بيان الكتب: عمل جيمس بامفورد حتى فترة قريبة كصحفي تحقيقات في محطة «آ. بي. سي» كما نشر العديد من التحقيقات التي تصدرت اغلفة «نيويورك تايمز ماجازين» و«واشنطن بوست ماجازين» و«لوس انجلوس تايمز». وهو أيضاً مؤلف كتاب «بازل بالاس» الذي نال شهرة كبيرة عند صدوره قبل عدة سنوات واصبح احد المراجع «الكلاسيكية» في ميدانه. «جسد الاسرار» الكتاب الجديد لـ «جيمس بامفورد» هو في المحصلة النهائية بمثابة تحقيق طويل على مدى 721 صفحة حيث يغوص مؤلفه في خبايا واسرار «كواليس» الاجهزة السرية الامريكية والبريطانية لينقل القاريء من اثارة الى اخرى ويقدم له «حقيقة» احداث كانت مقروءة حتى الان بصورة مغايرة ولا تنطبق مع الواقع. ولعل اكثر ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب لدى القاريء العربي هو ادراك مدى التواطؤ الذي كان قائماً بين جهازي الاستخبارات الامريكية والبريطانية المعنيين والاجهزة السرية الاسرائيلية. لاشك بأن جهاز الاستخبارات الامريكي المعروف باسم «سي. اي. ايه» يمثل في المخيلة الشعبية عامة اقوى جهاز امني في العالم اذ لا يستجد حدث سياسي كبير او تغيير في نظام او تبدل في التوجهات السياسية إلا ويخطر للذهن بأن «اصابع السي. اي. أيه» ليست بعيدة عنه. لكن الواقع هو ان هذا الجهاز الجبّار يخضع لـ «وكالة الامن القومي» الامريكي، واذا كان الالمانيون هم اول من برعوا في ميادين التجسس والتنصت فإن اتفاقا قام بين وكالة الأمن القومي الامريكي ونظيرتها البريطانية انشئت على اساسه اكبر هيئة للتجسس شهدها العالم حتى الان بحيث انها تستطيع عملياً وفعلياً استراق السمع على أية مكالمة هاتفية بأي مكان في العالم. وذلك عبر استخدام مراكز تجسس مختلفة ثابتة او متنقلة «من غواصات وغيرها» قادرة على ان تزوّد المراكز الاساسية بواسطة شبكة من الاقمار الصناعية المزروعة في مختلف اجواء العالم بأدق التفاصيل. هكذا اصبحت اتفه المحادثات الهاتفية واكثرها حميمية منقولة «على الهواء مباشرة» الى حيث يتم «الاحتفاظ» بالمهم منها و«تخزينه» للاستخدام، ربما ذات يوم. ان مراكز التنصّت الهائلة المقامة في انجلترا تستطيع التقاط ملايين المحادثات الهاتفية والرسائل الالكترونية ورسائل الفاكس، في ساعة واحدة. لكن العملية المشتركة التي قامت الوكالتان الامريكية والانجليزية بتنظيمها من اجل التنصت على شبكة الاتصالات على صعيد العالم كله، اثارت نقاشات وجدلاً كبيراً حول «الحدود» بين «العالم» وبين «الحياة الخاصة» للافراد. ان مؤلف هذا الكتاب يلقي بعض الأضواء الجديدة على هذه المسألة. ولعل أهمية المعلومات الكثيرة والدقيقة التي يقدمها «جيمس بامفورد» تأتي من واقع انه اول صحفي وكاتب يسمح له بالاطلاع على ملفات كثيرة لدى الوكالة القومية الامريكية للأمن. وهو ايضا في طليعة اولئك الذين تعرّفوا على مسئولي هذه الوكالة غير المعروفين لدى الجمهور العريض حيث انهم يعملون في الظل ويقودون العمليات الاستخبارية بعيدا عن الاضواء التي يتم تسليطها احياناً على عمل مختلف الاجهزة السرية الامريكية الاخرى. ان المؤلف يقود قارئه الى «مدينة الاسرار» التي تمارس فيها وكالة الامن القومي الامريكي نشاطاتها وحيث ان الزمن لا يقاس بالساعات او