في مشواره الفني والابداعي الكثير من المحطات والمراحل التي يعتز الملحن السوري الكبير سهيل عرفة بها، فمنذ حوالي 40 عاما وهو يسعى لتقديم هوية مميزة لالحانه واعماله الموسيقية مع احساسه الدائم بأن الاغنية العربية لديها الكثير مما يميزها على صعيد اللحن والكلمات والأداء. ومع صدور قانون حقوق المؤلف في سوريا لا يخفي سهيل عرفة فرحته وسعادته بصدور هذا القانون الذي كافح طويلا ونادى بضرورة وجوده للنهوض بواقع الاغنية السورية التي اصبحت في وضع لايحسد عليه نتيجة عدم وجود حقوق للمؤلف والجهة المنتجة للاعمال الفنية قبل هذا القانون. اضافة الى ذلك فقد نال سهيل عرفة العديد من الجوائز وكرم في اكثر من مناسبة ومهرجان لعطائه الفني في مجالات متعددة كاهتمامه باغنية الطفل وارساء لقواعد الموسيقى التصويرية في سوريا ورعايته للمواهب الشابة. وفي هذا الحوار يقدم الملحن السوري المخضرم رؤيته للفن العربي والموسيقى مع تفاؤله الدائم بمستقبل الاغنية السورية المعاصرة. ـ في البداية كيف ترى واقع الاغنية العربية المعاصرة بعد رحيل جيل العمالقة من الملحنين والمطربين؟ ـ قبل الحديث عن هذا الموضوع لابد لي من الاشارة اولا الى فترة الخمسينيات حيث العصر الذهبي للاغنية العربية بلاشك مع وجود اساطين الفن على الساحة العربية كعبد الوهاب وفريد الاطرش ومحمد فوزي وام كلثوم التي اذا ذكرناها نذكر معها كتابا وملحنين كبار كالسنباطي والقصبجي وزكريا احمد .. ليأتي بعدها الجيل الثاني من الملحنين والمطربين امثال: كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي ومحرم فؤاد وفايزة احمد وشادية ووردة. اما في سوريا فقد كان هناك جيل الرواد من الملحنين امثال: نجيب السراج ورفيق شكري وسري الطمبرجي ومصطفى هلال وعدنان قريش ومن الشعراء والكتاب اذكر: عمر الحلبي ومسلم برازي وغيرهما وقد حاول هؤلاء ان يقدموا صيغة غنائية تتناسب مع المناخ السوري واعتقد انهم نجحوا في ذلك والدليل ان اغاني مصطفى هلال ونجيب السراج ورفيق شكري مازالت تطلب حتى يومنا هذا. ـ وما الذي حدث بعد ذلك؟ ـ في الماضي كان هناك تنافس شريف ورقابة جيدة على الاعمال الفنية حيث كان كل ملحن او مطرب يضع في حسابه ان السيدة ام كلثوم او عبدالوهاب موجودون على الساحة لذلك يجب تقديم عمل فني جيد اضافة الى ذلك كان هناك حب حقيقي للفن بغض النظر عن الجانب المادي. كذلك الامر في منطقة بلاد الشام فبالإضافة الى الملحنين والمطربين السوريين الذين ذكرتهم في السؤال الاول كان هناك الرحابنة في بيروت الذين قدموا الحانا رائعة تتناسب مع كل عصر ومع كل مناسبة. وقد استمر هذا الوضع حتى منتصف السبعينيات حيث بدأت الاغنية العربية بالتراجع وهنا لا اريد الدخول في تفاصيل تدهور الاغنية العربية، وان كنت افضل الاشارة فقط الى ان الاذاعة السورية وحدها كانت تسجل سنويا حوالي 200 اغنية ينجح منها عدد لا بأس به من هذه الاغنيات اما اليوم فلم يعد الامر كذلك. ـ وهل يعود ذلك الى اختلاف الرؤية بين الجيل القديم من الرواد والجيل المعاصر؟ ـ لا اعتقد ذلك فقد كانت هناك لجنة لقراءة النصوص الغنائية المقدمة وذلك لاختيار النص الجيد كذلك لجنة الاستماع التي كانت تضم كبار الموسيقيين وتختار من الالحان ماهو اصيل وغير مكرر. ومع ذلك فأنا متفائل بأن الامور تتحسن حاليا وخاصة مع وجود ادارة جديدة في الاذاعة السورية والتي يبدو واضحا انها تحاول النهوض من جديد بالاغنية المحلية وتحفيز المبدعين فيها على تقديم اعمالهم ونشاطاتهم من جديد .. وهذه خطوة جيدة تبشر بالخير على كل الاحوال. ـ وماذا عن دور مهرجان الاغنية السورية في دعم وتطوير هذه الاغنية؟ ـ لا شك ان هذا المهرجان يعتبر نقطة مضيئة في خضم ما يقدم من اشياء غثة تهاجم الاذن العربية دون رقابة .. ومنذ بداية مهرجان الاغنية السورية كان هناك اتفاق مع وزير الاعلام الذي هو رئيس اللجنة العليا للمهرجان على ان تصنع الاغنية السورية لكن الذي حدث ان المهرجان فضل قبول ما يقدمه الهواة وليس المحترفين في الوقت الذي ابتعد فيه الملحنون الكبار عن هذا المهرجان. ـ ولهذا السبب تم استبعادك عن لجنة التحكيم ثم المطالبة برجوعك بدعوى ادخال دماء جديدة الى مهرجان الاغنية السورية؟ ـ انا لم ابعد عن لجنة التحكيم بل ابتعدت والسبب ما حدث في الدورة السادسة حيث كان مقررا ان تشترك ابنتي «امل» في تلك الدورة بعد ان حضرنا اغنية من الحاني غنتها الراحلة كروان منذ 30 سنة وقد قمت بتجديدها بصوت «امل» بمناسبة تكريم كروان وقد تم حذف اسم «أمل» من الدعاية الخاصة بالمهرجان وعندما لم يتم اصلاح وتدارك هذا الخطأ انسحبت أمل من المهرجان في الوقت الذي دعاني فيه سيمون أسمر للمشاركة كرئيس لجنة فنية تحكيمية لانتقاء الالحان بمناسبة العيد العاشر لمحطة الـ L.B.C لذلك لم تتح لي فرصة المشاركة في الدورة السادسة من مهرجان الاغنية، وقد كنت ممتنا لانني لم استدع الى الدورة السابعة هذه السنة لانني احترم هذه المهنة كثيرا وربما نتيجة ضغوط مادية معنية يستطيع بعض الزملاء في اللجنة الفنية تجاوز بعض الامور... انا اعتقد انه لا لزوم للجنة الفنية في مهرجان الاغنية السورية لان الحل والربط بيد مدير المهرجان ونائبه وبالنسبة لي لا استطيع ان اسكت عن الخطأ مهما كانت الاسباب. ـ برأيك ما سبب انتشار الاغنية اللبنانية والخليجية وحتى المصرية الحالية في الوقت الذي تراجعت فيه الاغنية السورية اضافة الى الاسباب التي ذكرتها؟ ـ السبب واضح ... فشركات الانتاج العربية قامت بإنتاج البومات غنائية لمطربين مقبولين لان هناك قانوناً لحماية الحقوق في هذه الدول اما في سوريا فلم نكن نملك هذا القانون طوال السنين الماضية، ومؤخرا اصدر رئيس الجمهورية د. بشار الاسد مشكورا مرسوم قانون حقوق المؤلف واعتقد ان هذا القانون الجديد سيحل عقدة الاغنية السورية ويشجع شركات الانتاج على دخول الاسواق السورية وكما انطلقت الدراما السورية وانتشرت عبر الفضائيات العربية نتيجة تشجيع القطاع الخاص ورفده للقطاع العام اتوقع ان يحدث نفس