بيان الكتب: اندريه ماكين روائي فرنسي من اصل روسي ولد في سيبيريا عام 1957 عاش شطرا من طفولته. وقد احتفظ من سنوات الطفولة تلك بكثير من الذكريات التي لاتزال تتكرر في شخصيات رواياته مثل اولئك المساجين السابقين والناجين من معسكرات الاعتقال الالمانية. من السنوات «الروسية» لايزال اندريه ماكين يحتفظ ايضا بذكريات الماضي «الستاليني» ولكن ايضا مقاومة الروس للاحتلال الالماني حيث ان آثار هذه المقاومة استمرت لاجيال متتالية. وهذه الرواية الاخيرة، موسيقى حياة، هي بالتحديد قصة انسان حطمه «النير الستاليني». وهي تشكل ايضا مناسبة بالنسبة للمؤلف كي يعود للحديث من جديد عن روسيا «العزيزة» واشباحها. تبدأ «الحكاية» في مدينة «نوفغورود» التي يصفها المؤلف بانها «تقع على ضفاف نهر فولخوف بالقرب من بحيرة ايلمن». وتبعد هذه المدينة عن موسكو «الحمراء». وكان بوشكين قد اطلق على مدينة «موسكو» تسمية «الجميلة ذات المئة قبّة» بينما يراها «ماكين» بمثابة «ديزني لاند» على الطريقة الستالينية. ان اجواء موسكو وسنوات الدراسة تشكل اطاراً عاماً لمجده في اغلبية اعمال «اندريه ماكين» انطلاقا من «ابنة بطل الاتحاد السوفييتي» وحتى هذه الرواية الاخيرة «موسيقى حياة» ومروراً بـ «في زمن نهر الحب» و«الوصية الفرنسية» و«جريمة اولغا اربيليتا». وكان «ماكين» قد انتقل من الكتابة باللغة الروسية، لغة بلاده الاصلية، الى اللغة الفرنسية، بلاده بالتبنّي، واعتبر ان هذا الانتقال بمثابة مصدر ثراء كبير لوجوده الانساني اولا ولذاته الشاعرية ثانياً. وقد قال ذات يوم في احدى مقابلاته: «ان تجارب ثنائية اللغة جعلتني افهم امراً ممكناً تحديداً بفضل وجود عالمين حيث هناك دائما العالم الثاني». وكان «ماكين»، كما يبدو في العديد من اعماله، قد بحث دائما عن «العالم الثاني» خلال وعبر اسفاره الى سيبيريا والشرق الاقصى وآسيا الوسطى وشمال روسيا.. ثم ان اسفارا اخرى قد قادته الى اوروبا الغربية كي يقيم منذ مطلع عقد الثمانينيات في فرنسا ويقوم بالتدريس في جامعاتها لمادة العلوم السياسية ليتفرغ بعد سنوات للكتابة لينال عام 1995 جائزة «الغونكور» الادبية الشهيرة عن روايته «الوصية الفرنسية». ومن الملاحظ انه في هذه الرواية، كما في اعمال اندريه ماكين الاخرى، يحتل البعد الجمالي مكانة مهمة. وتبدو المرأة انها اكثر ما يمكن ان يمثل هذا الجمال. ان هذا يمثل باستمرار ايضا عودة الى مقولة رددها باستمرار ومفادها: «ان كتبي هي جزء مني»، ولاشك بان هذا يصح ايضا على اي مبدع اخر. وقد حكى «ماكين» ذات يوم عن «حبه الاول» عندما كان عاشقاً مجنوناً، في قرية سيبيرية نائية. كان عمره عشر سنوات وكان «عمرها» خمسة وثلاثين وربما اربعين. وكان قد رآها وهي تذهب لجلب قليل من الماء من نهر قريب مجاور. تعوّد العودة بعد ذلك الى النهر حيث كان ينظر طويلاً للماء ويرى انعكاسات وجهها ويداعبها ثم يصف مشاعره قائلاً: «كنت في السماء السابعة» ويضيف: «اذا اراد الانسان يستطيع ان يلج بقدر ما يريد مياه النهر نفسها». وذلك على خلاف ما كان قد قاله ذات يوم الفيلسوف