بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب «ريشار ميكائيل روسي» هو احد المحكومين عليه بالاعدام في الولايات المتحدة الامريكية. اذ انه من ينتظر «في رواق الموت» منذ عام 1983 تنفيذ الحكم الصادر بحقه. شهدت الفترة الاخيرة موجة من الكتب التي عالجت عقوبة الاعدام من بينها كتاب «الغاء عقوبة الاعدام» لوزير العدل الفرنسي السابق «روبير بادنتر»، الذي قدمه «بيان الكتب» وأحد ابرز الشخصيات العالمية في هذا الميدان.. وبشكل عام ناقشت هذه الكتب الصادرة كلها مسألة «جدوى» هذه العقوبة التي اثبتت احصائيات كثيرة واقعية بانها لم تؤد ابداً الى ردع مرتكبي الجرائم عن ارتكاب جرائمهم.. ان جميع الانظار تتجه صوب الولايات المتحدة الامريكية التي لاتزال «الة الاعدام» تعمل فيها بشكل مستمر وبتواتر لا يعرف الكسل. هذا الكتاب «سبعة عشر عاماً في رواق الموت»، هو شهادة احد اولئك الذين ينتظرون ان يقودهم «سجّانوهم» ذات يوم باتجاه «الكرسي» او «السرير» حيث تكون نهايتهم ان «ريشار ميكائيل روسي» يصف حياته اليومية كسجين يعيش حالة «موت مؤجل» لكنه قرر ان «يعيش» ايامه وسنواته الاخيرة عبر الكتابة ورسم صورة رهيبة لهذا العالم المسمى «رواق الموت».. لقد شرع بنوع من «الحوار» مع العالم الخارجي عبر «اصدقائه» في الخارج الذين يتبادل معهم الرسائل.. والاسئلة والاجوبة. والذين يتوجه اليهم في هذا الكتاب قائلاً: «ان اصدقائي في الخارج يعتريهم الذهول امام اجاباتي على اسئلتهم حول حقيقة الحياة فيما يسمونه «رواق الموت». انهم لا يستطيعون قصور مدى القساوة والمعاناة التي نتعرض لها باستمرار. انهم يرون في «رواق الموت» هذا عالماً غريباً مثل كوكب المريخ. وانني غالباً اتلقى رسائل من اولئك الذين قرأوا مقالاتي، واغلبهم من غير الامريكيين يعلنون فيها حنقهم وغضبهم ورفضهم. لكنني لم ابالغ ابدا في اي شيء اقوله عن هذا العالم الغريب. ولا شيء غير الحقيقة بكل ما فيها من رعب». ومن الظواهر التي يؤكد عليها المؤلف السجين الذي عايش «تطور» الاوضاع في السجون بولاية «اريزونا» الامريكية، اي الموضوع الذي جعله محط اهتمامه المركزي بواقع الشروط التي «يعيش» فيها، هناك بعض الارقام ذات الدلالة البالغة. اذ يقول بانه عندما دخل الى السجن لم يكن في اريزونا كلها الا ما بين خمسة الاف وستة الاف سجين، اما اليوم فهناك ما يزيد على خمسة وعشرين الف سجين. وبالتوازي مع زيادة عدد المساجين ساءت المعاملة داخل السجون ولا يتردد «ريشار ميكائيل روسي» من تحميل مسئولية ذلك لـ «المحافظين» في الولايات المختلفة وكذلك على الصعيد الفيدرالي والذين «تبنّوا عدة قوانين ترمي الى وضع حد نهائي لما كانوا يعتبرونه بمثابة ميزات في نظام السجون الامريكية».. وهكذا تم الغاء المكتبات وتحديد امكانيات متابعة الدروس..» وبشكل عام عاد مستوى معيشة السجناء في امريكا الى ما كان عليه خلال سنوات الاربعينيات من القرن العشرين. ويصف