بالدقائق والثواني وانما بأجزاء المليون، وحتى المليار من الثانية. ويعمل في «مدينة الاسرار» هذه حيث تسود لغة «الشيفرات» وحدها العديد من العلماء والباحثين من اجل تطوير اجهزة الحاسوب الضخمة القادرة على ان تقوم بمليارات العمليات خلال كل ثانية.. والقاعدة السائدة دائماً هي «الصمت» و«السرية». ورغم «السلطات» الكبيرة التي يتمتع بها القائمون على هذه «الامبراطورية» من الاسرار فإنهم يبقون «مغمورين» وبعيدين عن اضواء الشهرة. لكن مؤلف هذا الكتاب يلج هذا العالم الخفي الذي يعرف المختصّون بالتنصت فيه ما يجري اثناء المحادثات الهاتفية بين «اسامة بن لادن ووالدته» حسب تعبير المؤلف. كما يقدم ايضا، وبالاعتماد على آلاف الوثائق السرية، تأريخاً مثيراً لاحداث كبيرة شهدتها فترة الحرب الباردة منذ مطلع عقد الخمسينيات في القرن الماضي وحتى سقوط جدار برلين عام 1989 وانهيار المعسكر الشيوعي. هكذا يكشف عن مؤامرات كان مسئولون عسكريون امريكيون كبار قد عملوا هم انفسهم على نسجها وتدبيرها ثم «فضحها» كي يجدوا بذلك مبرراً لدخول الولايات المتحدة الامريكية الحرب.. ولم يكونوا ايضا بعيدين عن «حملات ارهابية» سرية ودامية تستهدف المصالح الامريكية ذاتها في هذه المنطقة من العالم او تلك وبحيث يجري تحميل مسئوليتها لجهات اخرى مما يشكل مبرراً لضربها. ان تعبير «جسد»، «جسد الاسرار» الذي تبنّاه مؤلف هذا الكتاب يجد تبريره في عنوان الفصول الاربعة عشر التي يتكون منها والتي تتحدث عن «الذاكرة» و«العرق» و«الاعصاب» و«القبضات» و«العيون» و«الآذان» و«الدم» و«العمود الفقري» و«الادرينالين» و«الشحوم» و«العضلات» و«القلب» و«الروح» و«الدماغ». ولعلّ الفصل الذي يتحدث فيه المؤلف عن العلاقة بين اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية وأعلى وكالتين للأمن القومي في كل من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا ومع مختلف الاجهزة الامنية في هذين البلدين هو الذي يشد انتباه القاريء العربي. وتشير المعلومات التي يوردها المؤلف بالاعتماد على وثائق وتقارير امنية امريكية بأن اسرائيل لم تكن تعرف الكثير من المعلومات عن الرسائل والشيفرات المتبادلة اثناء حرب الايام الستة عام 1967 فحسب، لكنها كانت تستقي ايضا مصدر معلوماتها من اعلى المصادر الامنية الامريكية، وقد اعتبرت وثيقة صادرة عن الـ «سي. اي. آيه» بخصوص الهجوم الاسرائيلي على سفينة «ليبرتي» الامريكية التي كانت متواجدة في البحر الابيض المتوسط، وقيل آنذاك بأن ذلك الهجوم قد وقع خطأ، بأن هناك «عدة مؤشرات تدل بأنه من الممكن جداً ان الحكومة الاسرائيلية كانت على علم بحقيقة ليبرتي وبتواجدها قبل القيام بالهجوم». وجاء ايضا في تقرير للجهاز الامني الامريكي تم اعداده عام 1979: «لقد نجح الاسرائيليون اثناء حرب الايام الستة عام 1967 بالتقاط كميات هائلة من المحادثات الهاتفية العربية بسرعة وبدقة، ومن بين هذه المحادثات واحدة جرت بين الرئيس المصري جمال عبدالناصر والملك الاردني حسين. وقد استطاع الاسرائيليون مع مرور الزمن القيام بعمليات وراء حدودهم والاطلاع على اتصالاتهم التي كانت تمر بطريق البر لفترات طويلة مستمرة. كما انهم فخخوا احياناً خطوط