هل تستطيع أن تعتذر عن دعوة لأكثر من عام؟ أنا فعلت ذلك. كنت أراوغ كلما تلقيت الدعوة، أو وجدت لدي مايشغلني، أو طلبت تأجيل اللقاء. وكانت الدعوة من صديقات( أم كلثوم). وهي بالطبع ليست جمعية، ولكنها مجموعة من السيدات أعرف منهن مدام عبدية وهي محبة لأم كلثوم سمعت أغانيها كلها، وصادقتها سنوات، ولا تجد عنها في مجلة أو جريدة الا وتقرأها. ولا تكتفي بذلك بل تحاول أن تصحح ماترى انه خطأ، ورغم رقتها الشديدة وانتمائها الى الارستقراطية المصرية القديمة الا انها مستعدة لأن تتحول الى نمرة شرسة إذا مس أحد أم كلثوم بكلمة. وايضا مستعدة أن تتحول الى صديقة لمن يقول عنها كلمة طيبة. قالت لي مدام عبدية لقد تزوجت زوجي عندما عرفت أنه محب لأغاني أم كلثوم! وكان ترددي في قبول الدعوة خوفي أن يفتحوا ملفا أراه أغلق. فلقد كتبت عن أم كلثوم ماكتبت، وبالتأكيد فيه ما يحتاج الى اضافة او إصلاح، ولكن الآوان قد فات، ولم يعد من الممكن اصلاح شيء أو اضافة شيء. ومنه انتهاء عرض عملي عن أم كلثوم تلقيت قدرا كبيرا من المعلومات عنها، ومن الوثائق، ومن الكتابات، ومن الشهادات، بالتأكيد لو كانت متوفرة لدي قبل الانتهاء من كتابة العمل لوفرت علي بعض الجهد.. وربما اضافت بعض اللمسات. وان كنت أشك انها ستغير شيئا في البناء الاساسي. وبعض الشهود يطاردونك ليقدموا لك وثائق لا قيمة لها، أو على الأقل لا قيمة لها في هذا العمل. وأذكر أن أحدهم قام بمطاردتي بالتليفونات على شاشات التليفزيون، حتى أمسك بي في الاذاعة وحصل على رقم تليفوني فأخذ يحدثنى عن المعلومات التي تجاهلتها، والوثائق التي غفلت عنها. وأخيرا قدم لي مجموعة أوراق مصورة عن الأصل. قرأتها في لهفة فإذا هي مجموعة رسائل خطية من أم كلثوم الى أحد أقاربها. ولم يكن في هذه الرسائل الا اتفاقات مهنية مع اشارات من المجاملات العادية مثل أن رسالة فلان أثلجت صدري. ومثل أنني لا أنسى فضل فلان علي! والجملة الاخيرة من باب المجاملة التي كانت سائدة في هذا الزمن أما الآن فالمجاملة ممكن أن توردك موارد الضيق. فلقد هنأني كاتب صغير على عمل كتبته، وذكر لي أن له كتابا في هذا الموضوع، ولم أكن أعرف هذا لكنني قلت له: طبعا. قرأته وكان مهما لي! وخرج ليرفع على قضية يتهمنى انني أخذت عملي عن كتابه الذي لم أكن قرأته. وعندما قرأته فيما بعد دهشت كيف يعتقد أن هذا عمل قد يأخذ أحد عنه أي شيء. ودلل على حجته بأنني اعترفت له أن كتابه مهما لي. وهكذا عاقبني بالمجاملة التي قلتها. المهم هذه خاطرة عابرة لا علاقة لها بموضوعنا. ونعود الى حكايتنا وهي المعاناة التي خشيت أن ألقاها عندما ألتقي بصديقات أم كلثوم. ولأن عرضهن باللقاء كان مستمرا فلقد اضطررت في النهاية الى قبول الدعوة ولعلي أردت أن يحدث ماأخشى أن يحدث بدلا من انتظاره. وكانت بطلة السهرة هي مدام عبدية التي عرفتها من قبل، وعرفت ولعها الشديد بأم كلثوم. ولكن الدعوة كانت لدى مدام حسبية في الزمالك في شقة كبيرة قديمة فخمة، مليئة بالخدم. وكانت هناك مدام سميحة. وكنت أعرف انها من أقرب صديقات