الاغريقي هيراقليط عندما اكد بانه لا يمكن «الاستحمام» في مياه النهر ـ نفسها ـ مرتين. ان «الفن» كما يريده ماكين، هو بالتحديد «وليد الرغبة بولوج مياه النهر مرة اخرى». ان «اندريه ماكين» يروي في هذه الرواية الجديدة «موسيقى حياة» حكاية عازف بيانو كان يفترض ان يقدم بتاريخ 21 مايو 1941 اول حفل موسيقي له في موسكو، لكن قبل اسبوع واحد من هذا الموعد اضطر للهرب لان الشرطة كانت تلاحق والديه، ثم تأتي ويلات الحرب ورعبها كي تتحطم آماله وتتبعثر حياته. وها هو يصبح من بداية الرواية عجوزاً يروي «مغامراته» لشخص التقاه صدفة في احدى محطات القطار بمنطقة «الاورال». ان هذه الرواية هي في الواقع اقرب ما يكون الى نوع من كتابة سيرة حياة شخصية «اليكسي بيرج»، الشخصية الرئيسية، عازف البيانو الذي يمثل او يمكن ان يمثل قربة قرن من حياة روسيا. واذا كان هذا الكتاب يبدأ باللقاء في محطة القطار خلال سنوات السبعينيات او الثمانينيات، كما يحدد المؤلف، فإنه ليس هناك ما يمنع ان يكون ذلك اللقاء اليوم او الامس. يقول «ماكين» على لسان احد شخصياته: «ان محطة القطار هذه والتي تحاصرها العاصفة ليست شيئاً اخر سوى صورة مصغّرة عن تاريخ البلاد». ثم ان الاسلوب الذي يستخدمه المؤلف يتسم، الى جانب اعتماد البساطة، بكثير من القسوة التي توحي باجواء سنوات القمع الستاليني. ان عازف البيانو «السابق» الذي لم يسمح له تاريخ بلاده ان يعبر عن موهبته الموسيقية ولو مرة واحدة في حياته، لم يعرف واقعياً في حياته سوى موسيقى واحدة هي تلك التي كانت تخص الاناشيد الستالينية المرافقة للتظاهرات الرياضية الستالينية. كما عرف ايضا اصوات المدافع وقرقعات الكؤوس اثناء الاحتفالات التي كان قد تم تنظيمها ذات يوم للاحتفال بزواج الفتاة التي كان قد أحبها وتزوجها غيره. لكن رغم هذا كله لا يرسم المؤلف لـ «بطلة» صورة فيها الكثير من المرارة، اذ انه وكـ «روسي حقيقي» قبل كل ما تعرّض له، تماما مثل شخصيات «الابطال» التي رسمها تولستوي او باسترناك. ولعل «اندريه ماكين» يريد من خلال هذا التأكيد على انه لايزال «روسيا» رغم اقامته لسنوات طويلة في فرنسا. ولعله ايضا اراد ان يقدّم ادبا اخر يتعارض مع «ادب الاستهلاك السهل» الشائع في الغرب اليوم، وذلك من خلال صياغة نص متحفظ ورصين وفيه الكثير من «التقشف» اللغوي. ويمكن القول بان هذا العمل الروائي هو بمثابة صرخة احتجاج حقيقية بواسطة الادب، ضد النظام الشمولي الستاليني، بعد ان كان المؤرخون والباحثون قد قاموا بـ «محاكمته» تاريخياً وايديولوجيا. ان «اليكسي بيرج» عازف البيانو الموهوب الذي اضطر للهرب من «هويته الحقيقية» للنجاة من ملاحقة الشرطة ثم هرب من «هويته المزيفة» للاعلان عن تمرده اليائس. انه يمثل باختصار الانسان الروسي العادي الذي لم يكن يحق له التعبير عن «وجوده». اي ما يعني قمة «الاغتراب» عن الذات. هكذا سعى اندريه ماكين الى ان يعطي. لمثل هذا «الشبح» وجوداً انسانياً كثيفاً.. ولعل هذا ما يعتبره بمثابة «التحدي الادبي الحقيقي». «موسيقى حياة».. او البحث عن الانسان بكل حالاته.