الاتصالات». ويشير التقرير نفسه ايضا بأن الاستخبارات الاسرائيلية التي أولت اهتمامها الرئيسي لجمع المعلومات عن العالم العربي، اعطت الاولوية بعد ذلك لمعرفة خبايا الاجهزة السرية الامريكية نفسها والتجسس على الولايات المتحدة. وقد حدد التقرير بوضوح بأن بعض الاهداف الرئيسية لاجهزة الاستخبارات الاسرائيلية تمثلت في «جمع المعلومات حول السياسة الامريكية او حول القرارات السرية للولايات المتحدة الامريكية، وخاصة ما يتعلق منها باسرائيل». ان المؤلف يستعرض وعلى مدى صفحات عديدة قضية السفينة الامريكية «ليبرتي» التي قالت اسرائيل بأنها قد قصفتها «خطأ». فهل كان الامر «خطأ» بالفعل ام كان «مجزرة» مقصودة متعمدة. ان مثل هذا السؤال الجوهري لم يتم التعرض له ابدا في نقاشات الكونجرس الامريكي انذاك، رغم حساسية القضية وكون انها تمس مباشرة المصالح الامريكية والجنود الامريكيين. هذا مع العلم بأن العديد من اعضاء الكونجرس كانوا قد طلبوا وطالبوا منذ زمن طويل بضرورة فتح تحقيق معمّق وجدّي حول هذا الحادث والكارثة. وكان من بين هؤلاء الاميرال «توماس مورو» الذي قال: «ان مجلس الكونجرس لم ينجح حتى الان بعقد جلسات يناقش فيها رسمياً التقارير الخاصة بموضوع السفينة ليبرتي. ان هذا يمثل انتقاصا للواجب الذي يقتضيه الشرف الوطني، وأمراً لا سابق له». وعلى مثل هذا الامر يعلق المؤلف بالقول بأن الوقت ربما لم يتأخر بعد لاسيما وان الكونجرس قد دخل في نقاشات لا تنتهي حول احداث «كبرى» مثل تسريح عدة مستخدمين في وكالة للسفر في البيت الابيض؟! وضمن سياق التعرض لواقع السياسة الاسرائيلية من خلال قضية السفينة «ليبرتي» تحديداً ومدى الخسائر البشرية التي ترتبت على الهجوم الاسرائيلي الذي استهدفها، يؤكد المؤلف بأنها اي اسرائيل قد أخفت عبر تاريخها مسألة حقوق الانسان «وراء مطالب ذات طبيعة عقائدية دينية». هكذا تم اخماد جميع اشكال النقد مهما كانت الجهة التي صدر عنها، وذلك على اساس انها ناجمة عن موقف «مناهض للسامية» وحتى لم يستمع احد من اصحاب القرار او من المؤسسات المعنية في مثل هذه القضايا الى مطالبة بعض افراد طاقم السفينة الامريكية «ليبرتي» الذين نجوا من الموت بعد الهجوم الدامي الذي تعرضت له، و«تجرأوا» على المطالبة بـ «فتح تحقيق» حول المسألة. وتتم الاشارة في هذا السياق ايضا الى ان تقديم «البراهين القاطعة» على ان اسرائيل قد اطلقت النيران عمدا على مدنيين قد استجد في شهر مايو من عام 2000 وذلك عندما اتهم التلفزيون البريطاني بشكل صريح اسرائيل باطلاق النار عمداً وليس في معرض الرد كما شاع القول على احد العاملين معها في لبنان منذ 25 سنة والذي تم قتله بتاريخ 23 مايو 2000 عندما اطلقت دبابة ماركيفا اسرائيلية نيرانها على سيارته المرسيدس الزرقاء عبر الشريط الحدودي في جنوب لبنان اثناء جلاء اسرائيل عنه وقد قال «جيريمي بولين» الصحفي في محطة «بي. بي. سي» البريطانية، في شهادته بأنه رأى زميله وهو يخرج من السيارة، من جهة السائق ويترنح ثم يسقط ارضا وانه قد تعرض هو نفسه لاطلاق النيران الاسرائيلية عندما حاول مساعدته كما اكد ايضا بأن الاسرائيليين قد اطلقوا النيران على سيارة اسعاف تابعة للصليب الاحمر اللبناني عندما حاولت