بيان الكتب: تنطلق الديانات السماوية في نظرتها إلى المرأة من عملية الخلق، لكن المرأة مرت في عصور وظروف تباينت فيها نظرة المجتمع اليها، ففي اغلب الاحيان تحكم الرجل بالمرأة ونما هذا التحكم إلى حد الاستبداد والتعسف، فتنادت اوساط اخرى لتغيير اوضاع المرأة في مختلف مجالات الحياة، وأدت هذه المناداة إلى الدعوة لتحرر المرأة وتبنى هذا الفكر الرجل والمرأة على السواء، خاصة في المنظمات العالمية والمؤسسات الدولية وقد حصلت قناعة بأن انماء المجتمع لا يتحقق الا بمساواة المرأة بالرجل في الكرامة والعيش اللائق والحرية والعمل، وقد دافعت المرأة عن رؤيتها وشاركت من اجل حضورها الكامل روحياً وثقافياً واقتصادياً وحضارياً وحتى سياسياً. ويأتي كتاب «قديسات وملكات من المشرق السرياني وجزيرة العرب» الذي ترجمته فريدة بولص وميسون الحجيري لينفي فكرة تسلط واستبداد الرجل على المرأة في مجتمع معين، حيث نجد ان القديسات من نوعين الاول: شهيدات أثبتن حبهن للسيد المسيح عليه السلام ففي مجتمع الكنيسة الأول المكون من الرجل والمرأة كان من المفترض أن تنتهج المرأة نهج الرجل في الجهر بالايمان، واعلانه بقوة وجرأة، تثبت مساواة الرجل بالمرأة في قضايا ايمانية تؤدي في بعض الاحيان إلى الشهادة. وفي قراءتنا لقصص الشهيدات في هذا الكتاب نرى ان مواجهة التحديات لن تميز بين موقف المرأة وموقف الرجل فنحن امام قضية عنوانها الحق. وكما ورد في مقدمة هذا الكتاب فإن سير المئة والثمانية والخمسين من تاريخ اعلام النساء في القرن السابع الميلادي هي شهادة كافية لابراز دور المرأة في حياة المجتمع حتى في الظروف الصعبة وفي موضوع الشهادة والاستشهاد ابراز لدور الروحانية في حياة المرأة، فالحياة النسكية لم تكن حصراً على الرجال لأن في تاريخ السريان عدداً كبيراً من النساء اللواتي فضلن التنسك عن طريق العزلة على الزواج والاختلاط بالمجتمع. وحتى عمليات التعذيب التي اتسمت بالعنف. لم تؤثر في تخفيف دور المرأة في الاجهار بالايمان فمن الشهادة إلى النسك فالقداسة كلها محطات تؤكد مساواة المرأة بالرجل تجاه الله وتجاه المجتمع، فهذه ماوية العرب تباري النساء الذائعات الصيت مثل سميراميس وأرتنيزيا وكليوباترا وزنوبيا والذي اختلف فيه ماوية عنهن انها لم تحظ كالأخريات بذرية تخلفها ولكن رغم ذلك فإن مواقفها المعروفة ومآثرها الجريئة كانت يوماً الموضوع الذي تداولته قصائد شعراء عرب الجاهلية وقد بقيت سيرتها ملحمة تفصل قوة المرأة وجبروتها وسلطتها المقرونة بالحكمة وقد تفوقت في ذلك حتى على الرجال. وعندما ننتقل إلى ثيودورا يقف التاريخ بأسره وقفة دهشة وتعجب ليس من جمالها الفائق وصفه وطلعتها البهية التي كانت سبباً من اسباب دخولها قصر الاباطرة وانما ايمانهم بتعاليم الكنيسة ومواقفها من الانشقاق المرير الذي ادى إلى تفتت جسم الكنيسة، فتجلت شخصية ثيودورا بانغماسها في معركة الانفتاح او ما يعرف في ايامنا بالمسكونية وضربت مثلاً في كيفية الجمع بين الايمان والعطاء في شخصية المرأة التي تتبوأ منصباً بارزاً في السلطة. غير ان الاهتمام في هذاه السير في هذا الكتاب الجديد قد تركز على سير النساء في الكنائس الشرقية، لأن المؤرخين من قبل اكدوا على الاغلب في بحوثهم، الخلفيات اليونانية واللاتينية لمسيحيي الغرب فحسب دون الالتفات إلى الاسهامات الاخرى، فغالباً ما كانوا يقدمون كنيسة «التيار الرئيسي» وكأن المسيحية في قرونها الاولى ابدت تجانساً تاماً مع الاتجاه السائد دون ان يكون لكل من التيارات الاخرى ذلك التميز الخاص به ولاشك ان وحدة الايمان والمعتقد كانت ماثلة في المسيحية الاولى، لكن في اطار بعض الفوارق في الممارسات الدينية والشعورية والتعبيرية على الدوام، ففي القرون الاولى كما هي الحال في الحاضر، كان انتشار الكنيسة مقترناً بالثقافة الخاضعة لتفاعل ثقافات العالم المسيحي كله وتمازجها. فقد كانت الثقافة السريانية احدى تلك الثقافات الكبرى التي اسهمت في رفد التيار المسيحي الرئيسي وقد انتشرت