بيان الكتب: رغم أن هذا الكتاب يمثل أحد شهود الدفاع في قضية السيادة الاسلامية على منطقة المسجد الأقصى، فإن الوقائع التي يوردها المؤلف تثير أبعادا أعمق في قضية عقائدية وتاريخية، بالغة التعقيد، بين الاسلام واليهود. فمع مؤلف هذا الكتاب، وهو د. عادل غنيم، أنفق عمره العلمي الطويل في دراسة القضية الفلسطينية، والتي دارت حولها رسالتيه للماجستير والدكتوراه، فإن العديد من المصادر التاريخية، التي استند اليها في هذا الكتاب، تثير من الجدل أكثر مما تحسم مسألة التنازع حول الحقوق الدينية للمسلمين واليهود في تلك البقعة المقدسة، لدى الطرفين..! ففيما يتعلق بمكان البناء الأصلي لـ(هيكل سليمان) لاتزال المصادر العلمية متضاربة بشأن ذلك، أهو خارج ساحات (المسجد الأقصى) أم أسفل (قبة الصخرة)؟! بينما تزعم المصادر اليهودية، ومن والاها، أن أصل (الهيكل) يقع أسفل (المسجد الأقصى) على حد ماأورده المؤلف في كتابه. لكن، من الثابت أن ذلك (الهيكل) كمكان للعبادة اليهودية ثم تدميره تماما، على يد ملك (بابل) القديمة (العراق فيما بعد) (نبوخذ نصر) عام 588 ق.م. وأن اليهود أعادوا بناء (هيكل جديد) حوالي 520 ـ 515ق.م مما يجعل من الهيكل الأول مجرد ذكرى، ومن ثم، فلا ينبغي أن تنسحب تسميته على الهيكل الثاني، إلا بالمعنى الرمزي (!) والمدهش أن الهدم الأخير لذلك المعبد (الهيكل) جاء متوافقا مع نبوءة السيد المسيح بخرابه، بسبب تحول الهيكل عن وظيفته الأساسية في عبادة الله الى مجرد (مكان للبيع و الشراء)، حتى أصبح (مغارة لصوص)!!!، على حد قول السيد المسيح في انجيل متى. لذا فهو ذا (بيتكم يترك لكم خرابا)، حتى (انه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض). نبوءة السيد المسيح قديما تترافق، أيضا مع ما أكدته الكشوف التاريخية والأثرية الحديثة، من أن (سائر أجزاء الهيكل) لا وجود لها على الاطلاق، وهو ماأظهره فشل سلطات الاحتلال الاسرائيلي في العثور، حتى الآن، على (أية شواهد تقودهم الى الادعاء باحتمالات وجود أساسيات (هيكل سليمان) أسفل الحرم الشريف وساحاته، رغم محاولاتهم المضنية، منذ عام 1967) على حد قول المؤلف. فلماذا تصر الجماعة اليهودية، حتى اليوم، على تأكيد حقوقها الدينية في منطقة الحرم القدسي، رغم انعدام أي أثر لـ(هيكلهم) المقدس؟ وبحسب المؤلف فإن المساحة المحصورة بين أسوار الحرم الشريف حاليا كانت منذ التاريخ القديم مكانا مخصصا لعبادة الله سبحانه وتعالى. ولذلك سماها القرآن مسجدا، لأنها تعني السجود للإله الواحد وعبادته. وارتباطا بذلك جاء الاسراء برسول الاسلام من المسجد الحرام الى هذا المكان، والذي سمته الآية الكريمة (المسجد الأقصى). إلا أن بناءه المعروف حاليا لم يتم إلا في عهد الدولة الأموية، حين شرع الخليفة عبدالملك بن مروان في بنائه، هو ومسجد الصخرة عام 65هـ. وقد تم رصد الخراج (أي الضرائب والرسوم والجزية.. الخ). الخاص بمصر، لمدة سبع سنوات لانجازهما، في واحدة من المشروعات الدينية الكبرى. ولذلك فإن اصرار الجماعة اليهودية على اعتبار الهيكل أمرا يخصهم يتصادم مع الرؤية الإسلامية، التي تعتبره (مسجد للموحدين) لا للجماعة بعينها. ومن هنا وجدت الجماعة اليهودية في الفرمان، الذي أصدره السلطان العثماني (سليمان القانوني) قبل نحو 400 سنة، بالسماح لليهود بالصلاة عند الحائط الغربي للمسجد الأقصى، فرصتها التاريخية لترتيب حقوق دينية لاحقة، ونسج الأساطير حول علاقتهم التاريخية بهذا الحائط، عبر أقاويل تم دسها في كتبهم المقدسة، مثل (التلمود)، والتي جعلت من الحائط في غفلة من الزمن آخر بقايا (هيكل سليمان). لذا سرعان ماأصبح ذلك الحائط (حائطا للمبكى)، الذي هو رمز لملكهم الغابر لا لتوحيدهم بالله! وطبقا لما يقوله المؤلف، استنادا إلى العديد من المراجع والأبحاث والتقارير العلمية والمحايدة، فإن (اليهود لم يظهروا، في الماضي، أي اهتمام قط بذلك الجزء من الحائط) وان تجمعاتهم للصلاة كانت تتم على (جبل الزيتون وعند بوابات الحرم «القدسي»). وبحسب المؤلف، أيضا، فإن (سنان