بيان الكتب: «سينما اليهود دموع وخناجر» عنوان له دلالته للكتاب الذي صدر في مكتبة الأسرة، الأعمال الخاصة للكاتب و الناقد السينمائي رؤوف توفيق، الذي اعتمد في أغلب ماعرض له من أفلام على مشاهداته في مهرجان كان بالذات الذي يدأب على متابعته سنويا.. وقد وجد كما يقول في مؤلفه النقدي أن السينما الصهيونية قد ركزت فقط على الضحايا اليهود في الحرب العالمية الثانية وقدمتهم في صورة تستجدي الشفقة، وجندت كبار الفنانين ذوي الجذور اليهودية لكي يثبتوا ولاءهم العرقي. في الفصل الأول: «اضطهاد اليهود، وضرورة تكفير العالم» يتناول سبعة أفلام من بينها ثلاثة من ألمانيا وواحد من كل من فرنسا وبلجيكا والمجر ويوغوسلافيا. «الطبلة» ألماني فرنسي اخراج فولكلر شلندورف عن رواية جونتر جراس « نشرت ترجمتها بالعربية مؤخرا فاز بالجائزة الكبرى لمهرجان «كان» 1979 يرى فيه الناقد أنه عمل جيد على كافة المستويات».. وتبرز فيه شخصية التاجر اليهودي الطيب يقوم بالدور المغني الفرنسي شارل أزنافور الذي يصلى بالعبرية من أجل الطفل بطل الفيلم ومن أجل اسرائيل وهو وغيره من اليهود يتعرض للهجوم على محله.. ولكن في نهاية الحرب والفيلم يعود اليهود الى تعمير محلاتهم القديمة. رغم أن الفيلم اليوغسلافي «الاحتلال في 26 صورة» للوردان زافرانوفيتش وهذا هو النطق الصحيح غير ماجاء في الكتاب من أفلام المقاومة المعروفة في السينما اليوغسلافية ضد النازي.. الا أننا نجد تركيزا متعمدا على اضطهاد اليهود ويدور الفيلم المجري «الوريثتان» للمخرجة مارتا ميساروش مسابقة كان 1980 أثناء غزو النازية للمجر.. وترحيل اليهود الى معسكرات التعذيب.. ومن بينهم المرأة الفقيرة التي أعطت الحياة لطفل تبنته سيدة ثرية. في الفيلم الفرنسي «هؤلاء والآخرون يعيد المخرج كلود ليلوش ذو الأصل اليهودي قصة اضطهاد اليهود من خلال أسرة من الموسيقيين الفرنسيين يقودها النازي اثناء احتلال باريس.. الى معسكر الاعتقال.. وفي رحلة القطار ينزع الأب طفله من أحضان أمه ويرمي به لعل أحدا يلتقطه.. ويكبر الطفل ويصبح محاميا مشهورا يلتقى بأمه التي كانت قد فقدت الذاكرة.. ويؤكد ليلوش في الفيلم على قوة اليهود وقدرتهم على الانتقام حينما يحضر قائد «أوركسترا الماني شهير الى نيويورك» لحفل بيعت كل تذاكره.. ولكن أحدا لم يحضر وتظل القاعة خالية لأن اليهود كانوا قد اشتروها ليعاقبوه لأنه كان قد عزف أمام هتلر! عنوان الفصل الثاني «يقولون ماأروع حياة اليهود وبطولاتهم» ثمانية أفلام من بينها أربعة أمريكية قد تتعجب أو تصيبك الصدمة كما حدث للكاتب نفسه - عندما قرأ اسم دودي فايد العربي الأصل كمنتج منفذ للفيلم الذي يؤكد انه مع البطل اليهودي الذي يريد أن يحقق النصر دفاعا عن وجوده وكيانه وهو العمل الأول للمخرج هيو هدسون مثل المشاركة الانجليزية بمهرجان كان 1998 ويرى الناقد أنه فيلم جيد حرفيا وبالذات في التصوير