دفن آخر اباطرة المغول في الهند، بهادور شاه ظافر، وقد لفته ظلال التاريخ إثر وفاته قبل 140 سنة اسيراً لدى البريطانيين في المنفى، ولكنه يعوداليوم لاثارة المشاعر من جديد. وبعد اكتشاف قبره في العام 1991 في ضاحية خضراء هادئة في يانجون بميانمار اوبورما سابقاً، تحول الموقع الذي دفن فيه الملك الاجنبي الى مزار يؤمه مسلمو ميانمار وافراد الطوائف الاخرى الذين يعتبرونه «بير» او ولياً من الاولياء. كما تحول الضريح الى محور لجدل دبلوماسي بين الهند وباكستان اللتين يسعى كل منهما الى ان يفرض نفسه كوريث شرعي لتركة الامبراطور. وتصر باكستان التي انفصلت على الهند لتصبح وطناً للمسلمين عند انتهاء الحكم الاستعماري البريطاني في شبه القارة الهندية سنة 1947، عن اعتبار ان ظافر شاه كان امبراطوراً مسلماً وليس امبراطوراً هندياً. وقال شهاب زاده خان، الدبلوماسي في سفارة الباكستان لدى ميانمار من هو هذا الرجل الذي يدعى ظافر؟ لقد كان ملكاً مسلماً حكم الهند. غير ان القيمين على ضريح ظافر يعتبرونه، ببساطة، قديساً وشاعراً ومفكراً ورمزاً للوفاق الوطني. وتنبع هذه الهالة التي تحيط بظافر شاه من شهرته كأحد اعلام الصوفية الاسلامية. وتزيد الروايات الفولكلورية الغموض الذي كان يحيط بمكان دفنه الذي بقي مجهولاً سنوات عديدة من اجواء روحانيته. كان ظافر في حياته احد ابرز شعراء اللغة الاوردية وخطاطاً بارعاً. ولا تزال قصائده التي تسمى «غزل» دارجة في الهند وباكستان، البلدين اللذين كانا يشكلان معاً، امبراطورية المغول التي تأسست سنة 1526. وانهارت عندما خلع البريطانيون ظافر عن عرشه في العام 1858. وتوفي ظافر شاه بعد اربع سنوات من تنحيته عن عرشه وذلك عن 87 عاماً بعد ان كتب تأبينه بخط يده وبشكل قصيدة «غزل» هاجم فيه البريطانيين لتركه يموت في ارض غريبة: «كم هو تعس ظافر. لدفنه هنا. فهو لم يجد حتى مترين من الارض في بلده المحبوب». ظافر شاه الذي ولد من اب مسلم وام هندوسية ارتقى سدة العرش سنة 1837، الا انه كان مجرد ملك صوري، فالهند من الناحية العملية كانت تحت سيطرة شركة الهند الشرقية البريطانية. وعندما ثار الجنود المسلمون والهندوس في الجيش التابع لشركة الهند الشرقية البريطانية في شهر مايو 1857، اصبح ظافر شاه النقطة التي تمحور حولها ما يعتبره البعض اليوم اول حرب استقلال في الهند. وبايع الثوار ظافراً امبراطوراً حقيقياً على الهند. ولكن الثورة سحقت، ونفي ظافر مدى الحياة الى ميانمار، التي كانت تسمى بورما آنذاك. وفي رانجون التي تسمى اليوم يانجون، احتجز ظافر شاه في حظيرة ملحقة بدار يقيم فيها ضابط بريطاني صغير الرتبة، حيث توفي في السابع من نوفمبر 1862، واخفي مكان قبره عمداً للحيلولة دون تحوله الى مرتكز للمشاعر الوطنية. وحسب احدى الروايات المتعلقة بالدفن والدراجة منذ القرن التاسع عشر، كتب سجان ظافر شاه على قبره العبارة التالية «ما ان يهترئ السياج حتى تكون الحشائش قد غطت القبر من جديد، ولن تكون هنا مخلفات تشير الى المكان الذي يرقد فيه اخر المغول العظماء». ولاحقاً تم دفن زوجة ظافر شاه، زينات محل وحفيدته رونق زماني بيجوم، في الموقع نفسه ولكن لم تكن قد بقيت اي مؤشرات تدل على قبر الامبراطور. وفي النهاية تم بناء اضرحة في الموقع لظافر وافراد عائلته. الا ان قبر الامبراطور لم يعثر عليه الا في العام 1991 وذلك في اثناء حفر اساسات قاعة تذكارية دفعت الهند تكاليفها. واليوم يضم الضريح قاعة وغرفة تضم ضريحي زوجته وحفيدته. ويفضي درج الى مقصورة ارضية تحتوي على ضريح مغطى بغطاء من الحرير الاخضر. وحسب التقاليد والاعراف المتبعة، زار الضريح كل زائر رسمي ليانجون من الهند لتقديم واجب الاحترام ـ بمن فيهم رئيسة وزراء الهند الراحلة انديراً غاندي وابنها رئيس الوزراء السابق راجيف غاندي. وقد نجحت الهند في اقناع حكومة ميانمار بمنع باكستان من المشاركة في صيانة الضريح. وفي مطلع مايو الماضي، عندما اصبح الجنرال برويز مشرف اول رئيس دولة باكستاني يزور ميانمار منذ 16 سنة، قدم واجب الاحترام في ضريح ظافر ووعد بالتبرع بمبلغ 50 الف دولار لبناء قاعة جديدة. وحرص الدبلوماسي الباكستاني شهاب زاده خان على الاشارة الى ان زيارة مشرف كانت لضريح حاكم مسلم عظيم وليس لحاكم هندي. وقال: «اذا كان اصدقاؤنا الهنود يتخيلون ان الزيارة هي لقبر امبراطور هندي، فهذا يدل على قصر النظر». زائرتان لضريح بهادور شاه ظافر، آخر اباطرة المغول