بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب هو الرئيس السابق لأركان الجيوش الفرنسية، وهو ضابط بحّار في الأصل حيث كان لسنوات طويلة قائداً للأسطول الفرنسي في المحيط الهندي. عمل مستشاراً عسكرياً للرئيس الفرنسي ، الراحل فرانسوا ميتران أثناء حرب الخليج الأخيرة. وكان أول ضابط من سلاح البحرية يصبح رئيسا لأركان الجيوش الفرنسية، هذا هو كتابه الأول و«حتما الأخير»، كما قال لنا. هذا كتاب شهادة للاميرال جاك لانكساد حول فترة حساسة عاشها العالم وكانت مليئة بالأحداث الكبرى التي كانت حرب الخليج الأخيرة لعام 1991 أحد أهمها لتليها الحروب التي شهدتها يوغسلافيا السابقة، وخاصة النزاع في البوسنة والهرسك وسراييفو، وهناك أيضا المجازر التي شهدتها رواندة في منطقة البحيرات الكبرى بافريقيا، في هذه النزاعات والحروب كلها لم يكن مؤلف هذا الكتاب، الأميرال لانكساد مجرد شاهد وان كان أحد أصحاب القرار على الصعيد العسكري. وأحد الذين كان لهم دورهم في صياغة القرارات السياسية المهمة حيال الأحداث الكبرى التي يتم التعرض لها في هذا الكتاب. في تقديمه لهذا الكتاب يقول الأميرال لانكساد: «هذا العمل هو شهادة من أجل أولئك الذين ساهموا بعمليات تحت امرتي وضحّوا بحياتهم أو انهم لايزالون يعانون حتى الآن من الجراح التي أصيبوا بها. وذلك كي يعرف الجميع بأنهم قد حملوا شرف رسالة فرنسا في عالم متبدّل». تشتمل المواضيع التي يتطرق لها المؤلف، الأميرال إلى ثلاثة محاور أساسية: يخص الأول منها والذي يحظى بنصف صفحات هذا الكتاب شهادة الأميرال لانكساد حول ثلاثة نزاعات كبرى هي حرب الخليج أو «حرب ميتران» كما جاء في الفصل المكرس لها ثم نزاعات كوسوفو وأخيرا «في مواجهة الأزمات الافريقية». المحور الثاني يخص مفهوم «الدفاع الأوروبي» وخاصة ما يتعلق بمسائل «الردع النووي» ومفهوم الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران حول هذا الموضوع. أما المحور الثالث والأخير فإنه ذو خصوصية فرنسية إذ يتعرض فيه المؤف لآليات مواجهة الأزمات واتخاذ القرارات حول القضايا الكبرى في بلد مثل فرنسا. قبل أن يخوض جاك لانكساد في «حرب ميتران» التي شهدتها منطقة الخليج في مطلع عام 1991 يكرّس عدداً من صفحات كتابه للدلالات الأساسية التي ترتبت على سقوط جدار برلين عام 1989 ثم انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه الكتلة الشيوعية كلها. إن «التبدل» هو السمة الأساسية لمحصلة مجموعة الدلالات المقدمة. إذ «بأي عالم ندخل؟»، يتساءل المؤلف، الأميرال الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول المستقبل. لقد تأرجح العالم في الأمس القريب، بعد نهاية الحرب الباردة والاستقطاب الثنائي الدولي الذي ساد العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط جدار برلين. وماذا عن الغد؟ «الغد عالم يشوبه الغموض ويفتقد للاستقرار.. وخطير»، كما يشرح لانكساد في الصفحات الأخيرة من هذا العمل والتي تبدو بمثابة «تحذير» من ملامح الفوضى القائمة، في ظل سيادة نزعة لبرالية لا كوابح لها مع «انتصار» اقتصاد السوق. وتبقى حرب الخليج الأخيرة نقطة انعطاف حاسمة في المسار التطوري العالمي اللاحق. لكن إذا كان الاميرال جاك لانكساد قد اختار تعبير «حرب ميتران» للفصل المكرّس لحرب الخليج.. فإنه يولي أهمية كبيرة لدراسة «حرب الخليج الأولى» بين إيران والعراق، انطلاقا من واقع «الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج بالنسبة للاستقرار في العالم»، وبالتالي «لا يمكن للأزمات التي تشهدها هذه المنطقة إلا وأن تأخذ بسرعة فائقة بعداً دولياً، والخطأ الأساسي لصدام حسين هو أنه لم يفهم هذا الواقع». ضمن هذا السياق يعود الاميرال إلى ذكرياته عن «لقائه» الأول مع منطقة الخليج خلال نهاية عقد السبعينيات حيث كان مسئولا عن عدد من «ملفات التعاون» مع بعض بلدان المنطقة وخاصة ان المفاوضين الرئيسيين لاتفاق التعاون الذي تم توقيعه عام 1981 مع المملكة العربية السعودية والمعروف باسم «سواري». وتم بموجبه تسليم فرقاطات وناقلات نفط لبحرية المملكة.. وتكررت زياراته للمنطقة منذ أواخر عقد السبعينيات، حيث تعرّف على بغداد والبصرة وحيث تعرّف على «الثقافة والعقلية والتطلعات السياسية والعسكرية لهذه البلاد ذات الخصوصية». وهنا يحدد رئيس أركان الجيوش الفرنسية السابق حجر الزاوية في سياسة فرنسا آنذاك حيال العراق ويقول: «كان طموح فرنسا أثناءها يتمثل في إخراج العراق من دائرة النفوذ السوفييتي». وإذا كان قد تمّ تزويد العراق بأعتدة وأجهزة فرنسية كثيرة ومتقدمة، فإن «أحداً لم يكن يتوقع أن النظام سوف يقوم بعمل غير محسوب ضد إيران بعد سقوط الشاه ثم ولوج سبيل أدّى إلى حرب الخليج الثانية». ومن موقع العسكري، يقول الأميرال لانكساد بأن أسفاره المتكررة إلى العراق سمحت له بأن يفهم مدى تأثر الكوادر العسكرية العراقية العليا بالمدرسة «السوفييتية»، وحيث تشكل «القوة» العنصر الأساسي في التحليل، الأمر الذي تمت ترجمته استراتيجيا على الصعيد العسكري بالميل إلى «الهجوم الوجاهي والشامل ومركزة جميع الدبابات والمدفعية بعمل عسكري يتسم بدرجة عالية من العنف». إن مثل هذه الاستراتيجية لم تكن بعيدة عن الخطط العسكرية العراقية خلال حرب الخليج الثانية. منطق «القوة» الصرفة والشاملة يستبعد مفاهيم «الضربات المحدودة». ويعود الأميرال إلى الظروف التي تمّ فيها اتخاذ «القرار الصعب» «داغيت» التي شارك فيها الفرنسيون بالتحالف الدولي ضد العراق. ويذكر حادث احتلال القوات العراقية لمقر إقامة السفير الفرنسي في الكويت لمدة ساعات عدة، كان ذلك بتاريخ 14 سبتمبر 1990، يقول المؤلف بأن الرئيس ميتران الذي كان يومها بزيارة إلى تشيكوسلوفاكيا اتصل به من فندق براديسلافيا، حيث كان يقيم وقال له: «هذا أمر غير مقبول».. وأضاف بأن مثل هذا الحدث لابد وأن يزيد من إظهار «حزمنا». كان ذلك الحادث «نقطة» تحول في صيغة الالتزام العسكري الفرنسي في الأزمة بعد «رحلة الانتظار» لقد أصبح الموقف الفرنسي أكثر تأرجحا، باتجاه المشاركة بالتدخل إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا. كان الاتفاق أولا على مثل ذلك التدخل مقتصرا على شخصين فقط هما الرئيس الراحل ميتران ورئيس أركان جيوشه، مؤلف هذا الكتاب، الذي يروي بأن الأمريكيين استقبلوا برضى كبير القرار الفرنسي عندما أخبر الأميرال ـ المؤلف ـ به «برنت سكوركوف» المستشار الاستراتيجي للرئيس جورج بوش (الأب). «لكن الحوار كان أصعب بكثير مع جان بيير شوفنمان الذي كان عليّ أن أطلعه على نوايا الرئيس إذ قدّم لي جميع حججه ضد انخراط فرنسا أكثر بذلك النزاع». وفي مقدمة الحجج التي ساقها وزير الدفاع الفرنسي السابق قوله بأنه «تنبغي المحافظة على النظام العراقي» وأنه «مهما تكن أخطاء الرئيس صدام حسين فإن المطلوب هو إيجاد مخرج سياسي للأزمة» و«تجنب المواجهة