والمونتاج والموسيقى. من حق الكاتب الناقد رؤوف توفيق أن يفاجأ في دورة مهرجان كان 1990 أنه في هذه السنة الهامة بالذات بعد سقوط جدار برلين وانهيار النظم الشمولية وماحدث من تحول تاريخي بأن المخرج البولندي الكبير اندريه فايرا بعد رحلة عطاء فني استمرت أربعين عاما.. وبعد فيلمه الهام عن حركة تضامن العمالية «رجل من حديد 1981 استطاع أن يتناسى كل هذه المتغيرات الجذرية ليعود للموضوع المستهلك عن اضطهاد اليهود في بولندا منذ خمسين عاما.. وكيف قاد النازي الطبيب «كورجاك» وهذا عنوان فيلمه ومعه مئتان من الأطفال اليتامى الى أفران الغاز.. ولعل الأكثر غرابة في الفيلم هو ماجاء في النهاية.. هؤلاء الأطفال ينطلقون في أرض مزروعة وهم يحملون نجمة داوود والابتسامات تعلو وجوههم.. يتساءل الناقد هل هو تأكيد من المخرج على «أرض الميعاد»؟! بعد أن أعلن المخرج الأمريكي مارتن تريت عن هويته الحقيقية كيهودي ليقدم في خلال أربعة أعوام فيلمين: «نورما راى» 1979 حيث يقود البطل اليهودي الدعوة لتكوين النقابات العمالية في أمريكا ثم في عام 1983 فيلم «كروس كريك» مسابقة كان يدعو من خلاله الى أحد أهم مبادئ الدعوة الصهيونية «الأرض لمن يرعاها وليست لمن يملكها.. الأرض كما يقول الفيلم «ملك للريح والمطر والشمس والبذور».. ويصرح أكثر أن هذه الأرض تطرح البرتقال.. بطلة الفيلم امرأة مناضلة قوية الارادة.. تختار مكانا موحشا للاقامة تؤجل عواطفها الخاصة.. تكتب رواية عن تجربتها.. في المكان والأرض وجني ثمار البرتقال.. وحينما تتزوج ترفض ترك الأرض فهي قد أصبحت جزءا منها.. وتنشد أن الأرض لا تباع ولا تملك انما تصبح من حق من يستثمرها. وتجدر وقفة عند فيلم «غريب بيننا» للمخرج الأمريكي الشهير سيدني لوميت الذي شاهده الكاتب في مسابقة مهرجان كان 1992 فالفيلم يحاول أن يقدم المجتمع اليهودي في قلب نيويورك كمجتمع مترابط تلاحم أفراده ويعيشون حياة متقشفة، لا يعترفون بالتلفزيون أو الراديو يصلون معا ويأكلون معا وينشدون أغانيهم الدينية معا ويمرحون معا تحاول محققة شرطة اختراقه تتحرى عن مقتل شاب يهودي واختفاء مجوهرات غالية فتفاجأ بمجتمع محافظ لدرجة التشدد، ابن الزعيم الروحي الشاب يقاوم اغراءها ثم يهرب منها لأنه لن يعرف الا الفتاة التي اختاروها له.. وهو ينتفض لرؤية المسدس الذي لم يمسك به من قبل! هكذا يقدمهم لوميت.. من حق الكاتب وهو يشاهد الفيلم أن يغضب مذكرا بالسجل الحافل بأبشع جرائم القتل والاغتيالات في فلسطين وقد تكون للفيلم قراءة أخرى فإن مثل هذه المجتمعات المنغلقة المتشددة دينيا هي التي كونت العناصر المتطرفة في المستوطنات التي تقوم بقتل الفلسطينيين كأنه واجب ديني.. وقد نجد في المقابل أفلاما «أمريكية» أخرى مثل «جريمة قتل» لافيد ماميت والذي افتتح به مهرجان كان 1997. حيث تقوم الجماعات اليهودية هنا بالقتل والاغتيالات والارهاب ضد