في الاروقة تحت الارضية المجاورة لمتحف اللوفر يعمل رجال العلم يوميا على تحليل التحف الفنية والقطع الاثرية ويضع 150 باحثا العلم والطرق التكنولوجية الاحدث، بين مختبر التحليل الطبي والتحقيق البوليسي، في خدمة معرفة الفنون، وهذا هو مختبر بحوث متاحف فرنسا الخاص جدا كما سنراه. في باريس وتحت ارض حديقة كاروسيل، يلتحق التاريخ بالعلم ويلتحق العلم بتاريخ الفن، فقد استقر مختبر بحوث متاحف فرنسا في اروقة تحت ارضية بجوار متحف برنار باليسي الذي طلبت منه كاترين دو مديسيس اعداد مغارة من الخزف لحدائق القصر وانشيء المختبر في هذه الاروقة التي اعيد تنظيمها بمعمارية خاصة قدمت لها طابعا حديثا ومضيئا، على مساحة عدة مئات من الامتار المربعة تحيط بفتحة الضوء، وسقف زجاجي شيد على مستوى حديقة كاروسيل. يعمل المختبر حسب الاصناف والمواد وخصصت مساحة 500 متر مربع لطرق الفحص بمختلف الوسائل الاشعاعية التي تتيح فحص المواد، من اشعة سينية وفوق بنفسجية وتحت حمراء وخصصت المساحات الاخرى لطرق التحليل، اذ تسمح دراسة كل عنصر من عناصر المادة بالعثور علي اثار ومعلومات خاصة، كما يوجد في المختبر مركز توثيق هام تحت تصرف الباحثين والصحافيين والاشخاص الاخرين، اما المكتبة الغنية بصور الاعمال فانها مدعاة لحلم رجل العلم وهاوي الفن. لدراسة اللوحة توجد طرق عدة، فهناك الضوء المباشر والشعاع تحت الاحمر والضوء الافقي والشعاع فوق البنفسجي الذي يكشف خط الرسم وخلف مادة اللوحة في احدى القاعات توجد شاشة مضيئة وشاسعة وعمودية تسمح بتصوير اللوحات، بهذه الطريقة يكتشف الباحثون مختلف طبقات الرسم ويتابعون بسهولة عمل الرسام، ويبدو خلال هذا الفحص تداخل الالوان مثلا وتظهرالخطوط التحضيرية. كما يسمح التصوير بالكشف عن الترميمات القديمة، وفي الختام تقدم الكليشيهات دراسة نسيج اللوحة لتاريخها، احيانا يكون نسيج اللوحة مضاعفا والتصوير هو الطريقة الوحيدة لبلوغ النسيج الاصلي. وعند التدقيق في هذا العمل نتعرف مثلا عبر الاشعة تحت الحمراء على اعادة ضبط المنظر وعلى تركيبته، فقد دلت دراسة لوحة فيرونز مثلا ان عازف الكمان كان في الاصل بلباس ابيض ولا يعزف بل منحنيا ينظر الى التقاسيم الموضوعة على الطاولة. تتألف قاعة تصوير القطع من قاعة للرقابة ومن غرفة صغيرة توضع فيها القطعة تحت شعاع سيني، وهكذا يتعرف المصورون على طريقة تصنيع القطعة ومراحل ترميمها وتآكلها والشقوق المحتملة، على سبيل المثال نأخذ ثريا المانية من القرن العاشر تمثل سماء القدس، يسمح تصويرها برؤية الكباسات التي اتاحت تجميع المعدن، وتمسح الكليشيه بدراسة هيكيلة المنحوتات وتداخل وتجميع المنحوتات الخشبية. وبالقرب من هذا المكان، توجد المختبرات الفيزيائية الكيميائية والجيولوجية حيث يعمل الباحثون على طبقات الالوان، فيحللون الخشب والحجر والمواد الاخرى، وقد دلت دراسة حديثة للمراهم المصرية على تركيب من المحاليل الكيمائية تعود الى 4000 عام، في حين كنا نفكر ان الكيمياء تعود الى القرن التاسع عشر. ونعرف اليوم ان المصريين كانوا يلجأون الى تحاليل كيميائية تستمر 40 يوما لتصنيع الماكياج اما آلة المختبر العجيبة فهي آلة تسريع الجزئيات. التي تتيح دراسة العناصر بدون سحب عينات منها، اذ يكتفى بادخال بروتونات في الاناء الاسطواني لمسرع الجزئيات، يعبر ضوء بروتون في الانبوب ويبلغ القطعة فترسل القطعة اشعة سينية تميز مادة صنعها، على شكل خيال يسمح لرجال العلم بتحليل لا يضر بالقطعة وتدل بصمات القطعة على العناصر المخططة وعلى نقاوة المادة. وقد اتاحت دراسة «الخطاط الجالس القرفصاء» 2000 عام قبل الميلاد، ادراك حدة نظره بفضل وجود بلور صخري نقي، كما ادركنا ان المصريين القدماء كانوا يعرفون شكل العين ولهذا رسموا انحناء القرنية وثقبوا البؤبؤ في مكانه المضبوط كما تسمح آلة تسريع الجزئيات بالعودة الى اصل الحجر الجيولوجي الجغرافي الذي يكون نصبا ما، وهذا ما يتيح معرفة المبادلات التجارية في العصر الذي صنع فيه، وقد اتاح تحليل حجر العيون في تمثال اشتار معرفة تجارة الحجارة بين منطقة مابين النهرين وجنوب شرق آسيا منذ القرن الثاني قبل الميلاد، وهذا ما يؤكد ان العلم ليس فقط في خدمة تاريخ الفنون بل في خدمة التاريخ نفسه.