المباشرة».. وأيضا وخاصة «عدم قبول ما كان وزير الدفاع يسميه انحيازاً وراء ما تريده الولايات المتحدة». باختصار كان وزير الدفاع الفرنسي السابق جان بيير شوفنمان «ضد أي التزام لقواتنا البرية إلى جانب الأمريكيين في السعودية». وقد اعتبر رئيس أركان جيوشه ـ المؤلف ـ بأنه «موال» أكثر مما يجب للأمريكيين» وهذا ما يعتبره «لانكساد» بدوره بمثابة «محاكمة على أساس النوايا» إذ أن كل ما فعله هو أنه كان يقوم بدور «المستشار» الذي «ربما كان له التأثير على القرارات لكنه لم يكن يتخذها بأي شكل من الأشكال»، كان الأمر كما يصفه الأميرال بمثابة «خلاف يؤسف له في وجهات النظر» قبل أن يضيف: «ان جان بيير شوفنمان يمتلك حساً حقيقياً للدفاع الوطني ورؤية مستقلة فنال تقديراً كبيراً لدى العسكريين». عن موقف الرئيس ميتران يؤكد مؤلف هذا الكتاب بانه كان يريد ان يبقي باب الحل الدبلوماسي مفتوحاً حتى النهاية، وكان يتمنى بان يتراجع العراقيون. وبانه لم يكن يريد الانحياز سريعاً للموقف الامريكي الذي كان يراه ميّالاً للحرب اكثر مما يتطلبه الموقف العادل». لكن «الانخراط اكثر في الازمة» كان شرطاً لـ «عدم الاستثناء من المشاركة في اي حل». ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان القليلين بل نادرين اولئك الذين كانوا يقاسمون بعمق الرئيس ميتران رؤيته. ومن بين هؤلاء «النادرين» وزير خارجيته انذاك رولان دوماس بكل الاحوال وبتاريخ 4 فبراير 1991 كانت الفرقة الفرنسية المدرعة الخفيفة هي اول القوات التي دخلت الاراضي العراقية بهجوم سريع وفعّال. ان الاميرال المؤلف يستعرض على مدى صفحات عديدة العلاقات الفرنسية ـ الامريكية خلال ازمة ثم حرب الخليج ويؤكد على مدى «التفاهم» الكبير بين الرئيسين الراحل فرانسوا ميتران والسابق جورج بوش. ويؤكد على انه وحتى الايام الخمسة عشر الاخيرة التي سبقت اندلاع حرب الخليج كان هناك بحث عن حل سلمي للازمة. يقول: «خلال خمسة عشر يوما تم الطلب الى وزارة الخارجية الفرنسية ترك الامريكيين يتصرفون. كان يتم الاقتراب اذن من حل». وقد كانت فرنسا احد المساهمين في التحضير لاجتماع مسئولي السياسة الخارجية الامريكيين والعراقيين في جنيف بتاريخ 9 يناير 1991 حيث سلّم «برنت سكوركوف» للفرنسيين مشروع رسالة من الرئيس الامريكي للرئيس العراقي صدام حسين بحيث يسلمها وزير الخارجية الامريكي لنظيره العراقي في بداية الاجتماع. يصف الاميرال لانكساد هذا المشروع بالقول: «بدا لنا ذلك المشروع غير مشجع اذ انه كان شبيهاً بانذار نهائي بل باعلان حرب» ويضيف: «اذا كان يحدد بدقة ما ننتظره من العراق فان مشروع تلك الرسالة كان يتسلم بلهجة لا يمكن للطرف العراقي قبولها». وفشل اجتماع جنيف ووقعت حرب الخليج بتاريخ 16 يناير 1991. واستقال جان بيير شوفنمان بتاريخ 29 من الشهر نفسه. يقول لانكساد: «كان رحيلا مرا. فقد ثمنت كثيرا صفاته كمسئول سياسي ووطنيته وحب الاخرين له واستقامته الكاملة». في الجزء الاخير من هذا الفصل المكرس لـ «حرب ميتران» في الخليج يتحدث الاميرال ـ المؤلف عما يسميه «الحرب» بعد الحرب حيث يتم الغرض لعمل لجنة «يونسكوم» المعروفة والحصار المضروب على العراق ليصل المؤلف الى نتيجة اساسية مفادها ان الامن والسلام في هذه المنطقة الحساسة من العالم يتطلبان قبل اي شيء الوصول الى نظام امني مشترك والتقدم على ايجاد حل لقضية الشرق الاوسط الرئيسية اي الصراع العربي ـ الاسرائيلي.