بيان الكتب: اتصفت الحركة الصهيونية ، في هجمتها الشرسة على فلسطين والوطن العربي عموما ، بقدرة فائقة ومهارة عالية من المرونة في التعامل مع الأحداث والظروف ومع الأصدقاء والأعداء على حد سواء، وفي التأقلم مع المستجدات والتطورات والوقائع حتى مالم يكن منها في الحسبان، وفي تسخير الطاقات والقدرات الذاتى منها الخاضع لها مباشرة والخارجى الذى يمكن استغلاله والتحكم بأمره. وكانت هذه المرونة النادرة في تاريخ الحركات المعاصرة سببا رئيسيا في نجاح الصهاينة في تنفيذ مخططاتهم على أرض فلسطين وجوارها المباشر والبعيد. وقد مر ذلك المشروع الصهيونى الإستيطاني الإحلالي الإستعماري بعدة مراحل حتى الآن هي: ـ مرحلة التمهيد للاغتصاب (1897 ـ 1948) وذلك عبر الاستيلاء على الأراضى وبناء المستعمرات وإدخال المهاجرين وتأمين الرعاية الدولية وتأسيس الأركان الخلفية والتمهيدية (للدولة) في ظل الإنتداب البريطانى. ـ مرحلة إنشاء (الدولة ) الأولى في حدود الحد الأدنى (1948- 1949) وكسب الاعتراف الدولى وعقد اتفاقيات الهدنة مع دول الجوار. ـ مرحلة التوسع التدريجي عبر الحرب : 1956، 1967، 1973، 1978، 1982التى اتخذت أشكالا مختلفة من المعارك والهجمات والغزوات والاغارات والاحتلالات. ـ مرحلة ما بعد (الحل العسكرى ) فيما نسميه مرحلة التسوية بدءا بكامب ديفيد مع مصر أنور السادات وحتى الآن . وفي صلب وقلب تلك المرحلة الأخيرة يأتى التطبيع كجوهر لمخطط التوسع والإمتداد والهيمنة داخل الوطن العربى من قبل الكيان الصهيونى. وتأتى أهمية تلك الدراسة (غزو بلا سلاح التطبيع المستحيل) من شموليتها وتجردها ودقتها في معالجة موضوع التطبيع في مفاهيمه وتاريخه ومضامينه وأخطاره وآلياته. ولاشك أن الكاتب يدرك ثلاثة شروط لابد من مراعاتها لجعل التطبيع مستحيلا. أولها: وضع استراتيجية لقيام تعاون وثيق وصحيح وعملى بين عشرات المؤسسات والهيئات الموجودة حاليا على الساحة العربية وفي معظم الأقطار أو تلك التى تقوم في المستقبل القريب. وهذا ما يعطي حركة المقاومة بعدا ودافعا قويين فتنطلق الحركة بهمة أكبر وتعبر عما تختزنه من طاقات حيوية، وتوسع مجال العمل أفقيا (ليشمل دنيا العروبة كلها) ورأسيا (ليشمل قطاعات الشعب كله). وثانيها: التركيز على دور الشعب وعلى أفراد الشعب وقطاعاته فمقاومة التطبيع لا تفلح ولا تثمر إذا انحصرت في الجهود الرسمية (مع ما نراه من تواطؤ رسمي في معظم الكيانات ضد هذه المقاومة) بل يجب أن يكون أساسها ومحورها المواطن العادى وهيئاته الشعبية (سياسية أو مهنية أو ثقافية أو جماهيرية أو نقابية ). ومادام خطر التطبيع لا ينحصر في طبقة خاصة ولا يستهدف جماعة معينة فإن الحرب على هذا الخطر مسئولية كل مواطن. وثالثها: أن السعي الجاد والجدي لمقاومة التطبيع يجب أن يتحول تدريجيا من حرب دفاعية إلى حرب هجومية من معالجة للداء بالأدوية أو بالجراحة إلى معالجة وقائية تحصن الجسم وتعده ليكون منيعا فلا تتسرب الأوبئة إليه وإذا تسربت فإنه يرفضها ويلفظها رأسا وبسرعة. إن هدف المقاومة الشعبية للتطبيع هو بناء المجتمعات العربية التى تنكسر محاولات التطبيع أمامها وتنهزم في مواجهة تحصيناتها. إن مقاومة التطبيع الوقائية هى المرحلة التي تكمل مقاومة التطبيع العلاجية. ولابد من التأكيد مرة