بيان الكتب: لم يعرف كثيرا عن تفاصيل حياة الراحل سلطان بن علي العويس، رغم شهرته، واحاديث كثيرة عنه وعن شعره، الا ان هذا الكتاب الموسوم «سلطان العويس محارة الزمن الجميل» لمؤلفه احمد علي الزين، يكشف الكثير من زوايا لم نعرفها عن سلطان العويس، ويقدمه الكاتب شاعرا تارة، وتارة رجل اعمال، وبحار، الى جانب العديد من خبايا هذا الانسان الصامت في اغلب اوقاته، الذي جعل من صمته منطلقا لابداع شعري يشهد له النقاد وتشهد له ساحة الشعر العربي، مثلما جعل المال يحقق لاول مرة معادلة التوازن بين التجارة والربح والاعمال، وبين توظيف هذه الاعمال لصالح القطاع الثقافي باشكاله، لقد كان سلطان العويس شاعرا وتاجرا في ان واحد دون ان يطغى جانب على اخر. احمد علي الزين الاعلامي المعروف يقدم لقراء العربية هذا الكتاب الذي لايمكن تسميته سيرة ذاتية للعويس، ولا رواية لاحداث حياته بقدر ماهي ومضات من سيرته ومواقفه وآرائه وتطلعاته. يستهل الكاتب هذا الكتاب بالتعريف بالحيرة، مسقط رأس الشاعر الراحل، ويستنبط هذا التعريف من حوارات سابقة لسلطان «الحيرة كانت في غربة عن العالم، كنت اظنها في بدايات العمر بداية ونهاية الاشياء، تفتحت عليها قرية صغيرة في هذه الصحراء، يسرح فتيانها خلف الماشية، في الصياحات الباكرة، ورجالها يذهبون الى البحر للصيد، والبحث في قاعه عن اللؤلؤ، لولاه لكان العالم شديد الغموض لذا صادقت البحر، اخترت هذا السر العظيم فعلمني المغامرة والحب والشغف بالترحال والبحث». ويسافر احمد علي الزين مع سلطان العويس بسفينة واحدة، الاول يبحث عن معلومة او حدث، او محطة، والثاني يشرع اشرعته بحثا عن ايامه التي اندثرت مع ايام مضت، والمعادلة صعبة «لا تعجب اذا كان مقلا في شعره، ولاتعجب ان تراه غزيرا في صمته، حتى تظنه متصوفا انما على غير ايقاع اهل التصوف». كان من الصعب ان تخترق ذاته على الرغم من بساطته، لذلك فإن الكاتب يحتار اي من الشخصية التي يتبع، الشاعر، أم التاجر؟ الصامت المختزل، ام المسرف في الحياة والحب، الساخر بالحياة، ام الجاد في مسلكه وحديثه واعماله: البحار الذي ظل مشرعا اشرعته باحثا عن المغامرة، ام الرجل البسيط الهاديء المستكن؟ العاشق، ام المحب؟. ومما شجاني انها حين ودعت تولت ودمع العين في الجفن حائر فلما اعادت من بعيد بنظرة اليّ التفافا اسلمته المحاجر وسلطان العويس رجل يحمل فكرا متنورا، لايرى في القيود ولا في السجون الاظلما للانسان ويرى «ان الحرية وحدها هي اساس البناء، الحرية هي المعرفة، اساس التطور، يجب ان نفعل شيئا من اجلها، فما نفع العمر اذا مضى كله انتظاراً». اما عن دبي، فسلطان العويس يراها من زوايته الخاصة ومن خلال علاقته المصيرية بها «دبي، كانت قديما محطة تجارية، هي دائما هكذا، يعج بحرها بالسفن والبضائع والعمال والرحلات، لكنها اليوم اختلفت كثيرا، فهي تشبه عقد اللؤلؤ، واصبح لها معنى اخر، ربما لان فيها نسيم من نسائم الحرية، لذا هي جميلة. وعن اسباب شهرته التي احتلت كل الساحات العربية العربية يقول سلطان العويس في مجمل حواراته «الذي جعل اسمي يتردد في اكثر من مكان ليس كوني تاجرا او شاعرا او ثريا وحسب، بل تلك الجائزة التي تجعل الكثيرين يفكرون بالدافع الذي جعلني اقوم بهذا الفعل؟. ومن دبي الى جائزة الابداع، الى البحر، ومن ثم الى الهند احاديث وذكريات وتطلعات، ومقارنات بين ما كانت عليها الامارات وما اصبحت، اوما كانت عليها البلاد في تلك الايام والدول المجاورة كالهند مثلا «كان ليل الهند ليلا اسطوريا آنذاك، متوهجا بالضوء، كنهاراتها الصاخبة، وكانت الدروب لاتشبه دروب بلادي التي لطالما محت بعضها الرمال في تقلبات مزاج الطبيعة. ويسأل سلطان العويس نفسه في سياق حواره الطويل مع احمد علي الزين: لماذا لا ابني مدرسة؟ ثم يروي قصة بنائه لاول مدرسة، وكيف استطاع ان يتغلب على عدم جلب الناس لابنائهم ليتعلموا فيها، كان يعتبر ان بناءه لاول مدرسة في حياته هي بداية مشروعه في جائزته الكبيرة والتي يرى انها «بدأت من حلم صغير، من صف واحد لمدرسة تستوعب حوالي عشرين طفلا في قرية منسية في هذا العالم»، ولكنه يرى ان الجائزة هي نداء خاص يعيش في ضميره وعقله ووجدانه ويقول عنها تحديدا «هي تلبية خاصة لنداء داخلي يتردد في وجداني، هي تكريم من يستحق التكريم الذي هو المبدع الذي يكتب الحياة والحب والحرية، وبهذا اكون اذا ما كرمت مبدعا اكون قد اكرم العلم والمعرفة والحرية، وهذه القيم التي بها ننتصر على الجهل والخوف والتخلف والقمع ويسافر سلطان العويس عبر قلم الكاتب باحثاً عن اللؤلؤ، شارحاً قدرة الله على تكوين حبة اللؤلؤ، والمعتقدات الشائعة عن تكونها، بما في ذلك ما رواه ابن بطوطة، اذ كان المعتقد الشائع ان اللؤلؤة تتكون من حبات المطر، ثم وبكلمات شاعرية يستعرض الشاعر الراحل مراحل تكوين اللؤلؤ، والمعروف عن سلطان العويس انه طواش، جمع اللؤلؤ وتاجر به، ومن ثم جمع اكبر مجموعة من اللؤلؤ واشكاله وأصنافه. وينتقل الكاتب إلى مرحلة اخرى، أو بالاحرى إلى محطة اخرى من محطات حياة الراحل سلطان العويس، هي مرحلة نجاحه كرجل اعمال، وكيف تسنى له جمع كل هذه الاموال، وما هي فلسفته تجاه المال. ونكتشف ان سلطان لم يخطط لجمع المال، ولم يكن هدفه، انما الصدفة كما يحللها هو هي التي جعلته ثرياً. وله فلسفة خاصة في المال يلخصها سلطان العويس بالقول «ما نفع كل هذه الثروة اذا خسرت سعادتي او حريتي، وسعادتي هي ان احقق شيئاً انسانياً، لم تكن الثروة وحدها شرطاً للسعادة، الانسان هو الذي يخلق سعادته بيده، هي مقرونة بشرط انساني، وبفعل انساني». كان يرى ان أهم انجاز في حياته هو مساهمته في بناء المدارس وانتشار التعليم لا في الامارات فحسب بل وفي ارجاء الوطن العربي، وقد ساهم في بناء عدة مدارس وجامعات في العديد من الاقطار العربية وكذلك في بلده الامارات وهو يرى ان الحرية يمكن ان تتحقق من خلال انتشار العلم. يعرج الكاتب ليحاور محدثه سلطان العويس عن واحدة من منجزاته ومساهماته في بناء السدود في دولة الإمارات، ثم يعود إلى الشعر بعد ان يسافر عبر دبي إلى الهند، وبيروت، ومصر، والعالم كله، ليعود إلى الشعر «كنت لأجرؤ على نشر ما اكتبه، ربما يعود هذا الأمر إلى عدم الثقة، او لتهيب، لكن لقاءاتي المتكررة مع الكتاب والشعراء في دمشق وبيروت والقاهرة والهند، فتحت امامي آفاقاً جديدة في الكتابة. دعوا ذا العقل منطلقا ليرقى فكل قيودنا رمز انحطاط اتينا للحياة بلا شروط بأي الحق نوضع في الرباط هذا الكتاب ليس سيرة حياتية لسلطان العويس، ولا تسجيلاً لمفردات تلك الحياة، انها محطات، وآراء، وشذرات، وانتقالات وسفر، تقرأ فيه الكثير عن اراء سلطان العويس التي حرص الكاتب ان يسجلها عبر لقاءات متعددة، «لا اشغل بالي كثيراً بامور ستحدث في غيابي وبالتأكيد سيحدث الكثير وأشياء كثيرة ستتغير، لكن علي ان اعيش هذه الحياة كما ارغب ان تكون، وعلى مقدار وفير من الحرية والحب والعدالة. عبدالاله عبدالقادر