بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب هو ناقد فرنسي سبق له وقدم «النسخة الأولى» من قاموس المنتحلين قبل عدة سنوات وهو يعود اليوم إلى الموضوع من جديد.. وبكتاب جديد. مسألة الانتحال الأدبي والفكري ليست جديدة بالطبع لكنها تثير باستمرار أسئلة جوهرية تتعلق بالذهنية التي تسمح لصاحبها ان «يغرف» بعض الجمل والافكار ، التي هي من انتاج غيره، بل ان المسألة لا تتعلق أحياناً بـ «بعض» الجمل وإنما تتعداها إلى «نسخ» مقاطع كاملة أو ربما «سرقة» مخططات أعمال كاملة والبناء عليها وكأن «المنتحل» قد صاغها من «بنات» أفكاره، لكن المنتحل يأمل دائما مثل السارق الا يكتشف «فعلته» أحد. يأتي نشر هذا القاموس «الجديد» عن المنتحلين بعد حوالي عامين من صدور كتاب يحمل عنوان «حول الانتحال» ألفته هيلين موريل اندارت وترتب عليه بعض القضايا ذات الطابع القانوني، والسؤال الذي يمكن ان يرد مباشرة إلى الذهن يتعلق بمعرفة إذا كانت ظاهرة الانتحال قد تفاقمت أو ان القضايا الخاصة بهذه الظاهرة هي التي تزايدت في الآونة الأخيرة. وهذا أثر مألوف ان تبرز ظاهرة ما إلى السطح في فترة معينة من الزمن على الرغم من انها كانت متواجدة منذ فترة طويلة من الزمن لكن ظروفاً ما تستجد فتدفعها إلى الواجهة. ثم ان ظاهرة كظاهرة «الانتحال» في ميدان التأليف والنشر قد لا تبدو غريبة جداً عن السياق الراهن من تطور المجتمعات الانسانية عامة والغربية بشكل خاص إذ ان سيطرة آليات اقتصاد السوق وسيادة منطق الربح تجعل «الكتاب» نفسه بمثابة نشاط صناعي ـ تجاري يخضع لقانون «العرض» و«الطلب»، الأمر الذي قد يدفع بعض «المبدعين» إلى «الالتفات» نحو «بضاعة رائجة» هذا لا سيما وان مفهوم «الملكية الفكرية» لايزال حديثاً ولم يتأصل جيداً في السياق الاجتماعي الراهن. أضف إلى هذا واقع ان آليات الرقابة أصبحت أكثر سهولة ويسراً ولم يعد من الصعب «رصد» عمليات الانتحال رغم وفرة الانتاج الأدبي والفكري المطروح. إن مؤلف هذا الكتاب يدرس أيضاً ظاهرة الانتحال في اطار تاريخيتها وحيث لم يكن مستهجناً إلى حد كبير ان يجد القارئ بعض «الأفكار» و«التعابير» في احدى مسرحيات «موليير» بينما «مونتين» قد كتبها قبله بسنوات طويلة، المسألة تغيرت، لم يعد «التسامح» هو الذي يحكم علاقات «المبدعين» والكتاب فيما بينهم وعلاقاتهم مع نتاج غيرهم ممن سبقوهم أو ممن يعيشون في العصر نفسه، ان هناك آليات «تسجيل» الأعمال والأفكار والعناوين باسم «مخترعيها» كما في عالم الاكتشافات بحقل العلوم والصناعات، وغدا من الشائع ان تتكاثر «الملاحقات» القانونية لأسباب وتشابهات قد تبدو أحيانا «واهية» إلى حد كبير. في الآونة الأخيرة قيل الكثير عن «استعارة» باولو كويلهو، الكاتب البرازيلي الشهير ومؤلف رواية «الخيميائي» التي بيع منها ملايين النسخ، لموضوعه ولنسيج روايته الأخيرة «شيطان الآنسة بريم» من عمل روائي للكاتب الألماني «دورنمات» يحمل عنوان «زيارة السيدة العجوز». وفي الواقع بالحالتين هناك شخصية غريبة تصل إلى قرية صغيرة وتطرح اشكالية الخير والشر في أعماق النفس الانسانية. تجدر الاشارة هنا إلى أن رواية باولو كويلهو المشار لها «شيطان الآنسة بريم» تجد مكانها في عداد قائمة الكتب الأكثر انتشاراً في فرنسا منذ أسابيع عديدة. ولعل هذه القضية تطرح مسألة تستحق التأمل والتمعن، ولا شك ان «كويلهو» مؤلف «الخيميائي» هو روائي كبير وليس غريباً عنه ان يكتب عملاً يوازي، بل ربما يفوق انتاج الألماني «دورنمات»، فلماذا يلجأ مثله إلى الانتحال؟ لا شك أيضاً ان الاجابة على مثل هذا السؤال تتطلب الغوص بعيداً في أعماق النفس الانسانية. ان مؤلف هذا الكتاب القاموس يقدم مئات النماذج والأمثلة على ما يبدو إلى هذه الدرجة أو تلك من الوضوح بمثابة انتحال، والأسماء التي تتردد هي بمثابة نقاط بارزة في المسيرة الفكرية والابداعية في بلدانها بل وفي العالم أحيانا، اذ اننا نجد فولتير يكتب عن «الغيرة المقيتة ذات الملامح الشاحبة والداكنة» بينما كان «بوالو» قد كتب قبله عن «النجل المقيت ذي الملامح الشاحبة والداكنة». ثم يأتي دور «بومارشيه» بعد الاثنين كي يتحدث عن «الرغبة الجامحة ذات الملامح الشاحبة والداكنة» ومثل هذا قد يدفعنا للقول ان هناك «انتحال» فعلاً، ولكنه قد يدفعنا أيضاً إلى الاعتقاد بأن الثلاثة ربما كانوا قد استخدموا «تعبيراً شائعاً» مثل مختلف التعابير الشائعة التي يمكن ان يستخدمها الجميع لأنها تفي بالدلالات المطلوبة أفضل من أي تعبير آخر. والجميع يحق لهم «ربما» ان يأخذوا من «رصيد الأدب» الانساني ما يمكن ان يوصل ما يريدون قوله إلى قارئهم، وبالتالي ينبغي عدم توجيه الاتهام «الدميم » بسرعة بارتكاب «جريمة» الانتحال. بالطبع هذا لا يعني أبداً أي حال من الأحوال «غض الطرف» عن عمليات «السرقة المشهودة» التي يسوق «رولان دوشودناي» مؤلف هذا الكتاب العديد من الأمثلة عنها حيث «يستحيل» ان يصل توارد الخواطر إلى درجة المطابقة الكاملة بين «الصورة» و«الأصل». «الانتحال» و «المنتحلون» في كتاب قاموس