يتحسر تشارلز درير على الزمن الماضي عندما كان يطلق نيران مدفعه الأثري عند أطراف بلدته الهادئة، ويقول: «اعتدت ان أطلق النار فوق ذلك الطريق إلى ان بنيت المنازل هناك قبل 12 عاماً، ولا أزال أتحين الفرصة بين تارة وأخرى لممارسة هوايتي، لكن عندما أرى وميض أضواء السيارات الأمامية من بعيد انسحب بهدوء. مشكلة درير ان عدد السيارات والحافلات في بلدته ازداد بشكل مثير خلال السنوات القليلة الماضية انها بلدة كاري، التي تحولت من موطن ريفي صغير إلى واحدة من أكثر مناطق ولاية نورث كارولينا نمواً وغنى بعد ان أصبحت أهم مركز لتجارة وأعمال التقنيات العالية في الولاية. وأخذ تعداد سكانها يتضاعف كل عقد منذ عام 1960 إلى ان وصل الآن إلى 96 ألف نسمة موزعين بشكل رئيسي على منطقتين تغطيان مساحة 50 كيلومتراً مربعاً. معظم القادمين الجدد جاؤوا من مدن شمالية وهو ما يدفع العديد من أبناء كاري الأصليين إلى القول على سبيل المزاح ان بلدتهم أصبحت مأوى للنازحين الشماليين. والمفارقة هنا ان البلدة سميت على اسم مواطن شمالي يدعى صامويل كاري وهو زعيم وطني من أوهايو عرف بتحمسه المتقد لاتحاد الولايات الأمريكية، ودعواته المخلصة لضبط النفس، ويقال انه ألقى احدى أكثر خطبه اتقاداً والتهاباً هنا في هذا المكان. ويقول بوب جودبولد (66 عاما) الذي ولد وترعرع في البلدة: «لقد كانت مساحة كاري ميلاً مربعاً واحداً وظلت كذلك لسنوات طويلة، وبعد ان كانت تعتمد على بيع لب الخشب الذي يصنع منه الورق أصبحت الآن مركزاً هاماً لتكنولوجيا المعلومات. حقول التبغ الموحلة وغابات الصنوبر الكثيفة انحسرت الآن مفسحة المجال للتقسيمات الجديدة في الأراضي ومراكز التسوق ذات الواجهات القرميدية المتشابهة. ومـن أكـبر أصحـاب العمل في البلـدة الآن كـل مـن شركـات «آي. بي. إم» و «سيسكـو سيستمز» و«لوسنت تكنولوجيز» ومعهد «ساس» الذي يشغل مقره العالمي الرئيسي مساحة 500 فدان على أطراف كاري. ويشتق المعهد اسمه من اسم نظام التحليل الاحصائي الذي طوّره مؤسسوه في جامعة نورث كارولينا المجاورة لتحليل البيانات الزراعية. يقوم المعهد الآن بانتاج برمجيات تمسح كميات هائلة من المعلومات بحثاً عن نماذج ومعانٍ ذات صلة بالموضوع.وتتراوح استخدامات أنظمة «ساس» في تطوير عقاقير جديدة إلى اعداد فهرس الأسعار الاستهلاكية في الولايات المتحدة. ويقول كوكابوث، وهو عمدة سابق يعمل الآن في المعهد: «ان ساس يعكس صورة كاري والعكس صحيح» فمتوسط أعمار سكان كاري (33 عاما) ومتوسط أعمار موظفي «ساس» 35 عاما،. ومتوسط الدخل السنوي للأسرة في كاري حوالي 60 ألف دولار، ومتوسط المرتبات السنوية في «ساس» 60 ألف دولار أيضاً. ويتحدث بوث باعتزاز عن قائمة الميزات التي يوفرها المعهد للموظفين، والتي تتراوح من العناية الممتازة في أوقات العمل إلى دروس في الرقص في استراحة الغداء، وهو ما دفع العديد من المجلات المتخصصة في مجالات المال والأعمال إلى اعتبار كاري من أفضل الأماكن للعيش والعمل في أمريكا. ووجود مثل هذه الشركة التكنولوجية العملاقة انعكس بشكل مثير على مستوى التطور المدني في البلدة التي يعيش معظم سكانها الآن في بيوت منفصلة ومتشابهة من طابقين بسقوف قرميدية تسر الناظرين وحدائق مرسومة على نحو بديع حول كل منزل يلهو فيها الأطفال ويسترخي فيها الكبار. و15 بالمئة من أرباب الاسر من حملة الشهادات العالية ومعدل الجريمة من كاري من أدنى المعدلات في أمريكا هذا كله يدفعنا للقول ان كاري تكاد تكون مدينة مثالية. أو هكذا كانت، ففي السنوات القليلة الماضية بدأت تظهر عدة أشياء تعكر صفاء وجه المدينة الجذاب من الخارج، فقد تضخمت الحركة المرورية بشكل مزعج وصفوف المدارس أصبحت مزدحمة جداً لدرجة ان 20 بالمئة من الطلاب يحضرون الدروس التي تعطى لهم في العربات المقطورة. وحتى جيم جودنايت أحد مؤسسي «ساس» الذي يذهب أحياناً ماشياً من بيته إلى حرم المعهد لاحظ تراجعاً في نوعية الحياة بالمدينة، ويقول: معظم الناس لديهم احساسي نفسه، لقد أصحبت المدارس والطرق مكتظة إلى حد الاختناق والمدينة لم تعد تتسع لمزيد من القادمين. لكن رغم الأوجاع المتزايدة فأجواء التفاؤل تسود المدينة الكبيرة الصغيرة، خصوصاً بين المقيمين الجدد الذين تركوا وراءهم العواصف الثلجية العنيفة، والمدن الضخمة التي يحتاج المرء فيها أحياناً إلى ساعتين للوصول إلى عمله. وتقول احدى المقيمات الجدد، التي انتقلت إلى كاري مع زوجها الذي يعمل في شركة «آي. بي. إم» قادمين من ضاحية ارستقراطية من ضواحي شيكاغو: تقدمت إلى هنا على مضض وكنت مستاءة جداً من مغادرة شيكاغو، لكن سرعان ما وقعنا في غرام المكان، لكن ما الذي يجعل كاري محبوبة إلى هذه الدرجة. تقول هذه السيدة: الطقس عامل هام بالطبع و قد أعجبني ايقاع الحياة هنا، فهي ليست مدينة كبيرة بكل ما يعني ذلك من ضغوطات واجهاد، انه موطن صغير يسوده الود، ونحن النساء في الجوار نجتمع بشكل منتظم ونمضي وقتاَ ممتعاً في النشاطات الترفيهية والألعاب، وغالبا ما تكون ليالينا مليئة بالمرح. لكن الآن وفي مكان ما باحدى مقابر أوهايو الباردة تتقلب عظام صامويل كاري داخل قبره! علي محمد

