في الفصل الأوّل من الكتاب، يمهّد المؤلّف لرؤيته هذه بمقدمة نظرية فلسفية، توضّح مفهومه لثنائية الحياة والموت، كمشكلة فلسفية ما انفكّت تتداول منذ بدايات الوعي الإنساني وحتى يومنا هذا، وهو إلى ذلك لا يرى في مفهوم الحياة حالة التكرار الغريزي القائم على حفظ النوع والاستمرار داخل نظام مغلق كما هو الأمر لدى الكائنات الأخرى، وإنما كمرحلة قائمة على التجدد داخل نظام مفتوح يهدف إلى النموّ والتطوّر من خلال العقل. وكذلك هو الأمر بالنسبة للموت، الذي قد يكون موتاً للجسد، أو موتاً معنوياً يتلخّص في إيقاف النموّ العقلي والعودة إلى الدائرة المغلقة، أي إلى دائرة الغريزة وحفظ النوع، وبالتالي فإنه سوف يطرح العديد من الأسئلة حول إمكانية استمرار تطوّر الإنسان للخلاص من حالة التكرار الغريزية، وسيضرب أمثلة من التاريخ ويعقد مقارنات بين الإسلام والأديان الأخرى، وسيقدّم اجتهادات موفّقة حول الخلل الذي أصاب الأديان الأخرى بتحويل الدين الدافع إلى النموّ والتطوّر، إلى مؤسسات أسست لعبودية الإنسان، وسيختار النموذج اليهودي الذي قلّص الرؤية الإلهية الرحبة إلى المتاجرة بشعار أرض الميعاد، نافياً ذلك وساخراً من هذا التفسير المضلل الذي قدمته الكنيسة لرسالة الله، حيث أدرك يهود اليوم أن أرض فلسطين لا تفيض لبناً وعسلاً، بل تفيض ضرائب وتدريبات عسكرية شاقة، لأن فلسطين ليست هدية من الله بل من الكنيسة. ولأن الكنيسة لا تملك أرض ميعاد بل تملك أسلحة وخططاً وهذه الخطط سوف تتلخّص إما في الموت أو في قتل الآخرين، وكأن الحياة لم تتقدم لحظة منذ عهد القرابين الأولى التي كان الوثنيّ يقدّم أولاده فيها للصنم. لكي يقدّمهم للمؤسسة التي ستشتري بجثثهم أرض الميعاد، وبهذا المعنى فإن الصنم كان ومازال عدوّ الحياة، ونصير الموت، أي وقف النموّ. ومن هنا فإن أنصار الموت هؤلاء سيقفون عائقاً ضدّ تقدّم الإنسان، وذلك لأن الإنسان مخلوق من قبل الله تعالى لكي ينمو، بدليل الآية القرآنية الكريمة: «وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون» فالله سبحانه ردّ على الملائكة بوضوح إني أعلم ما لا تعلمون وهو إعلان واضح بأن الإنسان يظفر بثقة خالقه، وهو خليفته، ليس من أجل الإفساد في الأرض وسفك الدماء، أو للتكاثر، وإنما للخروج من دائرة التكرار المغلقة نحو دائرة مفتوحة قابلة للنموّ المطّرد نحو الأفضل بالعقل وليس بالغريزة. إن هذا الفهم المستفيض للنصّ القرآني سوف يؤسّس لتوجهاته نحو ثورة الفاتح وشعاراتها في الحرية والاشتراكية والوحدة، هذه الشعارات التي هي فاضلة في حدّ ذاتها، وتكمن فيها عناصر النموّ سواء بالسعي إلى التحرر من الاستعمار والصهيونية، أو عدم السماح لاستغلال الإنسان في أية صورة من صوره، أو تخليص الإنسان العربي من غربته بالوحدة. ولكن هذه الشعارات على الصعيد العملي ستلقى فهماً مختلفاً من قبل المواطن، فهماً عابراً ومحدوداً سيعيق النموّ، وذلك لأن القرارات القوية التي ستتخذ في المركز سرعان ما ستتلاشى من خلال دائرة السلب التي يرزح فيها من أوكلت إليه مهام التنفيذ. وسوف يعزّز المؤلّف توجّهه هذا بمزيد من الأمثلة على الصعيد الاجتماعي من خلال دائرتي التكرار الغريزي المغلق، ودائرة النموّ المنفتحة، وسيوضح أن الإنسان النائم في حضن المجتمع؛ الإنسان غير الفاعل سيظلّ على الدوام يرزح في العبودية، ولا علاج لحالة النوم هذه إلاّ من خلال البحث عن الذات واكتشاف صوت الضمير الإنسانيّ وسط زحام الأصوات.. وبالتالي فإنه كلّما ابتعد عن الغريزة كلما اقترب من النموّ، وهذه العلاقة الشرطية ضرورية من أجل نجاح القيم، بمعنى أن يكون الإنسان فاعلاً في الحياة مندمجاً مع الجماعة من أجل النموّ الكامل، أو الثورة الكاملة التي تتميز بجملة من الحقائق يمكن تلخيصها فيما يأتي: توضيح العلاقة بين الدين والدولة، الوحدة الاجتماعية، السلام الاجتماعي، مساواة المرأة بالرجل مساواة عملية، تربية الطفل والمسئولية الاجتماعية عنه، الاستفادة من خبرات المسنين وعدم اعتبارهم كأدوات إنتاج معطّلة. وفي صدد تناوله لمواطن هذه المدينة، فإن المؤلّف لا يراه ذاتاً صوفية تائهة في الكون، بل يراه بمثابة رفيق في رحلة الحياة، يحسّ بعزلته عن العالم ويرغب في العودة إليه على جسور من الخير والنموّ..إنه يقابله بالثقة كما قابله عندما كان طفلاً، لكنه لا يعفيه من العقاب إذا كان يستحقّه، إن ثقة الله في الإنسان لا تعفيه من الحرق إذا اقترب من النار، وثقتنا في الإنسان لا تعفيه من المسئولية إذا اصطدم بذات أخرى بما في ذلك طفله وزوجته. إن القانون في المجتمع هو الحدّ الفاصل بين ذات وأخرى.. أما بالنسبة للحرية، فإنها ضرورة إنسانية لمواطن مدينته، فلا يرى قضية فلسطين في ضوء التاريخ بل في ضوء الحقّ ويرفض بالتالي اعتبارها أرضاً للميعاد ويضع هذا التفسير في مكانه الصحيح. وكذلك هو الأمر بالنسبة للاشتراكية، فهي بدورها ضرورة إنسانية، ولا بدّ أن تصبح مبدأ الحياة في أيّ مجتمع إنساني..نحن شركاء في أدوات الإنتاج لا لكي نأكل لكننا شركاء في الثقة لكي نعيش. إن الاشتراكية ليست إيجاد كسرة من الخبز بل الغرض من إيجاد كسرة الخبز أيضاً. وعلى صعيد القومية فإنه لن يعتبرها شكلاً أو قالباً، وإنما شخصية مميزة من مسئوليتها المحافظة على تميّزها، لأن من طبيعة الحياة أن تميز نفسها. وفيما إذا كان هذا الطرح سيعتبر مثالياً أو طوباوياً، سيردّ النيهوم على ذلك: بأن المثالية فضيلة تقابلها في الجانب الآخر رذيلة عدم الواقعية والخلط بينهما يعادل الخلط بين الحلم والواقع، لأن الفكر غير الواقعي هو بالذات نتاج العقل النائم الذي يوجد في الحاضر ولا يوجد فيه، ويقيم منطقته على عاطفته ومشاعره ويرى نفسه في مركز العالم ويعمل تحت سيطرة تامة من اللاوعي. إنه العقل الذي أساء فهم الموقف الإنساني حتى دفعه إلى صناعة سلاح ذريّ مهمّته الأولى والوحيدة أن يبيد الإنسان فقط. الفكر المثالي في الجانب الآخر يقظة تمّت تحت وطأة الحاجة إلى الخلاص من هذا الكابوس. إنه لا يبدأ بالحلم بل