دعونا نتوكل على الله، ونحاول ـ في حياد تام ـ وضع النقط فوق الحروف ـ او نضع الحروف تحت النقط ـ، وتعالوا بنا نناقش بهدوء ـ على طريقة «الاتجاه المعاكس».. او «المشاكس».. ما يدعيه فريقان في عالمنا العربي حول حقيقة الوضع الاعلامي والديمقراطي، الفريق الأول ـ وأعضاؤه غالباً جزء من السلطة او ممن يعملون لحسابها ـ يؤكد اعضاؤه مقولة «نحن نعيش ازهى عصور الديمقراطية»، وفي حماس لا يقل عن حماس انصار هذا المبدأ او الشعار يؤكد أعضاء الفريق الثاني عكس ذلك قائلين «نحن نعيش أزفت عصور الديمقراطية»..! اين الحقيقة اذن؟، خاصة اذا رأينا اتباع المقولة الاولى يتهمون خصومهم بالاتهام التقليدي المتبع عندهم في مثل هذه الحالات والذي يؤكد ان معارضي رأيهم اغمضوا اعينهم حتى لا ترى الحرية الساطعة والديمقراطية اللامعة التي تشمل بمظلتها البلاد والعباد، وبالتالي فهم ـ المعارضون طبعاً ـ «قلة حاقدة.. خارجة على الاجماع.. ومدفوعة من جهات خارجية مشبوهة»..! اما اتباع المقولة الثانية فيؤكدون ـ في حماس لا يقل عن حماس خصومهم ـ ان ما يتردد عن «أزهى عصور الديمقراطية» ليس الا ادعاء يردده اتباع وعملاء النظام الذين اغمضوا هم ايضا عيونهم حتى لا ترى كيف تكبل الحريات.. وتزيف الانتخابات.. وتفتح المعتقلات لاستضافة اصحاب الرأي الاخر والمعارضين للنظام..! وحتى لانتهم بالانحياز التام ـ الذي هو كالموت الزؤام ـ تعالوا بنا نتقصى الحقائق: .. صحيح انه يحدث ان تصادر صحف.. وان تغلق صحف.. وان تنسف دور صحف..، وأن تصدر من حين لآخر.. ومن لحظة الى أخرى قوانين استثنائية تجرجر اعداداً من الصحفيين والكتاب المشاكسين الى المحاكم والسجون.. .. وصحيح انه يحدث احياناً اخرى ان يطارد المعارضون من أصحاب اي رأي آخر.. وان يصفى الخارجون عن طاعة «الذات العلية» للنظام، والتي يعتبر المساس بها اخطر وأقرب الى الكفر من المساس بالذات الالهية... .. وصحيح انه يحدث ايضا ان تزيف الانتخابات في بلد ما، وان تزور الاستفتاءات في بلد آخر، او تؤجل الانتخابات والاستفتاءات معا الى اجل غير مسمى.. تلافيا لحدوث التزييف والتزوير في أي منهما... .. وصحيح انه يحدث احيانا «غالباً» ان ينفرد الحاكم بالحكم.. وبالرأي.. وبالمشورة.. وبالرأي..، وان ينوب ـ كقائد ملهم ـ عن الشعب كله في تحمل المسئوليات.. صغيرها وكبيرها، وان يقسم عند توليه الحكم يمين الولاء للكرسي.. ويمين الاستمرار في الجلوس عليه حتى يتولاه «ويتولى شعبه» الله..! .. وصحيح ان كل هذا الذي حدث ويحدث «وسوف يحدث» جعل البعض يؤثر السلامة.. اما بالهروب من «أزهى عصور الديمقراطية» الى أي مكان اخر!، واما ان يؤثر السلامة ـ حرصاً على حياته ورزقه ـ ويبتعد عن مواطن الزلل.. ويتحسس اتجاهات الريح ليكون معها.. ان لم يسبقها..!! البعض ـ من حزب «أزهى عصور الديمقراطية» لا ينفي ذلك ولا يؤكده، ولكنه يقول متسائلاً في غضب: «وهل يصح ان يتخذ الحاقدون والمضللون من هذا كله او بعضه ذريعة لتشويه الصورة الرائعة لمسيرة الحرية التي «نعيش ازهى عصورها»، وهل يليق ان نملأ الدنيا صراخاً وعويلاً يسمعه اعداؤنا لمجرد ان عدداً من الصحف صودرت او اغلقت؟، او لان بعضاً من الصحفيين والمعارضين طردوا.. او اعتقلوا.. او تمت تصفيتهم؟، او لان انتخابات زورت او استفتاءات زيفت؟.. او لأن حكاماً استجابوا لرغبات شعوبهم بالبقاء على كراسي الحكم حتى النفس الأخير..! ويستطرد اتباع مذهب «أزهى عصور الديمقراطية» مؤكدين حقيقة ان القاعدة الاساسية هي «الحرية كل الحرية للشعب.. ولا حرية لأعداء الشعب»، ومادام الشعب قد انتخب ـ لا يهم ما حدث في الانتخابات ـ رئيسه ممثلا له، فبالتالي يصبح الحاكم هو الشعب.. ويصبح اي تهجم عليه تهجماً على الشعب، ويصبح اعداء الحاكم تلقائيا اعداء الشعب، ولا يختلف اثنان ـ ولا حتى ثلاثة ـ على ما يستحقه الخونة من أعداء الشعب..! ويؤكد اتباع «أزهى عصور الديمقراطية» على حق كل فرد من أفراد الشعب على نصيبه من الحرية والديمقراطية كاملاً.. شاء ام لم يشأ، وان هناك اتجاها لاستصدار قانون جديد يعاقب بأشد العقوبة كل من يتكاسل عن ممارسة حريته وديمقراطيته، وضمانا لوصول الديمقراطية الى مستحقيها ستكون هناك منافذ متعددة في كل الاحياء يتم عن طريقها توزيع حصص المواطنين من الديمقراطية، على ان يكون مع كل مواطن «حاجة» يأخد فيها نصيبه ونصيب أسرته منها..!! بقيت نقطة أخيرة يصر أتباع «أزهى عصور الديمقراطية» على توضيحها حتى لا يلتبس الرأي على البسطاء وعامة الناس الذين يدعي أتباع «أزفت عصور الديمقراطية» أنها من بين الممنوعات او المحرمات في العصر الزاهي، وهي «حرية الاجتماعات السياسية»، وهي فرية ـ كما يقولون ـ لا تحتاج رداً ولا توضيحاً..، فالوقائع اليومية التي يعايشها كل مواطن شريف تكذب ذلك الادعاء، فمن حق كل مواطن ان يعقد وحده او مع غيره اجتماعاً سياسياً في اي وقت وأي مكان لتأييد مواقف الحكومة او الاشادة بإنجازاتها، دون اي تدخل او اعتراض من اي جهة امنية، ولم يحدث ان منع مواطن من حضور مؤتمرات واجتماعات حزب الحكومة، ولم يعاقب مواطن لأنه صفق او هتف لمسئول او رئيس في هذه الاجتماعات، فحق التأييد.. وحق المبايعة ـ بالروح والدم ـ.. وحق الهتاف بحياة القائد الملهم، كلها حقوق مكفولة ومشروعة ومتاحة لكل مواطن.. بلا قيد ولا شرط..! كلمة اخيرة.. الوصف الشائع والدائم لمعظم الحكومات بأن كلمة «حكومة رشيدة» لم تأت عبثاً، فكل البحوث والدراسات اكدت ان الحكومات دائماً ـ وطالما هي في الحكم ـ رشيدة، وبالتالي تكون الشعوب غير رشيدة، ويكون من حق «الرشيدة» ان تتحمل مسئوليتها في تربية «غير الراشدين» بالطرق والأساليب التي تراها، والتي يضعها خبراء موثوق في نزاهتهم، من منطلق قاعدة ان «من لم يرشّده أباه وأمه.. رشدته الحكومات والليالي»..!!