الزنوج.. جماعات تحتمي داخل منظمات تدافع عن طقوسها الصارمة وعن اللغة العبرية وضحية دولة اسرائيلية لها أنياب ومخالب. الفصل الثالث يحمل عنوان «اسرائيل تعلن انها جنة صناعة السينما» عن الانتاج السينمائي داخل اسرائيل وكيف انتعش بعد حرب 1967 وقام مركز الفيلم الاسرائيلي بعقد اتفاقيات انتاج مشترك مع أمريكا وكندا وألمانيا الغربية وفرنسا وبلجيكا والسويد، وقد رحبت السينما الاسرائيلية باتفاقية السلام مع مصر، قدمت فيلما كوميديا بعنوان «أمي.. الجنرال» في مهرجان كان 15 مايو 1986 - لاحظ التاريخ ـ كما قدمت العرض العالمي الأول لفيلم « ارتداد القذيفة» عن دخول الجيش الاسرائيلي الى لبنان عام 1982 « لاستئصال جذور الارهاب»! هكذا كتب على الشاشة! وتقول نشرة الفيلم أنه يتناول أخلاقيات الجيش الاسرائيلي.. في أحد المشاهد يصرع طفل لبناني بسبب لغم.. فيكون رد فعل الجندي الاسرائيلي البكاء والتشنج من الحزن.. وتنتابه حالة هيستيرية لاحساسه بتأنيب الضمير.. يركز الفيلم على الاخلاق «السامية».. للشباب الطيبين من خريجي المدرسة العسكرية العليا بتل أبيب.. فهم يتقربون من الأهالي.. يهدونهم الشيكولاته والبسكوت فلا يقابلون الا بالجحود الذي يصل الى القتل!. نتجاوز الفصل الرابع عن «صعود وسقوط كانون» يكفى انها سقطت الى الفصل الخامس «أفلام معارضة داخل اسرائيل».. في دورة كان 1987 في قسم «نصف شهر المخرجين» يعرض الفيلم «النسر» للمخرج الاسرائيلي الشاب ياكي يوشا وهو عن الذين يسرقون أموال الأهالي باقامة نصب تذكارية أو تسجيل أحداث وهمية عن الجنود القتلى يشبههم المخرج بالنسر الجارح الذي ينهش الجثث ويتغذى بها ويختم المخرج فيلمه بأغنية «لقد أوهموهم أن الحرب جميلة. لقد ضحكوا عليهم أنهم ذاهبون للموت وستشرق الشمس على قبورهم». ولنفس المخرج عرض في نفس القسم بعد عامين فيلمه «الشارع المسدود» عن العالم السفلي في اسرائيل خلف البنايات الضخمة في تل أبيب هناك عالم من الانحرافات والعنف والبلطجة. وفي الفيلم «الخماسية » للمخرج الشاب دانييل فاتسمان عن علاقة صداقة في البداية بين شاب اسرائيلي صاحب مزرعة وفلسطيني عامل بها رغم تحرش المتطرفين الاسرائيليين يقف ضدهم ولكن موقفه يتغير حينما يرفض جيرانه الفلسطينيون أن يبيعوا له قطعة أرض يملكونها ويغضب حينما يكتشف علاقة غرامية بين شقيقته والعامل الفلسطيني فيطلق ثورا هائجا عليه فينهش جسده في وحشية وينتهي الحلم الكاذب بالتعايش السلمي. المخرج الاسرائيلي أموس جيتاي من أبرز الأصوات المعارضة للسياسات الاسرائيلية يشير توفيق الى أفلامه التسجيلية مثل «أسطورة سياسية» 1977 عن هيستيريا الجماعات العنصرية المتطرفة «ويت» 1980 عن هدم بيت العائلة الفلسطينية ثم «يوميات حملة» 1982 عن عنف الجيش الاسرائيلي داخل مدن وقرى الارض المحتلة أين هو الآن ممايحدث من حرب ضارية ضد الفلسطينيين وشباب الانتفاضة.. فوزي سليمان