بيان الكتب: فريدريك بلوكان، مؤلف هذا الكتاب هو أحد الصحفيين العاملين في مجلة «ماريان» الاسبوعية سبق له وكتب العديد من الدراسات والمقالات حول قضايا «الفساد في فرنسا». إذا كان من الشائع القول ان «اليمين» في فرنسا وفي غيرها من البلدان الأوروبية هو أقرب إلى عالم رأس المال وتداخلاته وبالتالي إلى «قضاياه» و «فضائحه» فإنه من الشائع أيضاً اعتبار ان «اليسار» هو أكثر «نزاهة» وأكثر «أيديولوجية» في تعامله مع المال. هذا الكتاب هو إذن «سباحة ضد التيار» إذ ان المؤلف يقدم فيه تحقيقاً مطولاً من 375 صفحة حول العلاقات المعقدة لليسار الفرنسي مع عالم المال والأعمال والفساد. ويأتي هذا الكتاب في فترة تشهد فيها فرنسا محاكمات في قضايا فساد وافساد أحد أبطالها ليس سوى «رولان دوما» وزير الخارجية الفرنسي السابق، وأحد الأصدقاء المقربين من الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، وكان رولان دوما أيضاً رئيساً لـ «المجلس الدستوري» الفرنسي، اي الهيئة التي تسهر على مطابقة القوانين والأحكام مع الدستور. أما الموضوع الذي تتم محاكمته من أجله فإنه يتصل بالعمولات التي دفعتها شركة الف ـ اكيتان لعشيقة رولان دوما، المدعوة كريستين دوفييه جونكور، والتي بلغت قيمتها ما يقارب الخمسين مليون فرنك فرنسي من أجل صفقة بيع فرقاطات فرنسية إلى تايوان، الأمر الذي كان يتطلب موافقة الحكومة وحيث سهل رولان دوما الحصول على مثل هذه الموافقة، كما جاء في الاتهامات الموجهة له انه استفاد شخصياً من العمولات التي تقاضتها عشيقته السابقة. كان فرانسوا ميتران قد جعل من شعار «القطيعة مع الرأسمالية» أحد المحرمات الرئيسية لحملته الانتخابية عندما خاض أرباب العمل المعنيون بمباشرة مثل هذا الأمر الشعار المطروح على محمل الجد، إذ لاح في الأفق احتمال الابتعاد كلية عن اقتصاد السوق، لا سيما وان الأشهر الأولى من فترة حكم فرانسوا ميتران شهدت تسارع عمليات «تأميم» عدة شركات ومؤسسات خاصة. باختصار بدت مؤشرات عديدة تدل على ان نظام الرئيس متران كان يتوجه في بداياته نحو إخضاع الاقتصاد للسياسة. لكن مع مرور الزمن لم يبق في الواقع من «الماضي الايديولوجي» لليسار سوى «بعض الرموز» وبعض الممارسات مثل «فرض ضرائب على الثروات الكبرى» حيث بدت «البرجوازية الكبيرة» بمثابة الهدف الرئيسي للحكومة القائمة. وينقل مؤلف هذا الكتاب عن «بيير بيرجيه» أحد المقربين من ميتران، قوله: «لقد احتاج الاشتراكيون لفترة من الزمن كي يفهموا بأن الشركات لا توجد من أجل تأمين فرص عمل وإنما من أجل تحقيق أرباح ومكاسب. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق بأن أغلبية أولئك الذين كانوا يحيطون بميتران لم يكونوا خلال بدايات حكمه اعتباراً من عام 1981، يعرفون حقائق الاقتصاد وآليات عمله. وبعد سنوات فقط من تجربة الحكم أصبح القسم الأكبر من قادة الاشتراكيين «بارونات الاشتراكيين» كما يسميهم مؤلف هذا الكتاب، يملكون ثروات دفعت بهم باتجاه مواقف سياسية أكثر «محافظة». ومن بين الأسماء التي يسوقها مؤلف هذا الكتاب «كريستيان فوكسي» الذي شغل منصب وزير التعاون في أحد الحكومات الاشتراكية الأولى خلال مطلع الثمانينات. وقد أصبح «فوكسي» معروفاً بأنه من العيش المتواضع ومن