يبدأ بالنظر للواقع المسطح. ويقيم منطقه على وعيه بالعالم ويرى أول ما يرى أن أخطر أعداء الحياة ليس هو الموت بل هو الحيّ النائم. وإلى ذلك فإنه سيحدد الخطوط العريضة لمدينته على الصعيد العملي، من خلال ثلاثة ميادين هي: الوعظ والتعليم والقانون، ويقدّم اجتهادات جديرة بالنقاش حقّاً، حيث إنه يرى في ميدان الوعظ أن الإيمان لا يعيّن واعظاً بل يخلق داعية، والواعظ ينبغي أن يعبر عن إيمانه بالوعظ، وليس واعظاً يؤدّي وظيفته بالدعوة إلى الإيمان. إن هذا الأداء المعكوس من قبل الوعّاظ كانت نتيجته في قلة روّاد المساجد. وغربة المسجد عن الحياة اليومية. وغربة الواعظ نفسه عن المجتمع، وهو إلى ذلك سيقدم مجموعة من المقترحات لترتيب العلاقة من جديد بين الإنسان والمسجد للعودة إلى جوهر الدين. أما التعليم فإن مقترحاته تذهب في جملة من الأمور التربوية المطبقة حالياً في كثير من المناهج العربية وغير العربية، سواء من حيث تقديم المعلومة أو من خلال ممارسة الأنشطة وبهذا فإنه لا جديد فيها ما لم يتمّ التفاعل الخلاّق بين القاعدة والقمّة والقائم أساساً على المصلحة العامة. أما بالنسبة للقانون فإنه يرى أن إنسان المدينة الحر يطيع القانون ولا يخافه والفرق واضح بين الطاعة والخوف. وإن غاية المجتمع الإسلامي هي أن يعمل كلّ فرد فيه داخل مدينته في إطار قوانين الشريعة. وغاية قوانين الشريعة أن يعمل كلّ فرد بوحي من فطرته المؤمنة، فالفطرة واختيار الخير اختياراً حراً هي الأهداف النهائية للإيمان. والدعوة إلى ترسيخ هذه الحقيقة تبدأ من المشرع نفسه. وفي خاتمة الكتاب سيقدم المؤلّف جملة من المقترحات لبناء مدينته على أسس صحيحة وكفيلة في الآن نفسه لتحقيقها، وتتلخّص هذه المقترحات في: 1 ـ إنشاء مجلس أعلى خاص بشئون الأسرة مهمّته الإشرافية تتحدد بما يأتي: الإشراف على المسجد باعتباره مركزاً للخدمة الاجتماعية. الإشراف على مكاتب الزواج وتقديم النصح والمساعدة والتحقق من ظروف الزوجين. تطوير أشكال الحياة في المجتمع بدءاً من شكل البيت والزيّ والأثاث والعادات والتقاليد. المساعدة على إيجاد عمل للمرأة، وتطوير الصناعات اليدوية التقليدية. العمل على إيجاد روح البهجة في الحياة، وليس اللهو أو التزمت. التوعية الإعلامية بأهمية كلّ ذلك. 2 ـ العمل على إعانة المواطن لاستعادة ثقته بنفسه، وإعانته لاستعادة الثقة بتاريخه. 3 ـ القضاء على التصحّر الحضاري ومدن الإسمنت بالتشجير. 4 ـ إنشاء المؤسسات العامة، والاستفادة من الشواطئ بتناول لحوم الأسماك بدلاً من اللحوم. وبعد فإن هذه هي جملة الآراء التي ضمّنها الصادق النيهوم يوتوبيا وهي ليست من نوع اليوتوبيا المغرقة في الأحلام، وإنما نستطيع أن نقول إنها يوتوبيا ممكنة التحقق واقعياً بشرط التناغم بين مراكز صنع القرار، وبين المواطن، والتناغم الذي نقصده في هذا الصدد هو الانطلاق من المصلحة العامة قبل كلّ شيء، وأن الجميع يركبون السفينة ذاتها، ولابدّ من إبقائها سليمة للوصول إلى برّ النجاة..