أخرى على ثوابت فهمنا للمشروع الصهيونى، فهو في سياق المشروع الاستعماري الإمبريالي والعلاقة بينهما علاقة عضوية، وما يضمره من دور تدميري، ليس مرتبطا بالضرورة ببقعة اسمها فلسطين، وإنما (هو) مشروع مفتوح (أخذ) فلسطين، ولكن فلسطين ليست النهاية في المشروع الصهيوني وإنما هى مقدمة لما حولها . كان لوضوح المشروع الصهيونى المبني على الاغتصاب كأداة استعمارية لابقاء المنطقة مقسمة ، متخلفة وتابعة، أثر كبير وبارز في مواقف الرفض الشعبية على امتداد الوطن العربي. لكن مسيرة (التسوية) أدخلت مصطلحات جديدة إلى قاموس الصراع العربي الصهيوني. وباتت (العلاقات الطبيعية) عنوانا و(التطبيع) هو ما وضعه العدو الصهيونى في مقدمة شروطه وإملاءاته وانتقل مصطلح (التطبيع) إلى ميدان الترجمة العملية منذ وطأ أنور السادات أرض القدس المحتلة في نوفمبر 1977م، فأثناء تلك الزيارة حدد قادة العدو مفاهيمهم لـ (السلام) المنشود وشددوا على حد زعم بيجين، على ضرورة (إقامة علاقات طبيعية بيننا كما هي قائمة بين جميع الشعوب ) وعلى أهمية التعاون الاقتصادى للقضاء على (الجوع والنقص في السكن، ونرفع شعبينا إلى مستوى الدولة المتطورة). وعلى وقع اتفاقية (كامب ديفيد ) (17-9-1978م) والمعاهدة المصرية الإسرائيلية (26-3-1979) راح الكيان الصهيونى يطالب بتطبيع العلاقات مع جميع الدول العربية والغاء المقاطعة العربية بكل درجاتها وأشكالها ، وعقد المؤتمرات الاقتصادية والنقابية تمهيدا لاقامة السوق الشرق أوسطية على انقاض النظام العربي. فكأننا اليوم نشهد آخر حلقات المخطط الغربى الاستعمارى . هذا المخطط الذى انطلق مع الحروب الصليبية (1096ـ 1291م) وتتالى فصولا، بدءا باتفاقية سايكس بيكو (1916م )، وإعلان وعد بلفور (1917م)، وتقسيم فلسطين (1947م)، مرورا باعتراف الأمم المتحدة بالكيان الصهيونى، إنتزاع شرعية وجوده من معظم الحكام العرب خلال توقيعهم على إتفاقيات (التسوية ) وانتهاء بمحاولات (التطبيع ) الجارية على كل المستويات والصعد. وذلك من أجل إخراج الكيان الصهيونى من العزلة التى لازمته منذ العام 1948، وفرض وجوده على المنطقة كركن قوى أساسى تتمحور حوله أنظمة عربية ضعيفة ومفككة. الغزو الثقافي الصهيونى مقدمة لـ (التطبيع ): أثار الحديث عن الغزو الثقافي الصهيوني جدلا عميقا في أوساط المثقفين الذين انقسموا على أنفسهم بين فريقين: الأول: يرى أن أمتنا العربية تتعرض لغزو ثقافي صهيوني غربي يستهدف اختراق العقل العربي وتأهيله للتطبيع الشامل على الصعد كافة، والثاني، يعتبر أن لا خوف على الثقافة العربية، وبالتالي فإنه لا يقر بوجود مثل هذا الغزو، على اعتبار أن اليهود لايمتلكون ثقافة لكي يغزونا بها .ورغم هذا التباين فإن أحدا لاينكر أن الثقافة واحدة من أهم الأسلحة التى تصب في مصلحتنا أو تعمل ضدها .. لأن الثقافة الوطنية التى تستنهض من الماضى وتنتفع من مخزون الخبرات والقيم الشعبية .. تشحذ الذاكرة وتضيء العقول وتطور وتبدع وتضيف من أجل إطلاق الطاقات على طريق التحرر الوطني والاجتماعى. وثقافة أخرى علينا مسلطة كحد السيف، زائفة أو مفسدة تقمع فعل النهوض والتحرر وتستنبت ما يرسخ تبعيتنا الاقتصادية والسياسية. لذلك تتعرض الثقافة كغيرها من المجالات الحيوية للغزو ويرى الكاتب الفرنسى إيف