعماله خلال الثمانية عشر شهراً التي امضاها في «مصح» الدكتور اميل بلانش. و«نزيل» اخر شهير هو الموسيقي الفرنسي «شارل غونو» الذي كرّس سنوات عديدة من حياته لتأليف سمفونيات ذات طابع ديني وقد كان بالتأكيد احد أكبر الموسيقيين الفرنسيين خلال القرن التاسع عشر. ان احدى السمات الاساسية التي تؤكد عليها مؤلفة هذا الكتاب في مسيرة اسرة بلانش، الاب والابن، تتمثل في اعتمادهما، للمرة الاولى في ميدان المعالجة النفسية على الحوار مع المرضى حيث كان من الشائع ان يتناولا الطعام مع المرضى مما أدى الى قيام جو من الثقة كما تدل رسائل عديدة لنزلاء امضوا فترات طويلة في المصح لأهاليهم. وقد اعتبر الطبيبان بان السلوك المعتدل والمسئول يشكل جزءاً من العلاج نفسه، وذلك في مواجهة «التجاوزات» و«الحالات الهستيرية» و«هاوية الكآبة».. مع اظهار الاهتمام الحقيقي بالمريض الى درجة ان الدكتور اميل بلانش لم يكن يتردد في الذهاب الى لندن للوقوف الى جانب الموسيقي «شارل غونو» اذا دعت حالته النفسية لذلك.. كذلك لم يكن يتردد في «اعفاء» الكاتب جيرار دو نرفال من دفع نفقات الاقامة في المصح. لكن مؤلف «اسفار الى الشرق»، جيرار دو نرفال، اثناء غفلة الطبيب اميل بلانش عنه شنق نفسه. تقول مؤلفة هذا الكتاب: «لقد كان دور اميل هو الاكثر سوءاً اذ لم يكن يستطيع شفاء مريضه ولم يملك حق احتجازه. ولاشك بانه احس بالموت العنيف لجيرار كفشل شخصي بالنسبة له وكنقطة سوداء بالنسبة لمستقبله. وتصف «لور مورا» ضمن الاطار نفسه «اللقاء» بين الشاعر والكاتب نرفال والطبيب بلانش بمثابة «موعد غير مجد» ذلك ان الطبيب حاول دفع الشاعر نحو الاخلاق البورجوازية الميسورة بينما لم يكن هذا الاخير ـ نرفال ـ يعيش تائهاً باستمرار بين «الاشباح المألوفة لاحلامه الادبية». ومن هذا «التيه» وعالم «الاشباح» خرجت نصوص كتابه الشهير «اوريليا» الذي لايزال حتى الان احد أهم الاثار الادبية لجيرار دو نرفال. والذي كتب معظمه أثناء اقامته في «نزل بلانش»، كما اعترف هو نفسه... وهذا ما دفع بالعديد من المعلقين والنقاد الادبيين الى القول بان جيرار دو نرفال قد استقى عبقريته من جنونه. ما يمكن قوله هو ان هذا الاديب قد عاش باستمرار موزعاً بين خيالاته وعالم الواقع. وفي الصفحات العديدة التي تكرسها المؤلفة لدراسة علاقة الدكتور اميل بلانش مع الروائي والكاتب المسرحي «غي دو موباسان» الذي ترك العشرات من المؤلفات، تؤكد على ان هذا الكاتب الكبير كان على حافة الانهيار والجنون الفعلي. وقد جاء في التقرير الطبي الاول الذي كتبه الدكتور بلانش عن حالته: «يعتقد بانه يتحدث عن الموتى، لان الموتى لم يموتوا بنظره فهو يتابع محادثاته مع فلوبير ومع اخيه الذي يشتكي من ضيق القبر. ويزعم انه يرى من مسافات بعيدة حيثما هو مناظر من السويد وروسيا وافريقيا.. ويتهم نفسه بانه مؤلف مقال في صحيفة ـ لوفيغارو ـ كان سبباً في قيام حرب جديدة مع المانيا وكلفت فرنسا 400 مليون. تجدر الاشارة في هذا السياق الى ان «غي دو موباسان» كان قد تطرق في العديد من رواياته ومجموعاته القصصية القصيرة لتحليل اعراض ازدواج الشخصية. وقد قال في احد جمله: «ان المجانين يجذبونني دائماً، ودائماً اتوجه نحوهم مدفوعاً بالنداء المجهول للعته» ان مؤلفة هذا الكتاب تصف على مدى صفحات عديدة الايام الأخيرة من حياة «غي دو موباسان» في «نزل الدكتور بلانش» وحيث كان يتقاطر الصحفيون بحثاً عن «خبر» او عن «تصريح خارج عن المألوف» من ذلك الذي كان قد اصبح احد أشهر ادباء عصره. لكن ايقاع تكرار ازماته النفسية والصحية تسارع اكثر فأكثر في الاشهر الاخيرة من حياته ليدخل وهو لايزال في الثالثة والاربعين من عمره في حالة غيبوبة «كوما» كاملة لم يخرج منها ابدا. تجدر الاشارة ايضا الى ان والدة موباسان التي كان يحبها كثيرا والتي كانت قد شجعته على الكتابة لم تقم بزيارته خلال الثمانية عشر شهراً التي امضاها في «النزل»... وكان «موباسان» قد وصف في احد اعماله الاخيرة تحت عنوان «السيدة هيرميت» قصة امرأة ترفض، رغم توسلات الاطباء، رؤية ابنها الذي يقترب من الموت بسبب اصابته بمرض «الزهري». كتاب في الطب وعلم الاجتماع وقبل كل شيء في العلاقة بين «الابداع» و«الجنون».. هذا الجنون الذي وصفه الدكتور اميل بلانش بالقول بانه «ليس سوى احلام الانسان في حالة اليقظة». وهذا كله عبر سيرة حياة رجلين «طبيبين» ومؤسسة انشأها منذ مطلع العشرينيات في القرن التاسع عشر. فهل العبقرية هي الطريق الى الجنون... ام العكس؟!