الشيء مع الاغنية السورية خاصة وان هناك العديد من شركات الانتاج تنتظر صدور التعليمات التنفيذية لقانون حماية المؤلف والذي سيصدر قريبا عن وزارة الثقافة السورية، حينها يمكن الحديث عن عودة الحياة الى الاغنية السورية. ـ من جهة اخرى كان لك دور واضح في تأسيس الموسيقى التصويرية في الاعمال الدرامية السورية سواء في التلفزيون او السينما .. لكنك ابتعدت مع فورة الانتاج الدرامي السوري فما السبب؟ ـ ليس هناك سبب محدد .. لكن المسألة تتعلق بالجهات المشرفة على الاعمال الدرامية السورية والتي نرى انه لا ضرورة لاعطاء جانب الموسيقى التصويرية الاهتمام الكافي .. وهذه مشكلة اخرى تضاف الى المشاكل التي تعاني منها الموسيقى في وطننا العربي، فحتى اليوم لم يقدر القائمون على ادارة الاعمال الفنية سواء في الدراما السورية او في الدراما العربية اهمية الموسيقى التصويرية في العمل الفني ففي اوروبا وبإمكانك متابعة افيش اي فيلم عالمي تجد ان الموسيقى التصويرية تأتي في المرتبة الثالثة بعد المخرج وكاتب السيناريو، وهذا امر طبيعي ومنطقي خاصة وان الموسيقى تلعب دورا هاما في عملية ايصال الحدث الدرامي الى المتلقي سواء في السينما او التلفزيون تماما كالحوار والصورة، وان كان ذلك بدرجة مختلفة بحسب طبيعة كل نوع فني. وبالنسبة لي فقد قدمت العديد من الاعمال الموسيقية لعدد من الافلام السورية اذكر منها فيلم «الفهد» الذي استطاع تحقيق المعادلة الصعبة بارضائه لكافة شرائح الجمهور .. وقد استطعت في هذا الفيلم توظيف الموسيقى لخدمة الفكرة الاساسية للفيلم، واتذكر هنا اغنية «ولّى عهد الاستعمار» في هذا الفيلم والتي اعتقد انها خدمت الفيلم بشكل جيد. كذلك الموسيقى التصويرية لفيلم «السيد التقدمي» للمخرج نبيل المالح ايضا وهنا تختلف الموسيقى عن فيلم «الفهد» حيث يتناول «السيد التقدمي» قصة رجل مستغل ومليونير لذلك كان لابد من تقديم موسيقى تعبيرية مناسبة ايضا في فيلم «المغامرة» ـ المأخوذ عن نص للراحل سعد الله ونوس واخراج محمد شاهين تشعر ان هناك خطاً موسيقياً يتصاعد تدريجيا حتى يصل الى ذروة الحدث .. ولا اقول هذا الكلام من باب المديح لاعمالي فقط بل كنا كملحنين نعمل جميعا على مسألة الموسيقى التصويرية واتذكر الاساتذة ابراهيم جودت، عبدالفتاح سكر، سليم سروة، سمير حلمي، حسين نازك .. فقد كنا اسرة فنية متميزة تفكر بالابداع وبالتنافس الشريف لتقديم الافضل. ـ وما رأيك بما يقدم من موسيقى تصويرية في هذه الفترة؟ ـ لا انكر جهد الشباب الواضح في هذا المجال، لكن مع الاسف لا توجد بصمة او هوية مميزة لكل ملحن خاصة، وان الاعمال الدرامية اصبحت هذه الايام تشبه بعضها وما زاد الطين بلة تشابه الموسيقى التصويرية لهذه الاعمال ايضا حتى ان كثيرا ما اختلط على الجمهور فلم يعد يميز بين هذا المسلسل او ذاك .. خاصة مع شيوع استخدام «الكيبورد» والذي شوه كثيرا من جمالية الموسيقى الشرقية وحولها الى نغمات كهربائية لا حس فيها ولا حياة. دمشق ـ احمد ابو الحسن