تتميز شواطيء عمان بأهمية بيئية خاصة بوصفها مواقع توالد لأعداد كبيرة من السلاحف، مما دفع السلطنة للقيام بدراسات عديدة حول انواع السلاحف المختلفة، وهي تمتلك مشروع ابحاث طويل الامد لكون تلك الحيوانات تعمر طويلا. لا أحد يعرف على وجه الدقة متوسط عمر السلحفاة، لكن الدراسات تظهر ان الاناث تظل خصيبة حتى سن السبعين على اقل تقدير وكجزء من الجهود التي تبذلها عمان لحماية مواردها الطبيعية، تم بموجب مرسوم سلطاني تأسيس محمية سلاحف طبيعية في ابريل عام 1996 تغطي مساحة 50 كيلومترا مربعا من الساحل في منطقة ممتدة حول رأس الحد بشمال شرقي البلاد. وتتألف المحمية من عدة شواطيء تعشيش، كرس احدها للزوار الذين يمكنهم قضاء ليلة في مخيم ميداني والانضمام الى حراس الغابة مساء لمراقبة السلاحف الخضراء وهي تضع بيوضها. ويتم الحصول على الاذن بزيارة المحمية عبر وزارة البلديات المحلية والبيئة في مسقط ويجب استصدار الاذن الذي يكلف ريالاً عمانياً واحداً في وقت سابق للزيارة. وتمكن رؤية السلاحف على طول الخط الساحلي العماني الذي يمتد على مسافة 1700 كم، حتى ان منظر رأس منبثق من الماء يعد مشهدا شائعا من القوارب والشاطيء. الا ان افضل طريقة لرؤية السلاحف هي العوم على وجه الماء مع ابقاء الرأس مغمورا باستخدام النظارات المزودة بانبوبة تنفس فعندما يطفو المرء بهدوء ويبقى عينيه مفتوحتين على قاع البحر، فانه ربما يكافأ بمنظر سلحفاة ترعى على نباتات القاع، وربما يقترب ذلك الحيوان الفضولي من الشخص العائم ليتحقق منه عن كثب. ومع انك قد تصادف سلاحف تسبح على طول الساحل في اي شهر، لكن الفترة الممتدة من يوليو الى ديسمبر من كل عام هو فترة الذروة لمراقبة السلاحف، حيث تخرج الاف الإناث من السلاحف الخضراء الى الشاطيء لكي تضع بيوضها. ويعتبر موقع رأس الحد من اكثر مواطن التعشيش ازدحاما في العالم، ويخرج في كل عام الى الشاطيء العماني حوالي 20 الف سلحفاة لتضع اكثر من خمسة ملايين بيضة، ويبدو من هذا الرقم الضخم انه من اليسير الحفاظ على الوضع الراهن للسلاحف الخضراء. لكن البيوض والافراخ والسلاحف اليافعة تواجه اخطارا عديدة ومتنوعة اضافة لذلك، فإن السلاحف تشهد تهديدا حقيقيا جراء الضغوطات التي يمارسها البشر وقد بدأت اعدادها بالتراجع بشكل ملحوظ. ويعتقد ان اثنين او ثلاثة فقط من بين كل 10 الاف فرخ تعيش حتى سن البلوغ والتناسل، ومن هنا تعلق اهمية كبيرة ومتزايدة على جهود الحفاظ على الموارد الطبيعية في عمان. ومعروف ان السلاحف متكيفة جيدا مع الحياة في المحيط حيث تكون حركتها سريعة ورشيقة لكن في المقابل فإنها تواجه صعوبة كبيرة في التحرك على اليابسة وتقوم بكل حركة بشق الانفس، وبالطبع فإن الاناث وحدها من عليها ان تخوض تلك التجربة لان الشيء الوحيد الذي يربط السلاحف باليابسة هو وضع البيوض. اما الذكور فتقترب الى المياه الساحلية، لتقوم بالتزاوج وهنا تنتهي مسئوليتها ومشاركتها في الحياة العائلية وتصل الاناث مرحلة البلوغ مابين سن الثلاثين والاربعين، ويعتقد انها تعود الى مسقط رأسها لتتزاوج وتضع بيوضها. معظم السلاحف تخرج الى الشاطيء تحت جنح الظلام وفي تلك اللحظة تكون متوترة جدا فترتاح لبرهة عند حافة الماء متلفتة حولها بتوجس لتفادي اي خطر كامن، وعندما تشعر ان المكان آمن، تتابع تقدمها الشاق الى الامام الى ما وراء خط المد، ثم تختار لنفسها موقعا تحفر فيه حفرة كبيرة تكفي لجعلها خفية عن الانظار ثم تقوم بحفر حجرة عميقة للبيوض. وخلال العشرين دقيقة التالية تضع حوالي 120 بيضة ناصعة البياض على دفعات تتراوح بين بيضة و 4 بيضات. ثم تغطي البيض بالرمل لتخفيه عن انظار المفترسين مثل الثعالب التي ستسعد بوجبة شهية كهذه. والان الشيء الوحيد المتبقي امام الانثى ان تجر نفسها ثانية الى المحيط في تلك اللحظة تكون منهكة تماما لكن تلبية نداء الماء تتغلب على التعب انها لحظة رائعة حقا عندما يغمر الماء صدفة السلحفاة لتبدأ باليوم برشاقة مبتعدة عن الشاطيء بعد ان انجزت مهمتها المرهقة الشاقة. لا احد يعلم على وجه الدقة أين تتجه السلاحف العمانية بعد ذلك لكن يعتقد انها تقصد السواحل الصومالية او الباكستانية ولاشك في ان برامج مراقبة هجرة السلاحف ستكشف عن مزيد من التفاصيل في السنوات المقبلة. والان نعود الى البيوض الموضوعة حديثا على الشاطيء، حيث يؤدي الرمل الساخن دور الحاضنة، وتلعب درجة الحرارة دورا مهما في تحديد جنس السلاحف فالدرجات العالية تنتج اناثا والدرجات الاخفض تنتج ذكورا. بعد خمسة ايام تكون الفراخ مستعدة لشق طريقها من البيضة بمساعدة سن جنيني وحالما تخرج من البيضة تبدأ رحلتها الاولى، حيث يتعين عليها ان تكشف طريقها عبر الرمال حتى تصل الى الشاطيء الذي قد يكون على ارتفاع متر كامل، وبالعمل الجماعي تستغرق مجموعة الفراخ يومين الى ثلاثة ايام لتخرج الى الهواء، وحالما تبرز من بين الرمال في الليل او خلال ساعات الصباح الاولى تندفع بأقصى طاقتها نحو البحر. هذه رحلة محفوفة بالمخاطر خصوصا في النهار حيث تكون النوارس الجائعة منتظرة بتلهف وتبدو الفراخ الصغيرة مرتبكة في باديء الامر ويبدأ بعضها بالتجول بالاتجاه الخاطيء لكن سرعان ما تجد طريقها الصحيح مسترشدة بالضوء او الرائحة او الصوت. ورغم كل المصاعب والمخاطر الكامنة الا ان غريزة البقاء تدفع السلاحف الصغيرة نحو الماء لتشرع في رحلة جديدة مليئة بالمخاطر وتهاجر الاف الكيلومترات بحثا عن الطعام قبل ان تعود الى المكان نفسه بعد 30 عاما لتتزاوج وتتكاثر وهكذا فقط تستمر دورة الحياة. علي محمد