بيان الكتب: يعمل جيس بيوك مؤلف هذا الكتاب استاذاً للحضارات الاسكندنافية في العصور الوسطى بجامعة كاليفورنيا، وهو عضو في معهد «كوستن» للدراسات الاثرية. سبق له ونشر العديد من الدراسات والكتب عن ايسلندة مثل «ايسلندة في العصر الوسيط»، «المجتمع والسلطة». وكان المؤلف قد حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة هارفارد بعد ان تابع دراساته في ايسلندة والسويد وفرنسا. وهو احد أهم الاخصائيين الغربيين بالدراسات المتعلقة بـ «الفايكنج» والتي تعتمدها عدة مؤسسات علمية أمريكية كبرى. وصل «الفايكنج»، أو «غزاة الشمال» كما شاعت تسميتهم إلى جزيرة ايسلندة عام 870 ميلادية، وكانت آنذاك مجهولة إلى حد كبير. وهناك نظرية تقول بان الفايكنج كانوا أول من وصل إلى القارة الأمريكية قبل ان تطأها اقدام كريستوف كولومبس وتجارته عام 1492 بسنوات طويلة. هذا الكتاب يهتم تحديداً بالقرون الاولى من تاريخ وجود الفايكنج في ايسلندة وبناء «دولة» هناك ما بين القرن العاشر والقرن الثالث عشر، وكان الفايكنج الذين أقاموا في ايسلندة قد وصلوها قادمين من البلدان الاسكندنافية في شمال القارة الأوروبية أو من «مستعمرات» الفايكنج في الجزر البريطانية. كانت العقبة الأولى التي واجهها القادمون الجدد هي التأقلم مع مناخ «قاس» ومع ظروف بيئية جديدة عليهم وايجاد سبل العيش في ارض قليلة الموارد، بل ومجدبة في حالات كثيرة. ان المؤلف يولي اهتمامه أولاً لتحليل البنى الاجتماعية والإدارية في ايسلندة آنذاك وحيث كان هناك نوع من غياب السلطة التنفيذية الحقيقية. لكن هذا لا يمنع واقع ان تلك البلاد كانت من وجهة النظر الاجتماعية ـ التاريخية بمثابة «مختبر اجتماعي باهر». ثم كانت من خصوصيات المجتمع الذي تطور على تلك الجزيرة الكبيرة في ظل الفايكنج. تجنبه الفعلي لاقامة تراتبية هرمية ادارية كبيرة، ولكن دون الوصول إلى تطبيق المساواة الكاملة. وتتمثل احدى القواعد الاساسية التي كانت تحكم آليات عمل المجتمع الايسلندي زمن «الفايكنج» في كون ان الاجماع قد لعب دوراً كبيراً في صياغة القرارات المنظمة لحياة المجتمع. اذ كان المزارعون والصيادون يشكلون «نخبة» تتمتع بقدر متساوٍ تقريباً من الحقوق والواجبات. وكان اساس «الحكم» يقوم على خلفية المشاكل التي كانت تجد جذورها وخصوصياتها على مبدأ الحقوق المتساوية للايسلنديين «الأحرار». وكما فعل المؤرخ الفرنسي الشهير فرناند بروديل في تأكيده على دور «المناخ» و«عوامل الطبيعة» في تكون الحضارات والثقافات، «على المدى الطويل» يرى مؤلف هذا الكتاب بان الفايكنج، المستعمرين. الذين وصلوا إلى ايسلندة في الدفعات الأولى وأقاموا فيها واجهوا محيطاً طبيعياً مختلفاً إلى حد كبير عن ذلك الذي كان يحيط بهم في شمال القارة الأوروبية. كما ان «النشاط البركاني المستمر وظروف المناخ والبعد عن أوروبا وندرة الاخشاب الصالحة للبناء كانت بمثابة عوامل ساهمت في تحديد مسار ثقافي معين وتطوير استراتيجيات تستجيب لمتطلبات الحياة الجديدة، لكن بالمقابل وظف المقيمون الجدد كفاءاتهم التي كانوا قد حصلوا عليها