أود في كتابه (الجهاز الأمريكي لتصدير الثقافة غزو العقول )، إن تركيز الجهاز الأمريكي على البعد الثقافي، إنما يركز على مجال حيوي درجت الإدارة الأمريكية على اعتباره بعدا رابعا يضاف إلى الأبعاد الثلاثة التقليدية في العمل الدولي وهي: الدبلوماسية، الاقتصاد والقدرة العسكرية.. وأكد أود (إن المشروع الأمريكى للتغلغل الثقافي مشروع طموح جدا، وأنه لم يكن بالإمكان الشروع في تنفيذه لولا قوة الولايات المتحدة الأمريكية الاقتصادية والسياسية والعسكرية. ولقد بدأ التنفيذ بعمل مزدوج يتمثل أولهما في الحصول على المساندة المادية للنشر الثقافي والإعلامي بالتعاون الوثيق مع القطاع الخاص، ويتمثل ثانيهما في خلق جهاز مسئول عن إنتاج وتصدير المواد الثقافية والاعلامية والتعليمية التى تناسب الهدف الموضوع وهو غزو العقول) وبناء على الأبحاث الأمريكية والدراسات المشتركة عن أهمية دور المثقفين في غزو العقول، أطلق شيمون بيريز دعوته لنقل (التسوية ) من أيدى السياسيين إلى أيدى المثقفين الذى يعتبرون الأقدر على تثبيتها في عقول العامة من الناس وتسويقها كخيار وحيد لإخراج المنطقة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التى تتخبط بها. (التطبيع ) تعريفه .. آلياته .. ومخاطره يختلف (التطبيع ) في معناه الشائع عن التطبيع الذي يسعى الصهاينة إلى دفع العرب نحوه . ولأن هذا المصطلح جديد في القاموس السياسى العربى، فقد ظهرت له تفسيرات وتعريفات عديدة. على أن ثمة معنيين يحكمان هذا المفهوم الآتى إلينا عبر البوابة الامريكية الصهيونية وهما: الأول معنى محايد لغويا والثاني معنى منحاز. الأول: يوحي بإعادة العلاقات إلى حالتها الطبيعية بين طرفين اختلفا فانحرفت العلاقات بينهما مما يوجب التطبيع، وإعادة الأمور إلى حالتها السابقة الطبيعية والعادية. أما الثانى، فهو الذي يسعى الصهاينة لفرضه على العرب ويتضمن إقرارهم وقبولهم باغتصاب فلسطين والاعتراف بالكيان العنصرى العدوانى كدولة طبيعية وعضو في منظومة دول المنطقة .وإقامة علاقات طبيعية معه. وتشمل آليات التطبيع اقتصاد وثقافة واعلام وسياحة واجتماع ويتم تجسيد ذلك عبر الإتفاقات والمعاهدات وتبادل السفارات والقنصليات والزيارات. أما آليات التطبيع الاقتصادي فتشمل إلغاء كل اشكال المقاطعة العربية المباشرة وغير المباشرة التى فرضت على الكيان الصهيوني منذ اغتصاب فلسطين 1948، وإقامة علاقات تجارية واقتصادية وزراعية وسياحية واستيراد وتصدير، وإزالة جميع الحواجز ذات الطابع التمييزي القائمة في وجه العلاقات الاقتصادية. ويمكننا إدراج أبرز مخاطر(التطبيع) في محاولة انتزاع اعتراف عربي شعبي بالكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين، وإعادة كتابة تاريخ الوطن العربى في ضوء بنود اتفاقيات ومعاهدات التسوية المبرمة مع الأنظمة العربية، واستبدال هوية المنطقة العربية بهوية شرق أوسطية، وإخضاع موارد المنطقة للإستغلال الصهيونى، وفتح أبواب العواصم والمدن العربية أمام البعثات الدبلوماسية والوفود الإسرائيلية من كافة الصعد،وربط اقتصاديات الدول العربية بالاقتصاد الصهيوني، وإلحاق الدول العربية خدماتيا بالمركز الصهيوني عبر شبكات المواصلات والإتصالات والمشاريع الكهربائية والمائية والسياحية. أمين اسكندر