يعيث مرض النوم فسادا في أجزاء واسعة من القارة الافريقية حتى الآن، وهذا المرض يتسلل إلى أجساد البشر من دون ضوضاء، إذ لا يشعر المرء حين الاصابة به إلا بأعراض بسيطة، تمر على معظم الناس من دون أن يولوها كثير اهتمام. لكنه إذا لم يواجه بالعلاج فإنه يتمكن من مهاجمة الدماغ في نهاية الأمر، وحينها يقضي على الإنسان بميتة رهيبة. ومع أن مرض النوم غير عصي على العلاج، إلا أن الأدوية المنتجة في الغرب باهظة الثمن بالنسبة لمعظم الأفارقة، وبالتالي لا يستطيع الاستفادة منها سوى عدد محدود من البشر هناك. وهذا المرض غير معروف تقريبا خارج القارة الافريقية، باستثناء اسمه ربما، وهو الاسم الذي قد يكون اسما «لذيذا» لمن لا يعرف أن وراء الأكمة ما وراءها! يسبب مرض النوم آلاما كبيرة لضحاياه. وقد اشتق اسمه من أحد أعراضه وهو تأثيره على دورة النوم والاستيقاظ عند المصاب، إذ أن ضحاياه في المراحل المتقدمة من الاصابة لا يستطيعون الحصول إلا على غفوات قصيرة من النوم على مدى اليوم بأكمله. ويصحب ذلك شعور بالارهاق الشديد جدا وتغيرات حادة في الطباع إلى جانب هلوسات عنيفة ومخيفة. وإذا تمكن الجسم من مقاومة الوفاة لفترة أطول يصاب المريض بغيبوبة طويلة قبل انقضاء الأجل. يبدأ مرض النوم بلدغة مؤلمة من ذبابة التسي تسي، لكن في بقاع تكثر فيها لدغات الحشرات على أنواعها، كما هي الحال في افريقيا، لا يولي الانسان تلك اللدغة الكثير من الانتباه. وحينها تدخل جرثومة المرض إلى الدم قبل أن تصل أخيرا إلى الدماغ. ويوجد في افريقيا نوعان من عدوى مرض النوم. احدهما في غرب ووسط افريقيا ويمكن أن تمتد فترة الاصابة به لسنوات عدة قبل الوفاة. أما الثاني فيكثر في شرق وجنوب افريقيا وهو الذي تقتل عدواه المريض في خلال أسابيع فقط. وتعتبر جمهورية الكونغو الديمقراطية البؤرة الأسوأ في القارة للاصابة بهذا المرض، حيث يوجد فيها نحو 70% من الضحايا. يليها في ذلك جنوب افريقيا ثم جنوب السودان. ومن غير المصادفة أن هذه المناطق الثلاث قد تعرضت لأضرار كبيرة في بناها التحتية نتيجة النزاعات الداخلية المزمنة. ومع أن مرض النوم كان قد استؤصل نهائيا في القارة تقريبا في الستينات بفضل برامج المراقبة والعلاج الفعالة، إلا أنه يعود اليوم بشراسة أكبر. وساهم في عودته تلك بعد المناطق الموبؤة نتيجة الحرب أو عدم وجود وسائل المواصلات والطرق الطافية وعدم توفر سوى أبسط التجهيزات الطبيعية. وتقول الدكتورة جان جانين من منظمة الصحة العالمية: «هناك نحو 60 مليون إنسان معرضون للاصابة بمرض النوم في افريقيا. لكننا الآن لا نشخص سوى 45 ألف حالة سنويا تقريبا، وهي الأعداد التي يعلن عنها رسميا. أما الحقيقة حسب تقديرات المختصين فهي أن هناك نحو نصف مليون مصاب حاليا. ونتيجة للصعوبات الكبيرة والمشكلات الجمة التي يمثلها علاج مرض النوم وارتفاع تكاليف أدويته والآثار الجانبية الشديدة لبعضها بل وللعلاج الوحيد القادر على معالجته إذا ما وصل الدماغ، وهي الآثار التي قد تسبب الموت أيضا، فإن الحلم الذي يراود المختصين الآن هو في تطوير دواء بسيط الاستعمال ورخيص التكلفة يمكن للناس أخذه دون اشراف طبي مكثف عليهم أثناء استعماله. لكن من غير المحتمل لشركات الأدوية العملاقة أن توفر ميزانيات كبيرة للبحث وتطوير دواء لن يكون زبائنه إلا من الأفارقة الفقراء. على كل حال يتمثل الحل العملي الواعد حتى الآن في علاج المرض بالتركيز على مهاجمة المتسبب به أو حامله ألا وهي ذبابة التسي تسي. وتمارس مسبقا عمليات الامساك اليدوي بهذه الذبابة وهي العمليات التي تعتمد أساسا على ما يسمى «المساحات الزرقاء»، حيث يجذب هذا اللون الذبابة إليه ليتم الامساك بها بعد ذلك إما بشبكة أو قتلها بمبيد حشري. ومع أن هذه التقنية فعالة إلا أنها عاجزة عن التعامل مع المشكلة على نطاق واسع. ولهذا طور الباحثون في الوكالة الدولية للطاقة النووية في فيينا وسائل شديدة الفاعلية للسيطرة على هذه الحشرة تدعى تقنية تعقيم الحشرة. ويقول الدكتور أودو فيلد مان من الفريق الذي طور هذه التقنية بأنها نجحت في القضاء على تسي تسي نهائيا في زنجبار. كما تم تطبيقها بنجاح للسيطرة على أنواع أخرى من الحشرات مثل ذبابة الفاكهة في جنوب أمريكا واليابان والديدان الحلزونية في أمريكا الجنوبية واستراليا. وتعقيم الحشرات بالاشعاع أرحم بالبيئة من الوسائل الأخرى لمكافحة الحشرات مثل المبيدات. ووفق هذه الطريقة يتم تعريض ذكور الذبابة لأشعة جاما بحيث تصبح عقيمة. ثم تطلق بعد ذلك في الأجواء لتتلاقح مع الاناث التي لن يكون نسلها سليما، هذا إن تكاثرت أصلا. لكن يجب أن يتم هذا العمل قريبا من المنطقة المعنية باعتبار أن دورة حياة الذبابة قصيرة. ولهذا ستشهد أثيوبيا قريبا افتتاح ما سمي «مصنع الحشرات» لانتاج ذكور تسي تسي لتعقيمها واطلاقها. علاج مرض النوم لا يتاح للكثيرين في افريقيا التسي تسي.. الذبابة القاتلة فخاخ قاتلة باللون الأزرق لاجتذاب التسي تسي فحص النخاع الشوكي لابد منه رغم أن خطأ بسيطا خلاله يؤدي إلى الشلل