بيان الكتب: ظاهرة شمولية المبدع غابت منذ زمن سحيق، فما عاد الفيلسوف شاعراً وفلكياً وعالماً... بل صار من الندرة وجود عالم متخصص او ورائي عالمي او شاعر ملحمي... لكن ماذا نقول لو كان ثمة مبدع جمع بين الادب والسينما واجاد الفنين معاً؟ هل ثمة امكانات عقلية وراء ذلك ام ان ظروف الحياة نفسها قد تصنع مبدعاً وتحطم آخر؟ ولد عثمان سامبين اول يناير من عام 1923م في قرية زينشوار السنغالية الواقعة على ضفاف نهر كازماس بأسرة صائد اسماك، فعرف منذ سن مبكرة العمل والتقطت اذنه الاساطير والحكايات الشعبية من جدته، وشاهدت عيناه معاناة الفقراء وتلمست يداه خشونة الحياة... مات والده وتولى خاله تربيته، ولم يكن تأثير الخال عابراً في شخصية سامبين، اذ علمه وعرفه بالحقائق الروحانية الاسلامية كما عمق فيه الوعي والغيرة على الثقافة التقليدية الافريقية، لكن موت الخال كان بمثابة الضربة الموجعة للطفل، وبعد اكماله السنة الثالثة الابتدائية تعين على سامبين العمل بتكسير الاحجار، لينتقل بعدها الى داكار وعمره لم يتجاوز الخامسة عشرة ليعمل كمساعد ميكانيكي وينخرط في الحياة المدنية ويتابع الافلام السينمائية بانتظام. ويشارك في بعض المسرحيات قبل ان يصله الاستدعاء العسكري للخدمة في الجيش الفرنسي ويشارك في الحرب. يقول سامبين فيما بعد: «... فالحرب مدرسة حياتية من نوع خاص عندما تمكن من تحول الصبي اليافع الى رجل حقيقي» ويبدو ان هذا ما حصل فعلاً مع سامبين، اذ أن فترة الحرب، وعلى مدى اربع سنوات، ادت الى اهتزاز الكثير من المسلمات بذهن سامبين، كما فتحت عينيه على ذلك النمط من اللاعدالة. فالتصوف الديني بدأ ينزاح من عقل الفتى لتحل محله النظرة المادية للكون والاشياء التي اخذت تصيغ وبسرعة هائلة نظرات ومواقف سياسية استطاع من خلالها سامبين ربط آليه العلاقة بين الاستعمار والحرب التي عاد بعد انتهائها ليشارك في اضراب كبير لعمال السكك الحديدية السنغاليين والنيجيريين، استمر من اكتوبر 1947 الى مارس 1948م. بعد قضاء السلطات الفرنسية على الاضراب، يغادر سامبين الى مرسيليا ليعمل حمالاً هناك ويندمج مع مجاميع من الافارقة الذين دفعت بهم اسباب البطالة ببلدانهم للهجرة الى فرنسا، ليغدو بعد ذلك قائداً لاتحاد نقابات العمال الافارقة بمرسيليا، ويشارك بنشاط في تعبئة العمال ضد الحرب الامريكية الكورية، ويدخل بعدها في اضراب العمال الداكاريين المحتجين ضد ارسال الاسلحة للهند الصينية، مجسداً مرحلة من عمره، تعد الاشد حسماً وثقلاً في تشكيل الرؤيا المستقبلية المقبلة للروائي والسينمائي عثمان سامبين. في بداية عقد الخمسينيات يشرع سامبين في كتابة الشعر، وممارسة الرسم، والمشاركة في الليالي الشعرية للطلاب الافارقة الدارسين بمرسيليا وبقية المدن الفرنسية، لكن التأريخ الحقيقي لسامبين يبدأ عام 1956م عندما خرج من المطبعة اول اصدار روائي له بعنوان «عامل الميناء الاسود» الذي جاء على غرار روايات السيرة الذاتية لتدفعه نواقص هذا العمل للسعي بأدواته وامكانياته الابداعية واحاسيسه الانسانية العالية الى تقديم عمل جديد عام 1958 وهو رواية عنوانها «وطني ـ شعبي الجميل». الرواية الثالثة لسامبين «آلهة الاخشاب» تشهد على اتجاه جديد في ابداعه الادبي، فالرواية المهداة الى نضال الشعب السنغالي من اجل حقوقه المشروعة في التحرر تحتشد بالرسومات الدقيقة المدهشة للشخصيات والسلوكيات البشرية عندما تقدم نفسها كحكاية طويلة ممتعة لاضراب عمال السكك الحديدية الذي شارك فيه. اضافة لممارسته فن الرسم وكتابته للشعر والرواية فان القصة القصيرة تحتل عند عثمان سامبين موقعاً مهماً في اعماله الادبية، اذ يعد من ابرز العلامات والقامات في الادب الافريقي المكتوب بالفرنسية، وذلك لبساطة السرد القصصي لديه والتركيز والتكثيف والسبك الذي قلما يتوفر عند قاص آخر، مما ادى ايضاً الى نقل عدد من تلك القصص لشاشة السينما. لماذا السينما؟ في عام 1961، وفي جولة له بغرب افريقيا، بدأ سامبين في ادراك انخفاض ومحدودية تأثير الادب بالبلدان الافريقية، والتي ترتفع فيها نسبة الامية... كما فهم ان اعماله الادبية كما اعمال غيره من ادباء وكتاب الدول الافريقية الناطقة بالفرنسية لا تتسنى قراءاتها كما لا يتاح الاطلاع عليها سوى لاولئك الذين يجيدون الفرنسية، ونسبتهم لا تشكل اكثر من 5% من مجموع السكان الكلي... ولكن ثمة من يضيف ان هناك سبباً آخر لاتجاه سامبين للسينما، وهو صلة ما كتبه من ادب بالرؤية السينمائية منذ اوائل اصداراته. وليس ثمة غرابة في ذلك اذا ما انتبهنا الى سيرته الذاتية، حيث بعد انتقاله الى داكار حرص على ارتياد دور العرض السينمائية، وتابع ظهور تيارات جديدة مثل الواقعية الجديدة بايطاليا والافلام السوفييتية بعد الحرب، وارهاصات السينما الفرنسية، ليمتزج كل ذلك مع القراءات الثقافية مشكلاً رؤية فنية ومشاعر جمالية للكاتب المستقبلي الذي تظهر في نصوصه الادبية افعال حركية كما الصور البصرية الكثيفة، الشيء الذي يشعر القاريء اثناء متابعته لتلك الاعمال انه يراها سينمائياً، وكان سامبين قد قام بكتابتها اصلاً بغرض تحويلها في المستقبل الى افلام. هكذا تتبدى علاقة عثمان سامبين بالسينما، كامنة في اعماله ورؤيته منذ البدايات، ليذهب وهو في سن الاربعين الى استديو جوركي في موسكو، يدرس المباديء الاساسية للاخراج تحت اشراف المخرج مارك دونسكوي، ومساعدة سيرجي جيراسيموف. يعود بعدها الى افريقيا ويكون فيلمه «باروم شاريت» عام 1963 كبداية فعلية تؤرخ لعثمان سامبين ابداعه السينمائي ايضاً، ورغم ان مدة الفيلم لا تزيد على ثلاثين دقيقة الا ان سامبين يستطيع من خلال الخوذي ان يجسد معاناة الفقراء جراء القوانين الجائرة التي يفرضها الاغنياء. فيلم «نيّاي» انهيار القيم الريفية، عام 1964، يكشف سامبين من خلاله مفاصل شديدة الحساسية في العلاقة الاجتماعية بالريف الافريقي، وهو فيلم معقد من حيث المعالجة الاسلوبية، والتصوير بالابيض والاسود يتماثل وطبيعة الاحداث وخصائص الواقع المجهول، والتاريخ النازع للمراهنة على الحاضر والماضي في قالب جذاب. واول فيلم روائي افريقي طويل لسامبين عام 1966، «سوداء من...» انتحار ثقافة من شدة القهر، يمزج فيه المخرج بين الاسلوبين الاخراجيين اللذين كان قد جربهما في فيلمه «باروم شاريت، ونيّاي» وعن هذا الفيلم يقول عثمان سامبين للناقد الصحفي المصري يوسف شريف: «هذا الفيلم يعكس واقعة حقيقية حدثت بمدينة مارسيليا عام 1958، وكنت حينها قائداً لاتحاد العمال الافارقة... في احدى المرات اتصل بي احد الاصدقاء هاتفياً، واخبرني عن موت الخادمة السنغالية لاحدى الاسر الفرنسية... بعدها عرفت ان الامر غير ذلك تماماً، وان الفتاة قد اقدمت على الانتحار بسبب الجنين... كتبت عن ذلك قصة قصيرة. وحينما بدأت في العمل كمخرج، جالت برأسي فكرة اخراج تلك القصة بحيث عمدت على ان تكون الحادثة قد وقعت بعد حصول السنغال على الاستقلال، وحيث كنت على قناعة كبيرة بأن التركيب الخارجي للدولة قد تغير، ولكن، وللحقيقة فان كل شيء امسى على ما كان عليه من حيث الاستغلال». الحوالة البريدية ـ ملهاة افريقية معاصرة، بعد الفيلم ـ الذي عرض عام 1968 ـ من اجمل الاعمال القصصية لسامبين شكلاً، وفي ذات الوقت اول فيلم افريقي ملون في تاريخ سينما افريقيا الاستوائية حيث شكل عرضه حدثاً كبيراً في الحياة الثقافية بالسنغال، ولكن دون ان يخلو الامر من وجهات نظر انتقادية من النخبة السياسية والثقافية التي رأت فيه موقفاً متشائماً... لكن للاسف صار نفس الموقف فيما بعد حقيقة واقعة تكتمل الاشارة لها من خلال فيلمه التالي «خالا» ـ عجز الرموز وسقوط الطبقة، عام 1973، والذي يجسد الظواهر السلبية في المؤسسات والدوائر الحكومية، وجمود الاقتصاد الوطني وتحلل العلاقات بالخدمة المدنية والبناء الاجتماعي المتأثر بظاهرة البطالة وتكدس الطاقات السلبية... اما في فيلميه «اميتاي» و«سيدو» فانه يملك الظاهرة التاريخية من منطلق الحياة المعاصرة، وهو في بحثه على الصعيدين قادر على تحقيق المعالجات الفنية والبصرية على مستوى واحد، وفي عمله على مستويي الشكل والمضمون الفني يحرز تكافؤاً في معالجاته، فرمزيته المستقيمة الخطوط ووعظيته الماثلة تتعادل مع نزعته الواعية القاصدة مخاطبة القدر الاوسع من الناس الاميين. اما في البعد الآخر له كفنان، فانه يبحث بصورة دائمة عن وسائل جديدة لإغناء ابنيته الفنية، غير ان سامبين وبوصفه دعائياً فإنه يعمل على توظيف كلا الجانبين حتى يرتفع بالذوق الجمالي لمشاهديه... فهل سامبين الفنان يبدو اوسع واعمق من سامبين السياسي او سامبين السوسيولوجي الذي يوظف افلامه لخدمة افكاره؟ محمود ابو حامد