في مواطنهم الاصلية في ايجاد بنى اساسية جديدة اكثر تطوراً إلى جانب التكيف مع الوسط الجديد واستخدام الموارد المتوفرة. وأبدت «المجموعة الثقافية الجديدة» قدرة كبيرة في التأقلم «خاصة العيش في مزارع» معزولة «بشكل عام وحيث كانت قطعان الحيوانات التي ملكوها «تجوب المناطق الجبلية المجاورة». ان الخطر لم يكن في الواقع بصوره الطبيعية وانما «البشر» الاخرين، لذلك كان لابد من ايجاد منظومة «قانونية» لضبط آليات عمل المجتمع. وفي دراسة للنظم القانونية «التي سادت في ايسلندة خلال العصر الوسيط تحت ظل «الفايكنج» يؤكد المؤلف بان «القوانين» شملت خلال العصر الوسيط كل مظاهر وميادين العلاقات الاجتماعية، لكن وهنا تكمن «فرادة» النظام الاجتماعي آنذاك، لم تكن هناك سلطة تنفيذية «حكومة» لتنفيذ القرارات وانما كان تنفيذها يقوم على أساس «ديناميكية اجتماعية خاص» لعبت فيها علاقات القرابة الاسرية دوراً مركزياً. ولعل جزيرة ايسلندة ذات المساحة الهائلة، كانت أولى من طبق عملياً وبشكل واقعي وحازم مبدأ «التحكيم» وضمن هذا الاطار يدرس المؤلف آليات اتخاذ القرارات القانونية والسياسية والخيارات الاجتماعية بين «العنف» و«الانصياع» لمستلزمات العيش المشترك. كذلك يدرس المؤلف التبدل، أو بالاحرى «المسار التطوري» الذي رافق عملية الاستيطان «الاستعماري» خلال المراحل الأولى من التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته جزيرة ايسلندة خلال العصر الوسيط. وحيث ساد نوع من التوجه نحو تطبيق «مبدأ المساواة» في ظل وجود تراتب سياسي لا يكاد يظهر «وقد كان الاقتصاد منذ بداياته «مختلطاً» إلى حد كبير وحيث كان المستوطنون يجنون منذ البداية الفوائد من الثروات البحرية ومن الموارد الداخلية لايسلندة، ويصف مؤلف هذا الكتاب النظام الاقتصادي الذي ساد في بدايات تواجد الفايكنج في ايسلندة بانه كان «نظاماً بسيطاً يعمل حسب تقنيات ومتطلبات فرضها العيش في مزارع» كما فرضها جني المواسم والصيد على طول الشواطيء بهذا المعنى كان المجتمع «الايسلندي» آنذاك لكن مع مرور الوقت تبين ان «نظام تربية المواشي الذي استورده المستوطنون كان بمثابة كارثة على صعيد البيئة». كانت ايسلندة قد ظلت حتى نهاية العصور الوسطى، بل وفيما هو ابعد من ذلك، بمثابة بلاد ريفية تفتقر بشكل كامل إلى وجود المدن بل والى وجود القرى بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. ويعيد المؤلف مثل هذه الظاهرة إلى واقع المشاركة المتواضعة جداً لايسلندة خلال بدايات تاريخها الحديث تحت ظل الفايكنج بالنشاط التجاري مع البلدان الاسكندنافية، التي انطلق منها «غزاة البحر». كما ان التمايز ظل قائماً و«كبيراً» بين البنية السياسية والاجتماعية في ايسلندة وما كان قائماً في المنطقة الاسكندنافية بشمال القارة الأوروبية حيث كانت التراتبية السياسية والاجتماعية كبيرة في ظل قيام ممالك كان لصاحب السلطة العليا فيها صلاحيات ومهمات عسكرية محددة. بنفس الوقت ظلت ايسلندة بمثابة مجتمع يمتلك «هيكلاً إدارياً لا يوجد على رأسه أحد». لقد كان بمثابة «جهاز دولة» بدائي