المعارضة اليسارية وجد نفسه فجأة يحتل المقعد الخلفي من سيارة «ليموزين» مع سائق خاص. ومن الأمثلة الأخرى التي يسوقها مؤلف هذا الكتاب عن أولئك الذين جنوا ثروات طائلة عن طريق «العمولات» واعتماداً على قربهم من مراكز القرار اليسارية هناك «جيرار مونات» النقابي ورجل الشرطة السابق الذي كان مقرباً جداً للرئيس الراحل متيران منذ منتصف عقد السبعينيات. وقد خدم «مونات» في منصب أتاح له الحصول على عمولات مالية كبيرة بعد وصول اليسار إلى السلطة، واستخدم هذه العمولات في «مساعدة» الحزب الاشتراكي الفرنسي. وينقل عنه مؤلف هذا الكتاب قوله: «بواسطة العمولات التي كنت أحصل عليها من الشركات التي كانت تستفيد من شبكتنا التجارية، استلمت مباشرة مهمة تأمين نفقات النواب والخلايا الحزبية، وكنت أدفع الايجار عندما تعجز أية دائرة حزبية عن دفعه. وكذلك كنت أدفع مرتبات العاملين الذين كان الحزب يحتاج لخدماتهم، وكنت أدفع باستمرار ايجار الصالات من أجل عقد أي مؤتمر حزبي، كما كنت أهتم أيضاً بدفع أجور العاملين من سائقين وحراس وغيرهم». وأمثلة أخرى كثيرة من بينها «دومينيك ستروس كاهن» وزير الاقتصاد والمال الفرنسي الذي اضطر للاستقالة من منصبه بسبب عمليات سوء سلوك اقتصادي يبدو انه كان متورطاً بها. ومن هذه الأمثلة كلها يخلص المؤلف إلى نتيجة أساسية مفادها ان جيلاً من شباب اليسار آمنوا بإمكانية تحقيق الثورة خلال مئة عام، لكنه واجه انهيار كل شيء مع معايشة المنعطف الاقتصادي المرتبط مع تجربة ممارسة الحكم، إذ ان «السلطة والميزات العديدة التي توفرها أدت إلى تنويم الاشتراكيين» لكن بعض أولئك الذين كانوا دائماً في «صفوف اليسار» أكدوا انتماءهم إلى اليسار مع كسب المال، إذ «يمكن تماماً التوفيق بين هذين المعطيين»، كما قال بيير بورجيه، رئيس مؤسسة «ايف سان لوران» للأزياء الراقية والصديق الحميم السابق للرئيس الراحل فرانسوا ميتران. ويعتبر مؤلف هذا الكتاب بأن «بيير شاراس» قد لعب دور «وسيط» ميتران مع عالم المال، لكن ميتران توفي ولا يملك في حسابه المصرفي سوى سبعمئة ألف فرنك فرنسي، أي حوالي مئة ألف دولار أمريكي، وكانت مصادر دخله الرئيسية تتمثل في تقاعده كنائب سابق في البرلمان وكرئيس جمهورية وأيضاً في الحقوق التي كان يتحصل عليها كـ «مؤلف» لعدة كتب. ولا يتردد «بيير شاراس» أيضاً عن التأكيد بان كل ما قيل عن قضايا الفساد في ظل حكم الرئيس الراحل فرانسوا ميتران لم يكن سوى «ألاعيب» لجأ إليها اليمين «من أجل خلق مناخ ملوث حول اليسار». وينقل المؤلف ضمن هذا السياق عن «جيرار ـ كولي» المدير السابق لمؤسسة ألعاب الحظ في فرنسا مثل «اللوتو» وغيرها، قوله حول علاقة «ميتران بالمال»، حيث كان قريباً منه جداً، ما يلي: «كان ميتران يعاني من عقدة في العلاقة مع المال، انها عقدة الخوف التي تمتلك الفلاحين، وكان وجود أشخاص مثل «بيلات» و «روسوليه» رجلا أعمال كانا قريبين من الرئيس الاشتراكي يبعث الطمأنينة في نفسه، إذ كان يعرف ان الحملات الانتخابية باهظة الكلفة وان المال هو سلاح هذه الحرب الإعلامية، لكنه كان متواضعاً على الصعيد الشخصي، ولم يكن يعير المال اهتماماً كبيراً. كتاب حول دور المال في عهد الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران