بيان الكتب: تخطو رغم بياض شعرك نحو «مكتبة جامعة ليدن» وهي صرح علمي طالما راودك حلم ان تكون من طلبتها، تخطو على استحياء وانت بجوار شباب يحملون كتباً ومتع الحياة من ان يحسبك احدهم استاذاً في الجامعة وانت لا تزال تحث الدرس تلو الدرس، وكأنك لم تبتدئ بعد. او تلميذاً فقد دراسته فعاد يبحث عنها في مكتبات العالم او انك لا هذا ولا ذاك مجرد قارئ تريد ان تستطلع مايحدث في عالم اليوم. فلقد قرأت عن هذه المكتبة كثيراً، ثم قرأت فيها ايضاً، وسمعت عن كتبها التراثية وما تحتويه رفوفها ومخازنها من مخطوطات، قلبت بعضها واستنسخت بعضها الاخر. ووجدت كتباً عربية لم تقرأ بعد جيداً من المثقفين العرب او غير العرب. ورأيت مئات المخطوطات الشرقية، والاسيوية والاوروبية وهي تعلن عن نفسها ومادتها فوق مناضد التشريح الثقافي لطلبة وقراء من مختلف انحاء العالم. الثقافة بالنسبة لهذه المكتبة. خارطة وكتاب. في الخارطة تتضح لك خيوط الثقافة العالمية ومساربها المعلنة والخفية، وفي الكتب تتصفح البلدان واحدة بعد الاخرى لتقرأ عنها ومنها. كتاب مفتوح على العالم بكل جهاته وكتاب يدعوك مبتسما كي تقرأ فيه. واسر لك اصدقاؤك في دول عدة من العالم مرة ومرات حاسدين مجاورتك لمكتبة ليدن. وحاسدين فيك هذا الدأب الذي لم ينقطع بعد، حتى قال صديقي الفنان طالب غالي مرة: انك كمن تطارد شبحاً في صحراء لا انت ممسك به ولا هو يغادر رؤيتك. ففي هذه المكتبة ما يغني الثقافة والنفس، وفيها ما يصنع الثقافة والمثقف. وفيها ما يمكن ان تأمله من معان انسانية: طريقة التعامل الالكتروني الحديثة في رفد المعلومات لكل من طلبها ومن مختلف العالم. وفيها الاستعارة عن طريق الكمبيوتر وانت في بيتك، وفيها الانترنت المجاني النافذة على كل ما تريده. فالاستعارة لعدد من الكتب دفعة واحدة، يسهل عليك التنقل، التعامل المعلوماتي البسيط بين ما تملك انت وما في المكتبة يسهل عليك ان تدخل الى كل ما تريده بسعر زهيد. ثم هذا الذي تسأل عنه فتجد الاجابة موثقة: التاريخ القديم، ثقافة الشرق الاوسط، ما لا تعرفه عن الاديان والعلوم والفلك والطب والسياسة والرياضة وحتى لون البشرة في العالم.. فثم هذا التداخل الفني بين معارض مختلفة تؤدي كلها لصياغة منهجية متقدمة كي تدخلك المكتبة ضمن نظامها التقني ـ الثقافي بسهولة.. وعندما تدخلها من ابوابها الواسعة بعد ان تودع حقيبتك في صناديق التأمين، تشعر انك بالفعل في حضرة صرح علمي ـ ثقافي كبير. فقد لا يكون مثل هذا الانطباع السريع مهما الان، ولكنك تشعره بعد ان تغادر المكتبة وقد حملت يداك من خزائنها الكثير. ولكثرة ما احتوت المكتبة على كتب تراثية ودينية اسلامية وعربية، تشعر ان شيئاً من قدسية الماضي العربي موجودة في هوائها، وفوق رفوفها، ومعلق مع اشجارها الزينة، وتراه على وجوه القراء الموزعين هنا وهناك، وعلى ممراتها الصامتة الضاجة، ما يجعلك تتوجس غيظاً من التفريط الذي صاحب نقل الثقافة العربية الى اوروبا في العصور الوسطى، وانت منتجها ولم تستفد منها. لكنك تزداد غبطة مضاعفة عندما تجد نفسك بين تراث امم مختلفة تتجاوز بحميمة دون ان يكون هناك استعلاء ثقافة على اخرى. ولكن من يدري ما مصير هذه الثروة التراثية العربية لو لم تنقل الى من يعتني بها ويحافظ عليها من عبث وتجارة وفساد ومرتزقة وجهل وتخلف. البعض من مسئولي الثقافة في بلداننا؟ من يدري ايضاً كيف ستكون عاقبة الامور لو لم ينتبه الغرب الى ما في هذا التراث من قيم فكرية وانسانية جرى تطويرها على مدى قرون لتصبح ارضية حية نابضة بعلوم ومنجزات ثقافية وفنية. وعندما تعيد حسابات السنين والايام هذه وتلك، تشعر بفخر انك في مركز علمي يقوم في جزء من بنيته الفكرية على التجاور بين تراث امم عدة من بينها تراثنا العربي ـ الاسلامي. وانه محفوظ بطريقة تصونه من التلف والسرقة وتحافظ عليه كما لو كان هو ارثها. وبالفعل لا تشعر بانتماء هذا الكتب الا لمن يستخدمها علمياً ويفتح صفحاتها القديمة على هواء العصر وثقافته وناسه وطلابه. الامر نفسه صاحبني وانا اتجول في مكتبات استنبول وجوامعها الممتلئة بمخزون الثقافة العربية والاسلامية مرات عدة في اواسط السبعينيات واوائل الثمانينيات عندما تجد تراثك. العربي ـ الاسلامي وقد ملأ الرفوف والعيون والايدي، ولا تستطيع التعامل معه لأنك سائح غير مستقر في تركيا، وعربي يخشى الاتراك على تراثك من ان تسرقه!!. وثقافة السائح لا تتعدى المشاهدة العابرة لمفردات تستوجب الوقوف الطويل. ها انت تعيش في لاهاي ومدينة ليدن الجامعية لا تبعد عنك سوى 22 كم وفي القطار عشر دقائق، ومع ذلك لا تجد نفسك متجه اليها الا اذا احتجت لكتاب وفي الطريق تعرج لرؤية الدكتور نصر حامد ابو زيد او الدكتور اسعد جابر او المستشرق كونزر فيلد مترجم القرآن الكريم للغة الهولندية او غيره. اما ان تذهب لتجد لنفسك كما كنت في بغداد ـ رغم ذهابك لها مرة في الاسبوع ـ غارقاً في كتب التراث والمجلات القديمة فقد فاتك الزمن ـ رغم حماسك ـ يا صديقي. تاريخ ليدن الثقافي الحديث عن مدينة ليدن، يستوجب العروج على تاريخ الثقافة فيها، فهي مدينة منقوعة بالثقافة كغيرها من مدن هولندا الهادئة والمائية الخضراء. ونعني بالثقافة هنا كل ما يتصل بحركة وحرية المواطن من سابلة وطرق وحياة رخية وتنقل وحديث وصحافة وقول.. الخ. فبعد انتهاء حرب الثمانين 1568 ـ 1648 مع اسبانيا، وطنت هولندا نفسها على شيء من البحث عن هوية مستقلة لها عن جيرانها، فعلى مستوى التعليم كانت جامعة «لوفن» في بلجيكا هي الاساس لكل التعليم في الاراضي المنخفضة التي كانت تشمل هولندا وبلجيكا آنذاك. مما يعني ان سعة هذه البلاد تتطلب تركيزاً في بقع جغرافية ذات تأثير كبير في صياغة هوية هولندا، فكانت مدينة ليدن واحدة من المدن التي صنعت تاريخ هولندا. ومن هنا بدأت هولندا تخطط لتكوين كيان ثقافي مستقل لها، يرتبط بما كانت عليه جامعات الاراضي المنخفضة كلها وفي الوقت نفسه تؤكد من خلال الجامعة هويتها الخاصة. فتم تأسيس اول جامعة في ليدن في عام 1575. فعد القرن السادس عشر بداية لنهضة ثقافية ـ علمية ـ دينية في اوروبا كلها. ومن يستقرئ تاريخ اوروبا في القرن السادس عشر يجد ان النهوض يبدأ على كل المستويات الفكرية والثقافية خاصة بعد ان وجدت الكنيسة نفسها محاصرة بوعي جديد رغم انها كانت من اكثر السلطات الاجتماعية والمدنية تحكماً بالناس. خصصت قاعة صغيرة وقليلة لاحتواء المكتبة التي كانت كتبها عبارة عن الامر هبة من الامير وليم الذي عرف عنه تعلقه بالعلم والثقافة والخصوصية المدنية. بعد عشر سنوات يصبح عدد الكتب فيها بين عامي 1568 ـ 1573 لا يتجاوز 500 كتاب، مما يعني ان صناعة الكتاب في ذلك الوقت من الصناعات الثقيلة والمهمة. فالعدد 500 غير كاف لتغطية احتياجات القراء فيها. الا ان البذرة الاولى لابد لها من ان تثمر رغم البطء الذي صاحبها لتصبح في بداية القرن الثامن عشر كتبها حوالي 25 ألف كتاب. تشمل مختلف العلوم الانسانية والطبيعية والطبية. ثم بدأت حركة الثقافة الهولندية تتجه للتمركز في ليدن. وبعد ست سنوات من تأسيس المكتبة في الجامعة عبرت غرف المكتبة القناة التي تفصلها عن جامعة ليدن لتتسع في الضفة المقابلة لها. فتوزعت المكتبة على ضفتي القناة. فقد كانت بنايتها في اول تأسيسها من طابق واحد استوعب 18 ألف كتاب ثم لما توسعت على ضفتي القناة استوعب 25 ألف كتاب، ثم لما وجدت نفسها في تزايد فكر المسئولون ببناء مكتبة خاصة تستوعب حركة الثقافة التي بدأت تتسع الان بعد ان وجدت هولندا نفسها حاضنة للاستشراق وللثقافة الاندونيسية والسورينامية والاوروبية. لتصبح بنايتها المكتبة الان من خمسة طوابق يحتوي الطابق الأول منها فقط على مليوني كتاب. العربية في هولندا بعد حرب الثمانين انفصلت هولندا لتستقل لوحدها، محتفظة ببقعة ارض صغيرة كي تؤلف لها نسيجاً حياتياً خاصاً بها. فوجد البروتستانت، الذين كانوا طليعة المثقفين انفسهم مرغمين على دراسة اللغة العربية بعد دراستهم للعبرية والآرامية حيث كان الانجيل مكتوباً بهما. فتمكنوا في دراسة اللغة العربية ـ لمعجمها الضخم ولنحوها الدقيق كما يقول الدكتور اسعد جابر الأستاذ في جامعة ليدن. ان ينفذوا الى تعاليم الدين المسيحي بطريقة تقربهم من العلاقة بين البيئة والدين. فاللغة العربية ليست لغة منطوقة فقط، بل هي كيان معرفي مؤسس على ارضية من تطور لحضارات الشرق كلها. وما المعجمية الكبيرة التي تحتويها هذه اللغة الا واحدة من ادلة على عمق الصلة بين اللغة والبيئة والمجتمعات القديمة والتراث الديني العريق.. وفي ليدن اسس «استاذ كرسي اللغة العبرية «رفلينخيوس» الذي كان صهر كرستوفر بلانتين الذي اسس مطبعة في مدينة «انتفربن» البلجيكية والذي فر الى ليدن بعد ان احتل الاسبان مدينته، مطبعة جديدة في ليدن وكانت اللغة العربية اللغة التي تطبع بها هذه المطبعة كواحدة من اللغات التي طبع بها بلانتين الكتاب المقدس. كما قام «رفلينخيوس» عام 1595 بنشر كتيب يحتوي نماذج من الخطوط العربية ووضع قاموساً للغة العربية قام ابناؤه بنشره بعد وفاته. اما اول من شغل منصب كرسي اللغة العربية في جامعة ليدن، فكان «آربينيوس» عام 1613 وكان قد درس اللاهوت في جامعة ليدن. وتخرج 1608. على يد العالم الفرنسي «سكاليخر» الذي كان يدرس العربية ايضاً ويستعمل مصادرها « في اصلاح التقاويم» ومن بعدها كتب «اربينخوس» كتاباً في «النحو العربي» عام 1613م الف من بعده العالم «خوليوس «القاموس «عربي لاتيني» الذي بقي مرجعاً حتى القرن التاسع عشر. خلال عام 1587 كانت مكتبة ليدن تفتح لعدة ساعات في الاسبوع ـ يعمل فيها بين عامي 1585 ـ 1604 ثلاثة وعشرون «23» موظفاً فقط ـ بعد ان جرى فتح مجال للقراءة في غرف المكتبة الصغيرة. من قبل البروفيسور يانس دوسا الذي كان ينظم سجل الاستعارات في بيته. وكان عدد كتبها يوم ذاك 1630 عنواناً.. واذ تستمر المكتبة باستقبال الهدايا من الكتب والخرائط والوثائق والرسائل، نجدها تفتح ابوابها لاحقاً لفترة اطول. وابتداء من بداية القرن السابع كانت تفتح خلال الايام: السبت والاربعاء من كل اسبوع بين الساعة 2 ـ 4 مساء. وبقيت تعمل بهذا النظام حتى القرن التاسع عشر. قبيل الحرب العالمية الثانية اتسعت مكتبة ليدن واحتوت رفوفها آلاف الكتب والوثائق والخرائط، وفتح فيها جناح للكتب الشرقية، وعندما نشبت الحرب كانت هولندا من الدول التي سيحتلها النازيون. في هذه الاثناء تم التنسيق بين سكرتارية المكتبة وعدد من اصحاب المكتبات الخاصة في ليدن لحماية المكتبة من ان تقع بيد النازيين. وكان يوم ذاك يعمل فيها عدد من المثقفين اليهود. وما ان احتلت المانيا هولندا، حتى الغت وظائف 20 من العاملين اليهود فيها ثم سيطرت سيطرة تامة على محتويات المكتبة. من بين العاملين في المكتبة خلال اعوامها الاولى البروفسور دانيال بروتوس مع صديقه جان فان هوفت الذي نشر اول مطبوع عام 1595 عن المكتبة مع النماذج الخاصة بالكتب ويصادف ان يكون هذا المطبوع اول كتاب عن علم المكتبات. وكان الهدف من نشر هذا الكتيب: هو اولاً الاهمية العلمية للتوثيق. وثانياً الرغبة في اظهار جامعة ليدن الى العالم في زمن الحرب مع اسبانيا، والسبب الثالث هو هذه الهبة المغرية من الكتب التي حصلت عليها المكتبة من الهولنديين الذين تنادوا لبناء ثقافتهم التي تكمل شخصيتهم المستقلة عن اسبانيا. بعد الحرب العالمية الثانية بدأت تتغير الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة في طريق الاستعارة والقراءة والخدمات. فقد شهدت هولندا نهضة شاملة بين عامي 1947 ـ 1961 كان من نتيجتها ان تزايد عدد العاملين في المكتبة، وازدحمت مخازنها بالكتب القديمة والحديثة وفتحت خطوط عمل مع مكتبات عالمية كثيرة. فوضعت الدولة لها ميزانية خماسية تعمل على استيعاب المتطلبات الجديدة. ففي عام 1961 فتحت المكتبة جناحاً خاصاً للكتب الطبية فتأسست اول مكتبة للعلوم الطبية بعد ان كانت كتبها متناثرة. اضافة الى فروع اخرى التي كانت في اول عهدها مقتصرة على الكتب الدينية والثقافية العامة. استغرق الانتقال طوال عام 1983، لانتقال المكتبة الى بنايتها الحالية ـ خمسة طوابق ـ والتي تحتوي على اقسام كثيرة، سنأتي على ذكرها لاحقاً.. وافتتحتها الملكة الهولندية بياتريس البناية في عام 1984. وفي الحين اعلن ان المكتبة ستفتح ابوابها للقراء طوال 70 ساعة في الاسبوع، ازدادت الى 80 ساعة في العام 1994، واستحدثت مجموعة خاصة من القراء اسمتهم «اصدقاء مكتبة جامعة ليدن» ولهم امتيازات خاصة في الاستعارة، وجل هؤلاء من المواكبين لحركة تنامي المكتبة وللمطالعة والاستفادة منها. في عام 1976 اصبح عدد الكتب في المكتبة فقط 400 الف عنوان ادخلت في ملفات ميكروفلم وباللغة الهولندية الا ان طريقة الميكروفيلم لم تسعف المكتبة بعد ان تزايد عدد الكتب والوثائق فيها فاعتمدت عام 1988 طريقة حفظ خاصة وسميت «كراسة ليدن» ثم تطور الحفظ فاصبح بالكمبيوتر فحفظت فيها كل ما تملك من صحف وكتب ووثائق وارشيف ومدونات خاصة. CD تضم المكتبة الان اقسامها كثيرة منها علم الآثار، علوم الانسان، الفنون، علم الفلك، علم فن رسم الخرائط، الاثار الكلاسيكية، التاريخ، علوم التربية، القانون، الآداب، علوم الطب، الاستشراق، علم البرديات، علوم الفلسفة، علوم السياسة، علوم الديانات، علوم النشر. تحتوي المكتبة حسب احصائية يونيو عام 2000 على 350 الف عنوان كتاب، و 50 ألف منشور و60 ألف مخطوطات اصلية ومستنسخة و 450 الف رسالة و 70 الفاً من الخرائط والرسوم و 40 الف صورة فوتوغرافية. نظام مكتبي متطور ليس مكتبة ليدن هي هذا المجموع من الوثائق والكتب والخرائط، بل هي نظام مكتبي متطور، تلمس ذلك في كل مفردة وجزء منها، طريقة حفظ الوثائق القديمة خاصة الخرائط والمصورات التي تحفظ في خزائن زجاجية كما لو كانت آثاراً بابلية او فرعونية او سومرية، او دلمونية قديمة، تراها من خلال واجهات الزمن وتقرأها وانت محلق في ذلك التكوين القديم الذي خط باليد فكان دقيقاً في معالمه العامة. او طريقة الاستعارة الالكترونية فأنت في اي بقعة تستطيع ان تستعير الكتاب مصوراً او عن طريق الانترنت او المراسلة. او طريقة المطالعة تلك التي تعودنا ان نكون فيها كما في الجوامع والكنائس صلاة ـ مطالعة جماعة، في حين انها هنا تكاد ان تفرز لك طاولة مستقلة عن كل ما يحيط بك رغم وجود من يطالع بالقرب منك. وهناك المكتبة السمعية الخاصة بالتسجيلات على الاشرطة وهناك ايضاً المكتبة البصرية تلك التي تقرن لك الصورة بالشرح. في مكتبة ليدن توجد اقسام خاصة باللغات واخرى بالارشيف وثالثة بالتعليم الاكاديمي، ويتجاور في كل المكتبات الرسم مع الموسيقى مع الخرائط مع الوثائق. وتوجد نشرات دورية تصدر في السنة، فمثلاً يصدر مركز الدراسات الافريقية نشرة نصف سنوية منذ عام 1968 تبحث في الانثروبولوجي، الاقتصاد، التاريخ، الصحة، الادب، التعليم، القانون، وتتعاون هيئة تحرير هذه النشرة مع الصحف والمجلات المختصة بالعالم الثالث ومستقبل تطور الدراسات هناك. تصدر هذه النشرة باللغات الانجليزية والفرنسية والالمانية والهولندية والافريقية والايطالية. وبمثل ما يصدر مركز الدراسات الافريقية نشرته توجد هناك نشرة اخرى تصدر عن قسم الاستشراق واخرى سنوية عما يستجد في مكتبة ليدن، وغيرها من نشرات موسمية وفصلية تغني الدارس وتوقفه على اخر مستجدات المكتبة في شتى الميادين. وبالمناسبة يحتوي مركز الدراسات الافريقية على 80 ألف دراسة مفردة خاصة، و 1450 منشوراً دورياً يتضمن 625 منشوراً متداولاً للقراءة و 20000 مصورات عن افلام تشتمل على صحف افريقية، وخطط تنمية، و 67 ميكروفيلم للمقالات الاجنبية المختصة بأفريقيا. اما ارشيف مدينة ليدن الذي يعد جزءاً من تاريخ المدينة وهويتها، فقد اسس عام 1874 من قبل رئيس البلدية واحتفظ اول الامر مع ارشيف المدينة في الاقسام الادارية في البلدية ويشمل سجلات لبعض الاسر الهولندية المهمة وللأفراد الذين اسهموا في تأسيس المدينة. خاصة ممن كانوا مهتمين بالاقتصاد والصحة والتعليمي والادب والرياضة والاديان. تتضمن 7500 مجلد