اضاء حضور شاعر العرب الشهير ابو الطيب المتنبي (القرن العاشر) عتمة هيكل جوبيتر في قلعة بعلبك الرومانية الاثرية في مسرحية غنائية تاريخية ملحمية ضخمة أعدها المسرحي اللبناني منصور الرحباني وباشر عرضها امس الاول، بعد أن تم عرضها لأول مرة على مسرح مدينة دبي للإعلام مارس الماضي. وعلى مدى ثلاث ساعات حول الرحباني ادراج معبد جوبيتر من دولة الى اخرى شهدت ترحال شاعر «الخيل والليل والبيداء» شاهرا كلمته امام الحكام مديحا حينا وهجاء حينا اخرى بحثا عن امارة يتولاها ولقي حتفه دون الوصول اليها. لم يقدم الرحابنة سردا تاريخيا لحياة المتنبي متنقلا بين الكوفة وبغداد وحلب ومصر وشيراز، بل قدموا «متنبيا» عاشقا تفوح منه نرجسية الشاعر ولا يختزله الطموح الى الامارة وذلك في سياق درامي يعتمد اللغة الفصحى. جاءت شخصية الشاعر جسرا لتمجيد الكلمة كصانعة للاحداث والتاريخ يختصرها الرحباني في عبارة تقولها امرأة للمتنبي قبل بدء ترحاله «ستكون لك امارة لا تنتهي وسيسطع اسمك عاليا بعد زوال اسماء الملوك». وتشكل المسرحية امتدادا لصرخة اطلقها الرحابنة ضد الظلم والسلطة منذ بدء مسرحهم الغنائي وحملتها خاصة شخصية فيروز. المسرحية من تأليف منصور الرحباني وتلحينه بمشاركة الياس وغدي واسامة الرحباني ومن اخراج مروان الرحباني. ابطالها غسان صليبا (المتنبي) وكارول سماحة (خولة حبيبة المتنبي وشقيقة سيف الدولة) والسوري جمال سليمان (سيف الدولة) وصباح عبيد (كافور الاخشيدي) بمشاركة اكثر من 100 فنان وتقني. انتقل المتنبي من الكوفة الى بغداد مركز الخلافة العباسية المستضعفة في دويلات متناثرة بين بلاد الشام وضفاف النيل، وفيها هجا والدة ضبة مما دفع بأخيها فاتك الاسدي الى تعقبه وقتله في النهاية غسلا للعار. من بغداد الى الدولة الحمدانية في حلب والعلاقة الحميمة والمميزة بأميرها سيف الدولة وقصة حبه لخولة ودسائس الذين اثار حسدهم قرب المتنبي، وهو بلا نسب، من اميرهم وفي مقدمهم ابو فراس الحمداني. من حلب الى مصر ومديح كافور الاخشيدي فهجائه مما اضطره الى الهرب خوفا على حياته. عودة الى الكوفة رغم الحنين الى سيف الدولة وخولة فانتقال جديد الى بغداد ومنها الى شيراز حيث التقى عضد الدولة. من ابرز اللوحات الملحمية التي استخدمت البيارق والالوان الطاغية الفراس وقاذفات اللهب ولوحة معركة «الحدث» بين عسكر الروم وجيش العرب. وفي العمل الذي تميز بتناسق جمالي رددت اعمدة الهياكل الرومانية، التي بنيت بين القرنين الاول والثالث بعد الميلاد، صدى ابيات للمتنبي تحولت حكما ومنها «من نكد الدنيا على الحر ان يرى عدوا ليس من صداقته بد»، «اذا اتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل»، «لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى حتى يراق على جانبه الدم»، «ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن». جاء العرض في سهرة غصت مدرجاتها التي تتسع لاكثر من اربعة الاف مقعد بالمشاهدين الذين صفقوا طويلا. ـ أ.ف.ب