على امتداد شرقي البحر الابيض المتوسط ومنه إلى الداخل العميق بلاد الفرس وكأن لهذه الثقافة السريانية تأثيرها العميق على الثقافة الدينية للعالم المسيحي القديم. كما ان التنوع التاريخي لسير القديسات لا يقلل من شأن تلك النصوص من حيث انها وثائق اجتماعية عن العصر الذي الفت فيه، وعلى صعيد الاعتبارات الشخصية تقدم لنا رؤية قيمة للسير الذاتية، للشخصيات والعادات، ومنهج الحياة. لكن الفاصل الزمني بين واقعة الاستشهاد وتسجيلها من قبل الآخرين يفرض قراءة تلك السير بحذر آخذين بعين الاعتبار دقة تفاصيلها، غير ان ذلك الفاصل الزمني بين الوقائع وتدوينها يهييء لنا فرصة معرفة رؤية كتاب هذه السير وردود فعلهم تجاهها، وكيفية معالجة المجتمع لها بعد وقوعها، حيث يلاحظ ان هؤلاء الكتاب يظهرون احياناً مواقف اكثر صلابة مما تمليه واقعة الاستشهاد ضد الطرف الآخر فيصورون المسئولين المضطهدين بصورة الاشرار، ومثل تلك التطورات للمواقف الاجتماعية هامة جداً لانها تعد نوعاً من الادلة التاريخية عن اسلوب تفهم فئة معينة لتاريخها الخاص. فسيرتا «بلاجبا» أو «فبرونيا» (الرومانسيتان) لا يمكن رفضهما كقصتين لا قيمة لهما تاريخياً، اذ ربما نستطيع اولاً: ان نتعرف هوية الاشخاص والاحداث الحقيقية وراء مثل تلك القصص ذلك ان تلك القصص نفسها هي جزء من التاريخ، ولكي يكون لها مغزى بالنسبة إلى المجتمع الذي كتبت من اجله، لابد ان نشاطر افتراضات ذلك المجتمع وقيمه ولابد ان تتسم بالصدق ومن هذا المنطلق تقدم هذه السير حصاداً غنياً من العمق التاريخي. فكل نص من نصوص هذه التراجم مزود بمقدمة تتناول ظروفه وتطلعاته الخاصة غير ان سير القديسين والقديسات تحوى قيمة تاريخية مقبولة لانها ببساطة موضوعها تظل سيرة بشرية وان كان القصد من ورائها ما خلفته من اثر فالتشابه بين الوقائع التاريخية والاحداث الاسطورية يثير موضوعات بالغة العمق، فمن الواضح من نصوص المرويات النجرانية ومن الخلفية المستمدة من صراع «فبرونيا»، ان المسيحيين استطاعوا ان يعيشوا في انسجام متناغم مع جيرانهم غير المسيحيين في الاغلب، غير ان روايات التعذيب جسدت حالة من الصراع المطلق بين المسيحيين وسواهم، حيث بدأ التعايش مستحيلاً، ومن اخبار شهيدات فارس كما وردت تلميح برمزية اسلوب حياة هؤلاء وتعزز تلك الاخبار عن الشهيدات القيم التي يتبناها نمط حياة النسك المسيحي. ويمكن العودة إلى سيرتي مريم بنت أخي ابراهيم وبلاجيا التائبة كسيرتين اسطورتين تبرزان صورة المرأة الاكثر توافقاً مع الكتابات المسيحية القديمة، وفيهما صورت المرأة وكأنها ذات طبيعة ضعيفة وشهوانية ذات رغبات جنسية غامضة، تتخلص من وقوعها في دنس الخطيئة بنعمة حياة ورع وتقوى وتنزل بنفسها اقصى العقوبات تعبيراً عن توبتها، فمريم التي ظلت من آلت حياته الآثمة إلى درك مهين جداً، انتهت بعد توبتها إلى حد اعتبرت فيه ان حياة الكفارة مناسبة جداً للنساء في الأدب الآبائى الكنسي، تمارس العيش في انعزال صامت منفصلة عن العالم حولها، تبكي ندماً بلا توقف إلى يوم وفاتها، اما «بلاجيا» فإن سيرتها تمثل جانب الفساد، فعندما تخلت كزانية متكبرة عن حياة الخطيئة تركت وراءها ليس معاصيها السابقة فحسب بل وأنوثتها ايضاً، فقد عاشت حياتها كما يعيش الراهب المتبتل حياته في تعذيب نفسه كناسك على جبل الزيتون ولم تكشف هويتها إلا عند وفاتها وتنتهي السيرة فيصاب قارئها بالذهول والدهشة امام فكرة ان النساء بمقدورهن كالرجال ان يعشن نقيات كاتقياء الله. وقد ضم الكتاب الجديد «قديسات وملكات من المشرق السرياني وجزيرة العرب» سيرة مريم ابنة اخي ابراهيم القيدوني وبلاجيا وشهيدات فارسيات كاستشهاد مرثا ابنة بوسي من بنات العهد واستشهاد تاربو واختها وخادمتها واستشهاد تقلا المكرسة الطوباوية ومعها اربع طوباويات كذلك شهيدات نجران، كما تم ذكر سيرة مريم وافاميا وسوسن وهن من القديسيات الشرقيات بالاضافة إلى انستاسيا وفيرونيا وشيرين وثيودورا الملكة المؤقتة وماوية ملكة العرب. أحمد أبوالحسن