بيان الكتب: بانوراما تاريخية على امتداد حوالي قرن ونصف، يسرد فيها الكاتب ويحلل موقف اليهود من الدولة الروسية، وعلاقتهم بالمجتمع، وموقف المفكرين الروس من اليهود، وقد تساءل دستوفسكي يوما: ماذا حرك اليهود طوال القرون الماضية؟ ويجيب: لقد حركهم شئ واحد فقط هو عدم الرحمة تجاهنا. وكان دستوفسكي هذا الروائي الكبير قد انتبه مبكرا للمغالطة التي نمارسها اليوم بحماقة و مراهقة فكرية، بالتفرقة بين اليهود والصهاينة: فقال: لا أثق حتى في المثقفين اليهود الملحدين، إنهم ليسوا إلا جوهرا واحدا، ولا يعلم إلا الله ماذا ينتظر العالم من اليهود المثقفين. ومن هنا كانت «المسألة اليهودية» هي أحد أخطر القضايا التي عانت منها الشعوب قديما و حديثا، ولا تزال. واذا كان قد تغير مفهوم «المسألة اليهودية» الى مفهوم أكثر تحديدا وهو «المسألة الصهيونية» ـ على اعتبار أنه من قبيل الخطأ وضع جميع يهود العالم في سلة واحدة ومحاكمة بسطاء اليهود بما يرتكبه أفراد اللوبي الصهيوني وممثلوا الحركة الصهيونية العالمية فإن القضية قد أخذت أبعادا غاية في الخطورة والاستفزاز بعد احتلال دولة فلسطين، واستمرار الصراع العربي الصهيوني الذي لا يزال مستمرا حتى الآن. إن الحديث عن «المسألة اليهودية» في روسيا خلال السنوات الأخيرة، بداية من انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى انفجار الأزمة الاقتصادية في 17 أغسطس 1998 وما ترتب على ذلك، ليس له قيمة حقيقية دون سرد بعض الحقائق التاريخية الخاصة بقضية اليهود في روسيا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واذا اعتبرنا مقالة دستوفسكي الشهيرة «المسألة اليهودية» مثالا حيا على سطوة اليهود في روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فإنها الى جانب ذلك تجسيد واقعي لفكرة الصهيونية على اعتبار أن مصطلح الصهيونية بأبعاده الحديثة لم يكن قد ظهر بعد. ومنذ غادر اليهود فلسطين بعد انهيار مملكة سليمان وحتى القرن التاسع عشر، لم ترتفع الدعوة بين اليهود للهجرة الى فلسطين. لقد ظهرت هذه الدعوة فقط مع ظهور «المسألة اليهودية» خلال القرن التاسع عشر، ووجدت الصياغة النظرية لها في الصهيونية، فمع التطور السريع في روسيا بعد اصلاحات عام 1863، بدأ النظام الاقطاعي يتداعى بسرعة مفسحا الطريق للرأسمالية الناشئة. ومع تحلل النظام الاقطاعي فقد اليهود الروس قاعدتهم الاقتصادية «وكان معظمهم يعملون بالتجارة والحرف الحضرية»، وفشلوا في الاندماج في المجتمع الروسي، من هنا بدأ زحفهم بأعداد كبيرة وبالذات بعد أحداث 1882 في روسيا، الى دول وسط وغرب أوروبا. الفكرة الصهيونية إذن هي كأسطورة دينية ـ سياسية لا تعود بجذورها الى تاريخ اليهود الوهمي، وإنما الى ديناميات التاريخ الأوروبي الحقيقي، وحينما ظهر الفكر الصهيوني في نهاية الأمر في أواخر القرن التاسع عشر «بعد عام 1882 على وجه التحديد وهو التاريخ الذي أنهى المحاولات الرامية لدمج يهود روسيا في المجتمع الروسي» فإنه كان فكرا استعماريا في بنائه ومضمونه. معنى ذلك أن كل المراجع التاريخية العلمية قد أتفقت على أن الصهيونية اليهودية قد ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، واتفقت في مجملها ليس كلها على أن ظروف اليهود في روسيا القيصرية هي التي دفعت بشكل أو بآخر في هذا الاتجاه. وهناك بعض المصادر التي ينتظر بشكل أشمل فتذكر الوضع العام في أوروبا وعلاقة اليهود آنذاك بالسكان الأصليين. غير أن المثير للشك «على المستوى العلمي الأكاديمي» إن معظم تلك المصادر أوروبية، وليس هناك أي توضيح أو تفسير لأوضاع روسيا في تلك المرحلة «بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر»، الأمر الذي يدعو للدهشة عندما يبني البعض آراءهم القاطعة على تلك المصادر، ومن ثم يتبنون وجهات النظر المناقضة على الأقل للواقع آنذاك. إذا تتبعنا التواريخ التي تشير