أم كلثوم. وانها صاحبتها في سنواتها الأخيرة. ثم كانت هناك سيدتان لم استطع التقاط اسميهما. وذلك لانهما اسمين من الاسماء التركية أو الفارسية المعقدة علينا نحن المتحدثين باللغة العربية. وكانت السيدات الخمس ينتمين الى الماضي ولا يمكن أن يسمعن علي الحجار ومحمد الحلو وانغام، وبالطبع لا يمكن أن يسمعن شعبان عبدالرحيم. قالت إحداهن: أخيرا اتيت الينا. لدينا كل مايمكن أن تريده عن أم كلثوم فنحن صديقات عمرها. ماذا تريد أن تعرف؟ ولم أكن أريد أن أعرف شيئا محددا، فلقد أقفلت الملف ولم أعد أبحث عن جديد، واذا أجبت أن أعرف شيئا فمن قبيل الفضول. وأخذت أبحث عن سؤال أفجر حوله الحديث. وكنت مشغولا بالبحث عن السؤال عندما قالت احداهن. اشهد لك بالدقة، وهناك لمحات أعرف انه لا يعرفها غيري وربما لا يعرفها غيرنا من صديقاتها فكيف توصلت اليها؟ قلت لها: أصارحك القول ان هذا ليس معرفة. فأنا هنا لا مصدر لي. لكنني بحثت في الشخصية حتى عرفت كيف تفكر وكيف تسلك، ولما وصلت الى معرفة ذلك الى حد كبير، بدأت أخمن كيف تتصرف، ولذلك بدا انني أعرف ماحدث، وفي الحقيقة أنا أعرف كيف كانت تتصرف اذا ماحدث ذلك. وهنا أخذت السيدات الخمس يتحدثن كما لو كن يتحدثن بالهيروغلوفية عن اشياء لا أعرفها. ولكن بدا من أصواتهن انهن على الاقل لسن ضد مافعلت أن لم يكن معه. قالت لي إحداه: لم تفتني حفلة لها منذ عام كذا. كان لي كرسي رقم كذا. وظل هذا مكاني الى أخر حفلة اقامتها. وبدأت كل منهن تذكر رقم كرسيها. قالت احداهن: في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا غنت سهران لوحدي وكانت أحلى مرة غنت فيها هذه الأغنية، وسألتها عن هذا، فلم تقل سر تألقها في هذه الليلة. قالت الأخرى: اختلف معك ياصديقتي في هذا ففي حفلة كذا غنتها أجمل بكثير، وهذا رأي أحمد رامي رحمه الله. وعلى فكرة كل من ذكروه اضافوا الى اسمه رحمه الله! قالت الثالثة: لا أوافق على هذا فأم كلثوم كانت دائما في القمة. وكل تسجيلات سهران لوحدي في غاية الروعة. وأنا مستعدة أن أدعوكم الى ليلة نسمع فيها كل تسجيل ونترك الأستاذ ليحكم عليها! وهكذا أصبحت خبيرا موسيقيا وفنيا! وتساءلت كم عمر هذه السيدات. لقد توفيت أم كلثوم منذ ثمانية وعشرين عاما. ولو أنها عاشت الى الآن لصار عمرها مائة عام. حقا ليس فيهن من كان في عمر أم كلثوم، لكن السن بنسبة ما كانت متقاربة. ولذلك فكل واحدة منهن تتحدث عن ابنائها وأحفادها وربما ابناء احفادها. ولا تستطيع الا أن تتمنى لهن الصحة. ولكن ماذا جمعهن؟ الصداقة القديمة؟ هذا بديهي خاصة أن هذه الصداقة مازال لها موضوع مشترك مستمر، وهو الحديث عن أم كلثوم. ولكن كيف يرين هذا الزمن الذي يختلف عن الزمن الذي كان؟ أعرف أن كل جيل ينعي الزمن الذي ولى حتى من هم في جيل الثلاثين، ولكن ماأبعد زمن هذه النسوة عن الزمن الذي نعيشه. وعندما وقفت لانصرف اعتذرت بعضهن عن عدم قدرتهن على الوقوف لوداعي. وعصر قلبي وأنا أدرك أن زمانهن ويي، ولذلك يرين أنه الزمن الذهبي. والمدهش أنه كان فعلا الزمن الذهبي.