المؤلف السجين على مدى صفحات عديدة «يوماً في حياة السجين». يبدأ هذا اليوم عند الساعة الخامسة صباحاً حيث يقوم «فريق السجانين» بالتفقد اليومي والتأكد من «حضور» الجميع. و«عندما يلاحظ الحارس بانك لست تحت ناظريه او انك لا تتحرك او تتنفس فإنه يضرب بقوة على باب الزنزانة كي يوقظك ويتأكد بانك لاتزال على قيد الحياة، كما يقول المؤلف، الذي يؤكد بالوقت نفسه بان هدفه ليس «الاطمئنان على صحتك» وانما لكون ان اغلبية حوادث الوفاة في السجون ـ الوفاة الطبيعية او انتحار ـ تجري خلال الليل. وفي حوالي الساعة الخامسة والنصف تبدأ الاستعدادات لوجبة «الافطار» ان «ريشار ميكائيل روسي» يصف بادق التفاصيل ـ الاطباق البلاستيكية، حركات الحرّاس، الكوّات الصغيرة في بوابات الزنزانات، المفاتيح العملاقة... الخ. الية سير عملية تقديم الطعام للمساجين حيث ينتهي القول بان الممارسة لا تختلف ابدا عما تعرفه «حدائق الحيوانات» فالسجين كـ «حيوان في قفص» يتلقى طعامه وينفذ الاوامر حسب الجدول الزمني اليومي المقرر. ان عالم السجن عامة و«رواق الموت» خاصة يقوم كما يقدمه الكاتب على مبدأ اساسي هو الخضوع التام من قبل المساجين لسجّانيهم وعدم المناقشة.. وبالطبع ليس هناك أية امكانية او بالاصح اية فائدة، للتمرد.. بل وحتى ولـ «رفض وجبة الطعام» التي يتم تقديمها.. اذ ان الاصرار على مثل هذا الرفض قد يقابله بكل بساطة التعرض لـ «الغازات المسيلة للدموع او الغازات المثيرة للشلل مؤقتاً» ثم يأتي بعد ذلك «الضرب والاجرام خارج الزنزانة والتجريد من الثياب ثم الحبس في زنزانة خاصة لا تزيد مساحتها على متر مربع ونصف». وضمن هذه الشروط يصبح «تحسين السلوك» امرا مطلوباً و«مرغوباً». من قبل السجين بغية العودة الى الحالة «الأفضل». ويكرس المؤلف ضمن اطار «المفاضلة» بين زنزانة واخرى عدة صفحات للاحاسيس «الرهيبة التي اعترته» عندما تم نقلهم الى «زنزانات جديدة ليس فيها اية نافذة» ان النافذة في السجن هي وسيلة التواصل الوحيدة مع الزمن والاحساس بدورة الليل والنهار. واذا كانت ادبيات كثيرة قد تحدثت عن وجهات نظر علماء الاجتماع ورجال السياسة ومختلف شرائح الباحثين، كل من موقعه، حول مسألة جدوى عقوبة السجن في مكافحة الجريمة، فان المؤلف السجين يقدم هو الآخر في هذا العمل رأيه: «يرى الناس بان السجن هو الوسيلة الوحيدة ضد الجريمة ويعتقدون بانه في حال الافراج عن المساجين سوف يعودون الى تكرار افعالهم. كما ان اغلبيتنا لا يساوون شيئا ولا يمكن ان يعودوا الى الطريق المستقيم. ولو انكم رافقتموني خلال هذه السبعة عشر عاما في رواق الموت فلاشك بانه سيكون لكم رؤية اخرى للاشياء، اذ ليس من السهل ان يموت الانسان قليلا كل يوم وان تفقد اعزاء ولا تستطيع اقتسام الالم مع الاهل والاصدقاء.. وان تلاحظ بانك مدان باسم الآلام التي يعاني منها المجتمع كله...». كتاب عن عالم السجون.. ورواق الموت... او «جهنم الارضية»