إلى درجة ما مع نوع من الهيئة التشريعية المركزية ذات الصلاحيات التحكيمية» بالدرجة الأولى. اما بالنسبة لدور الكنيسة فإنه ظل حتى القرن الثالث عشر في ايسلندة التي كانت قد تحولت إلى المسيحية منذ العام 1000 فقد كان مرتبطاً إلى حد كبير مع سلطة «الزعماء الدنيويين» على عكس ما كانت عليه الحال بشكل عام في بلدان القارة الأوروبية. ان المؤلف يشرح ضمن هذا السياق نمط العلاقة الذي كان قائماً آنذاك بين «الزعماء» واولئك الذين كانوا يدينون بالولاء لهم وحيث كانت القاعدة الاساسية التي تحكم تلك العلاقة هي «احترام الواجبات المتبادلة» من كل طرف حيال الطرف الاخر. هذا وعلى الرغم من ان الايسلنديين كانوا على اتصال مع أوروبا فإن مجتمعهم ظل بعيداً عن أغلبية قوى التغيير «الخارجية». ان المؤلف يحدد وجود عدة مراحل في تطور مفهوم الدولة بايسلندة خلال العصر الوسيط وذلك على اساس درجة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الذي شهده «النظام القائم». والخصوصية الاساسية التي يركز عليها المؤلف في آليات عمل المجتمع الايسلندي خلال القسم الاكبر من العصر الوسيط هي ان «الجزيرة عملت ـ حتى القرن الثاني عشر ـ على الصعيد العام كمجموعة ـ امة ـ واحدة» أو بالاحرى كـ «قرية كبيرة» متقوقعة على ذاتها دون ان تولي أهمية كبيرة للمسائل ذات «الطابع العسكري» وحيث ان الجميع كانوا ينضوون تحت لواء «الاجماع». ومن الميزات الاساسية لهذا الكتاب هناك وصفه الدقيق و«الممتع» لتفاصيل الحياة اليومية للايسلنديين العاديين، مقيمين وأبناء البلاد الاصليين، بصورة قل ما تمكن مصادفتها في الكتب التي عالجت التاريخ الأوروبي خلال العصر الوسيط. ومن خلال دراسة هذه التفاصيل ودراسة مصادر السلطة واستراتيجياتها يدرس المؤلف في القسم الاخير من الكتاب بدايات تشكل الهرمية السياسية على الصورة التي عرفتها الدولة الحديثة.. وحيث يحدد بدايات مثل هذا التشكل في القرن الثالث عشر، وما يسميه بالمرحلة الثالثة والاخيرة من مراحل التطورات التي شهدتها ايسلندة خلال العصر الوسيط. ان المؤلف «يفتح قوسين» في سياق تحليلاته لدراسة اوضاع المرأة وموقعها في مسيرة التطور الاجتماعي والسياسي التي شهدتها ايسلندة. ويعتبرها بمثابة احد المكونات الاساسية في النسيج الاجتماعي وهو يناقش دورها باعتبارها «عنصراً فاعلاً في الحياة الاجتماعية» ولا يناقشه من موقع «العلاقة بين الجنسين». لكنها بكل الاحوال ظلت بعيدة عن المشاركة في «النخب الجديدة» التي بدأت بالبروز في «المرحلة الثالثة» وتحديداً منذ اواسط القرن الثالث عشر. ومع بروز هذه النخب الجديدة شهدت جزيرة ايسلندة بدايات ظهور اجواء المنافسة التي كانت غريبة عنها حتى ذلك الوقت وبنفس الوقت برزت مجموعة جديدة «منافسة» للتنمية تمثلت في «كبار «المزارعين» وهكذا أصبحت البنية الاجتماعية والسياسية أكثر تعقيداً و«حدث التغيير في مختلف مكونات البلاد في لحظات متباينة». كتاب عن تاريخ شعب مجهول إلى حد كبير.. وعن الدور المركزي الذي لعبه شعب معروف جداً هو شعب «الفايكنج»، «غزاة الشمال» في ذلك التاريخ