هذه المعلومات عن اناس ليدن المؤسسين، اضافة الى 50 منشوراً عنهم. و 89 خارطة اطلسية مهمة. و 3500 خارطة مرسومة عن العالم و 2000 خارطة مستنسخة. في الطريق الى مكتبة ليدن، لابد وان تمر بعدد من طواحين الهواء، مرتفعة، دائرة، في سماء المدينة. محركة الاعين قبل الريح، ومتوجسة خيفة من اولئك الذين لا يربطون بين تراث المدن الهولندية الزراعي، وتطلعها العلمي الثقافي. تتحرك هذه الطواحين، لا لتعصر زيتاً او تنتج طحيناً او ترفع مياهاً لتسقي فقط، بل لتقول لنا بصرياً: ان سماء المدن المنخفضة تمتلئ بحركات الاعين المحلقة بدوران العلم والتقنية. وان الزمن التقني الحديث مازال يسمى باسماء آبائه: المعمل والحقل. وهذا ما تمتاز به هذه المدينة الجامعية. طواحين شواهد، تدور في افق المدينة التي تعرف البناء المرتفع كثيراً، وتعلن من خلال ذلك عن دورة اولى للمطابع الهولندية باللغة العربية في الغرب، قبل 600 سنة تلك هي مطبعة بريل. ليدن مدينة هادئة منسابة على جداول مائية وقنوات تعبرها، الجسور اكثر من الاقدام ـ 682 جسراً ـ وبطرقات ملونة الحجر تسير كما لو كنت في ارض غير ترابية. وهولندا، الارض المنخفضة التي يعلوها البحر بحدود 70 متراً كانت ارضاً غزواً ـ فهي موطن بحارة الفايكنج، اولئك الذين جابوا بحار العالم من اجل ان يبنوا لانفسهم مدناً زراعية ـ صناعية وموطناً لأن يكون علامة لاحقة، في السياسة الحرة والاقتصاد. واسفرت سفرات، لا بل غزوات الفايكنج الى احتواء اندونيسيا وسورينام. وجعلوا من هذه الدول موطناً لتطبيقات سياسية واقتصادية ودينية ـ تعد هولندا من الدول القليلة التي تتجاور فيها الاديان وتفسح لها المجال للتعبير عن حريتها وعقيدتها، بل وتشكل سورينام امتداداً لها ـ للآن يرفض شعب سورينام الانفصال عن هولندا مع العلم انها تبعد عنها آلاف الكيلومترات 7 آلاف كلم. ولليوم تعد اندنوسيا البلد الذي يمول قسم الاستشراق في جامعة ليدن وجزء من مكتبتها العريقة. يطلق على مدن هولندا تسمية ثقافية اضافة الى تسميتها «العلم». فلكل مدينة اكثر من اسم علم، فمدينة لاهاي مثلاً هي العاصمة السياسية والمتحفية: لاهاي، وتسمى ايضاً «دين هاخ» و«خرافن هاخ» ومدينة ليدن تسمى المدينة الجامعية. ومدينة دلفت تسمى المدينة الطلابية.. وامستردام، تسمى المدينة السياحية والثقافية. واوترخت، تسمى المدينة الفنية، وهمبرسون، تسمى المدينة الاذاعية والتلفزيونية، والراي، تسمى مدينة المعارض التشكيلية.. الخ. في هذا السياق لا تقترن ليدن ومكتبتها الا بالدرس الجامعي القديم والمعاصر معاً. حيث اسس فيها اول جامعة في هولندا وفيها اسس اول قسم للاستشراق. وفيها ترجم لأول مرة القرآن الكريم، وفيها اسست لأول مرة ايضاً مدرسة لتعليم الاسلام واللغة العربية، وفيها ايضاً اقدم مطبعة «مطبعة بريل» التراثية التي قدمت مئات الكتب العربية والاسلامية مترجمة الى الهولندية، وما تزال هذه المطبعة والدار الملحقة بها تحت اشراف احد ابناء «بريل» تنتج وتعمل، ولكن باطار اكثر هدوءاً بعد ان اصبحت المطابع ودور النشر مؤسسات كبيرة. وفيها ايضاً مكتبة باللغات الشرقية تحتوي على كتب عربية وتراثية قديمة معروضة للبيع. هولندا ـ ياسين النصير