الى بداية المشاكل بين اليهود والروس «في روسيا» فسنجد أنها بدأت عام 1871 في أحداث أوديسا، وبعد ذلك عام 1881، ثم1882. في الوقت نفسه تشير المصادر التاريخية الى بدء نشاط هرتزل والجيوب الصهيونية عام 1869 لاقامة علاقات مع بسمارك وويلهلم الثاني. وعلى محور آخر بدأ الهجوم على حركة التنوير «هسكلاه» فإذا افترضنا أنه بعد الغاء قانون الرق في 1861 من روسيا وحتى عام 1871 كانت هناك محاولات رامية لدمج اليهود في مجتمهم الروسي، وباءت كلها بالفشل خاصة وأن الحركة الصهيونية قد بدأت النشاط على محاور أخرى، ومن مصلحتها ألا يتم هذا الاندماج. وخلال عشر سنوات أخرى من عام 1871 الى 1818 «وهنا تكمن أهمية مقالة ديستوفسكي ««المسألة اليهودية»» التي كتبها في مارس 1877». كان من المفترض ضرب جميع المحاولات الرامية الى تحسين حال اليهود في روسيا أو اندماجهم مع اخوانهم الروس، وكذلك الافشال التام لجهود حركة «هسكلاه» التي تعوق المشروع الصهيوني برمته. وهذا ما تم بالفعل حيث بدأ اليهود الروس، وغيرهم من يهود العالم، في فقدان الثقة بتلك الحركة، ومن ثم الثورة عليها والتخلص منها كحركة تنوير ظلت قوية وفعالة لما يقرب من نصف قرن تقريبا. فهل هناك شك الآن في دور الحركة الصهيونية الوليدة في اذكاء الفتن بين الروس ومواطنيهم من اليهود؟ هل هناك شك في أن يهود روسيا «3 مليون نسمة» ذاتهم لهم دور في هذه المشاكل؟ هناك بالطبع احتمالات كثيرة، ولكن الفاصل بين مجمل هذه الاحتمالات، وبين الاحتمال الأقرب الى الصحة هو ما سوف يتحقق بعد عدة سنوات. على مدى السنوات القليلة «1882-1894 » نشطت الحركة الصهيونية في أوروبا حتى أن معظم الشعوب الأوروبية قد بدأت تثور ضد سيطرة اليهود على مقدراتها. ولا يخفى على أحد مشاركة الكثير من حكومات هذه الدول في إذكاء نار الفتنة من ناحية واجراء المفاوضات مع هرتزل والحركة الصهيونية من ناحية أخرى والسبب بطبيعة الحال واضح ومعروف: التخلص قدر الامكان وبالضرورة من اليهود الزائدين عن الحاجة. وكانت قضية دريفوس إحدى الشرارات التي تطايرت بشكل مثير والشك معا، وظلت الحركة الصهيونية مستمرة في نشاطاتها على محورين: حشد الامكانات اليهودية في العالم وتنظيمها وتوجيهها خدمة الأغراض الصهيونية. التنسيق التام والمستمر مع القوى العظمى والدول الاستعمارية وبخاصة تلك التي لها مصالح حيوية في منطقة شرقي المتوسط. وظلت الحركة الصهيونية تقف بالمرصاد لتجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، حتى تمكنت منها، فهي أحد أهم الأسباب في بلاء روسيا كما يرى البعض، وأن اللوبي الصهيوني فعلا هو المتصرف الوحيد بجميع مفاتيح هذه البلاد الواسعة، ومع ذلك لا يمكن اتهامه باقامة ثورة 1917، أو إسقاط الاتحاد السوفيتي كما يفضل وسائل الاعلام فيها التركيز على دور اليهود في صورة 1917، ودورهم في الانهيار العظيم الذي غير معالم الكرة الأرضية في نهاية القرن العشرين. هذه الآراء في مجملها تتملك نسبا متفاوتة من الصحة ولكنها ليست جميع الأسباب، وليست كل الأسباب الرئيسية أيضا. ونظرة للشارع الثقافي الروسي من خلال ما سمي بالأدب السري الذي احتل مركز الصدارة في الصحف والمجلات وتبناه العديد من المثقفين والمبدعين السوفيت مثل «بولجاكوف» و«سولجنيتسين» و«باسترناك» و«مندلشتام» و«يسنن» و«مايكوفسكي» واعادة طبع مؤلفات «أنا أخماتوفا» و«جوركي» و«حمزاتوف» و«شولوخوف» إلا أنه لم يظهر ابداع جديد مواكب للمتغيرات الكبرى في نفس الوقت ظهرت جرائد ومجلات «بلاي بوي» و«كسموبوليتان» حيث ظهرت بطبعة روسية فاخرة وبداخل كل منهما العوازل الجنسية. في حين تعثرت الدوريات الثقافية والفنية مثل «قضايا الأدب» و«الأدب الأجنبي» و«المسرح» و«الباليه» و«الفن التشكيلي» وهكذا المسرح والسينما والترجمة وطباعة الكتب.. الخ وانفتحت تلك الجبهات لكل ما هو داعم للثورة المضادة. القاهرة ـ أمين اسكندر