باشا)، وهو المهندس الأكبر للسلطنة العثمانية، تولى تخطيط الموقع المحدد للصلاة اليهودية، بعد أن قرر فصله عن حي المغاربة وهو وقف اسلامي بحائط مواز للحائط الغربي للحرم. وذلك ضمن عمليات إعادة بناء أسوار (القدس)، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم، بنفس أطوالها، البالغة نحو ميلين، وبارتفاع يصل الى أربعين قدما. والمدهش أن الموسوعة اليهودية، الصادرة في القدس عام 1971، تعترف، أيضا، بأن الحائط الغربي لم يصبح جزءا من التقاليد الدينية اليهودية الا حوالي 1520م (نتيجة للهجرة اليهودية من أسبانيا، وبعد الفتح العثماني «الفلسطيني» سنة 1517م). بينما يذكر التقرير الصادر عن اللجنة، التي شكلتها عصبة الأمم عام 1930، لتحديد الحقوق الدينية المتنازع عليها حول الحائط الغربي، أن الصلوات اليهودية المنظمة عند الحائط لم تبدأ الا عام 1625م. ويأخذ المؤلف على سلاطين الدولة العثمانية ومستشاريهم افتقارهم الى الوعي الكافي بقدسية مكان (الحرم القدسي) الذي كان أول (قبلة) للصلاة في الاسلام، وشهدت ارجاؤه حادثة (الاسراء والمعراج)! وهو الأمر الذي اتاح للجماعة اليهودية اختلاق حقوق دينية لهم داخل منطقة الحرم، بسبب سياسة التسامح المفرط، التي انتهجها هؤلاء السلاطين وولاتهم على فلسطين نحو رعايا الدولة من اليهود. وهو مافتح شهيتهم للبحث عن مزيد من الامتيازات، بلغت حد طلب التصريح لهم (بشراء) الأملاك والأراضي الزراعية.. الخ) على حد مايورده المؤلف في هذا الشأن! ورغم اشارة المؤلف الى أن مجلس ادارة مدينة القدس سمح لليهود بممارسة التجارة في المدينة بديلا عن امتلاك العقارات، الا أن المؤلف لم يتوقف عند أسباب هذا التسامح الكبير تجاه يهود القدس، رغم أن أغلبهم كانوا من لاجئي أسبانيا. كما لم يتناول المؤلف مدى تمتع باقي الاقليات والمذهب والملل الدينية الأخرى، كالمسيحيين والشيعة.. الخ، بهذه المسلك المتسامح أم أن اليهود قد تمتعوا بمزايا خاصة؟! وبالرغم من قيام مجلس ادارة (لواء القدس) باصدار تعليمات جديدة لتنظيم زيارة اليهود للحائط (تمنع جلب أي مقاعد أو ستائر (من جانبهم) عند الحائط. الا أن المؤلف لم يوضح مدى التزام اليهود بهذه التعليمات، وما اذا كانت سلطات المدينة قد أتخذت أي تدابير عقابية في حالة انتهاك تلك التعليمات. لكن، مايلاحظ مما يورده المؤلف لاحقا أن اليهود أخذوا في (السعي إلى تثبيت حقوق واسعة لهم في هذا المكان)، عن طريق تغيير الحالة، التي كان عليها الحائط، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وذلك اعتمادا على التصريح الصادر عام 1917 عن وزير الخارجية البريطاني (بلفور)، والذي تعهد فيه (بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين). ويذكر المؤلف أن التحركات اليهودية في هذا الشأن بلغت حد (نشر صور لهيكل يهودي جديد مكان مسجد الصخرة) بجانب صور أخرى للمسجد، يعلوه العلم الاسرائيلي والكتابات العبرانية. كما شملت الحملة اليهودية، منذ العام 1919 تقديم عروض سخية لشراء (المنطقة الواسعة المحيطة بالحائط) الغربي! وارتبط بذلك انتهاك صارخ ومتكرر لكل التعليمات الصادرة عن حاكم القدس بخصوص ممارسة الصلاة اليهودية عند الحائط. وهو أمر ظل مستمرا لأكثر من خمس سنوات أي بين عامي 1922 و1928 على حد ماأوضحه المؤلف. ويبدو أن تفاقم هذا الوضع والتهاون الذي ابدته السلطة البريطانية الحاكمة في فلسطين تجاهه، هو الذي فجر، في سبتمبر 1928، الانتفاضة، التي عرفت بـ(انتفاضة البراق)، وشملت كل أرجاء فلسطين، لمدة أسبوعين متصلين مماأجبر بريطانيا على الاستعانة بقواعدها العسكرية، خارج فلسطين لمواجهة المحتجين. وفي مواجهة ذلك عبرت الحكومة البريطانية عن موقفها بإصدار (كتاب أبيض)!، داعيا اليهود والمسلمين الى عقد اتفاق، فيما بينهم، لتحديد حقوقهم وواجباتهم في الأماكن المقدسة. ومن عجب أن ذلك الموقف هو نفس الموقف الذي تتخذه حاليا الحكومة الأمريكية، بعد أكثر من مرور سبعين عاما تجاه انتفاضتين جرتا في نفس المكان ولذات الأسباب، وفي نفس الشهر!! فكري عبدالمطلب