بدورها الاقتراب من موقع الحادث. كذلك دلت الحقائق المصورة التي قدمتها اشرطة «فيديو» قام بها فريق التصوير التلفزيوني التابع للمحطة البريطانية وفرق اربع قنوات تلفزيونية اخرى بأن الامر كان يتعلق بـ «قتل عمد وليس ردا على اي هجوم من اي نوع كان» اذ لم يكن هناك اي اطلاق للنيران او القاء مقذوفات من جانب لبنان ذلك اليوم حيث كانت القوات الاسرائيلية تنسحب من جنوبه الذي احتلته لفترة تزيد على عقدين من الزمن. ويخلص المؤلف من «سرد» تفاصيل هذه الحادثة الى القول بأنه و«كما كان منتظراً، وبنفس الطريقة التي تم اللجوء اليها اثناء الهجوم الاسرائيلي على سفينة ليبرتي، اعلنت الحكومة الاسرائيلية بأن عملية اطلاق النار قد حدثت نتيجة «خطأ» لكن القناة التلفزيونية البريطانية بي. بي. سي لم تعتقد بصحة هذا الادعاء وبدأت بالاحرى عن امكانية توجيه الاتهام لاسرائيل باقتراف جريمة حرب عبر خرقها لاتفاقية جينيف، بل ودلت الافلام المصورة على ان الجيش الاسرائيلي كان يستهدف من وقت لآخر عربات يقودها مدنيون لبنانيون على طول نفس الطريق التي جرى عليها حادث القتل يوم 23 مايو2000، ولكن ايضاً في اليوم الذي سبقه رغم غياب اي رد من الجانب اللبناني. لكن، ومنذ الهجوم الاسرائيلي على سفينة «ليبرتي» الامريكية قدمت الحكومة الامريكية ما يزيد على 100 مليار دولار امريكي للحكومة الاسرائيلية... وهذا من اموال «دافعي الضرائب» الامريكيين. مع ذلك لم يتم القيام بأي تحقيق فعلي يستطيع فيه القضاء استجواب جميع اولئك الذين يرى ان استجوابهم قد يلقي الضوء على النقاط المظلمة «الكثيرة» حول حادث «ليبرتي» ايضاً وبنفس الوقت، ربما كان ينبغي ان يتم الطلب الى وكالة الامن القومي تقديم جميع التسجيلات المتوفرة لدى مركز التنصت الخاص بشرق حوض البحر الابيض المتوسط يوم 8 يونيو 1967، كما يقول المؤلف ثم يضيف: هذه التسجيلات الملقاة منذ أكثر من عشر سنوات في احد ادراج المكتب رقم 643 التابع لوكالة الامن القومي والمختص بالشأن العسكري الاسرائيلي. واليوم وبعد مرور اكثر من ثلاثة عقود من الزمن، هناك اكثر من سبب وفي مقدمة هذه الاسباب انتفاء ضرورة السرية، يدعو لاجراء تحقيق جدي عما جرى حقيقة بالنسبة لقضية «ليبرتي»... ولماذا جرى ذلك؟. وهذا ما يؤكد عليه المؤلف باشكال مختلفة. ان هذه المقاطع الطويلة الخاصة بقضية السفينة الامريكية «ليبرتي» تدل بوضوح على طبيعة هذا الكتاب.. كما تدل المعلومات المقدمة على مدى صفحاته على الدور المركزي الذي لعبته «وكالة الامن القومي» الامريكية بالتعاون مع نظيرتها البريطانية في أهم احداث النصف الثاني من القرن العشرين، وحيث بدا ذلك الدور بمثابة «سلاح ذي حدين» فهو من جهة وسيلة كشف وانذار وترقب لما يتم «اعداده» حول مصير العالم بما في ذلك المفاوضات حول الاسلحة النووية.. ولكنه من جهة اخرى وسيلة للتأثير على النشاط الاقتصادي والتجاري العالمي لمصلحة الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا.. هذا فضلا عما يشكله من مساس بـ «الحياة الخاصة» للبشر. ان لـ «الحيطان اذان» كان يقال لنا دائماً، ولكن يبدو انها اكثر كفاءة بكثير مما كنا نتصور.. اذ انها تستطيع ان تسمع حتى ادنى الهمهمات.. فـ «تحسسوا انفاسكم».