بيان الكتب: ادنا اوبريان هي كاتبة ايرلندية تعيش في لندن. سبق لها ونشرت العديد من الروايات التي أثارت جدلا كبيرا، اعتبارا من عملها الأول «فتيات الريف» الذي نشرته عام 1960. وُلدت هذه الكاتبة في احدى قرى ايرلندا «توام جراني» في أسرة تبدو وكأنها قد خرجت للتو من احدى الروايات. فالأب مدمن على تعاطي الكحول يتعامل بكثير من العنف والقسوة مع أبنائه وأسرته، لكنه بالمقابل شديد اللطف والكياسة حيال الآخرين. أمّا أمها فتبدو وأنها قد جاءت «مباشرة» من قلب العصور الوسطى من حيث ايمانها المطلق بالخرافات. تركت الفتاة قريتها وذهبت لدراسة الصيدلة في دبلن. وهناك اكتشفت كتب جيمس جويس وتعرّفت على الكاتب الايرلندي التشيكي ارنست جبلر الذي تزوجته فيما بعد وأنجبت منه طفلين وانتقلا بعد ذلك إلى لندن حيث انفصل الزوجان بعد سنوات. بعد هذا الانفصال تحديدا بدأت «ادنا اوبريان» حياة جديدة عبر الانغماس في عالم الكتابة، حيث قدّمت عددا من الروايات، كما مارست كتابة «السيناريو» لعدد من الأعمال السينمائية. وكانت تتلقى كل شهر من أمها رسالة تعلن فيها عن أمنيتها بأن يتم دفنهما معاَ فيما بعد. ان المؤلفة تركز بشكل رئيسي ومستمر في أعمالها السابقة على الأجواء الثقافية اللندنية التي عاشتها عندما كانت فتية خلال سنوات الستينيات والسبعينيات. وهي أيضا الفترة نفسها التي تعرّفت فيها على شخصيات سياسية بريطانية كبيرة بمن فيها وزراء كبار، كما كان من بين زوّار الحفلات التي كانت تنظمها نجوم سينما مرموقين وأدباء كبار من أمثال صموئيل بيكيت الذي دخلت معه في حوارات طويلة. وكانت مؤلفة هذا الكتاب قد نشرت سيرة حياة «جيمس جويس». وإذا كانت ادنا اوبريان قد وصفت في العديد من رواياتها التي يبلغ عددها الاجمالي أربعة عشر عملا روائيا عوالم لندن فإنها تعود في هذه الرواية إلى رسم أجواء ايرلنده العميقة، إذ أنها تروي قصة رجل أجنبي يصل إلى قرية ايرلندية نائية ويحصر اهتمامه وهو الوافد من عالم الحداثة في محاولة تفكيك البنى القديمة السائدة في القرية وتحديدا «تخريب» علاقة الإنسان بالأرض وعلاقات الأسرة الموروثة منذ قرون طويلة. هذا الغريب تسكنه القناعة بأن هناك امكانية لتغيير المنظومة القائمة، لكن التاريخ يأخذ مجراه «الطبيعي» وتستمر الحياة على ما هي عليه، الملفت للانتباه هو أن المؤلفة لا تحدد زمنا معينا تجري فيه أحداث الرواية، وحيث يمكن لهذا الزمن أن يكون أواخر القرن التاسع عشر أو سنوات الثلاثينيات من القرن العشرين، بل ويمكن لهذا الزمن أن يكون أكثر قربا من الحقبة الراهنة، إذا نظرنا إلى بعض التفاصيل الصغيرة مثل وجود «ثلاجة» في المنزل أو ناد للرقص. إن عدم تحديد زمن معين تجري فيه الأحداث قد يعود أيضا إلى رغبة الكاتبة في أن تجعل مرجعياتها عن ايرلندا، موطنها الأصلي، خارج الزمن المتغير. وهذا يحمل في طياته دلالة مزدوجة على حالة الاستمرارية «الجامدة إلى حد كبير» في ذهنية أولئك الذين يعيشون في أماكن «معزولة» عن أي تماس حقيقي مع معطيات العصر، مثل أبناء تلك القرية الايرلندية النائية التي لاتزال على «تخوم» القرن العشرين وبعيدة جدا بالتالي عن هذا القرن الحادي والعشرين، الدلالة الأخرى تتمثل في التأكيد على أن الإنسان ومهما ابتعد ونأى عن موطنه ومهما كانت درجة اندماجه مع روح العصر الجديد فإنه يحمل دائما في أعماقه موطن ذكريات الطفولة والشباب. هكذا تبدو الكاتبة وكأنها لاتزال تحن إلى «عالم بدائي ومنسي» وتكتب عمّا يجتازه من شتى العواطف والانفعالات التي تتماشى مع «الايقاع» البدائي للحياة. انها تعيش في لندن منذ سنوات طويلة لكن حكاياتها تأتي من أعماق الريف الايرلندي. «ان أهل المدن يثرثرون لكنهم لم يعودوا يعرفون سرد الحكايات». تقول المؤلفة ان سرد الحكايات جزء من العمل الابداعي الروائي. ولعل أهم ما يميز هذه الرواية «شهور ديسمبر المجنونة» هو أن شخصياتها تحمل في داخلها «خيارا آخر» فيه الكثير من الحداثة، وليست أسيرة، كما هي العادة في أعمال هذه الكاتبة، لقواعد لعبة يفرضها المجتمع وفيها الكثير من القسر والجبر، إن مثل هذا التبدل في طبيعة الشخصيات يتماشى إلى حد كبير مع التطور الذي شهدته ايرلندا حيث أصبحت أكثر ازدهارا وأكثر ولوجا لسبل الحضارة. لكن هذا العمل، مثل أعمال «ادنا اوبريان» الأخرى، يحمل بعض أصداء «التراجيديات» اليونانية القديمة التي يبدو أن المؤلفة قد تأثرت بشكل واضح بها حيث ان القدر يبدو أكثر قوة وحسما من أية تبدلات سطحية. وبهذا المعنى يمثل هذا العمل نوعا من التعبير عن إرادة «مد الجسور» بين العالم القديم البدائي، ايرلندا العميقة، ايرلندا القرية النائية وبين أفكار التقدم والتحرر. لكن، ومهما كانت الفوارق والمسافات كبيرة وبعيدة بين العالمين، فإن العواطف والانفعالات الانسانية، من كره وحب وغيره.. وغيرها لا تتبدل وهي «واحدة» لدى اليونانيين القدامى وايرلنديي اليوم، وفي الواقع تعترينا الأحاسيس والانفعالات ومواطن الضعف نفسها عندما نقرأ «الملك لير» لشكسبير أو احدى التراجيديات التي كتبها الاغريق «اوريبير». من جهة أخرى تبدو المشاهد الطبيعية والمسالك والدروب الصغيرة والفصول وأشياء كثيرة أخرى يزخر بها المشهد الايرلندي بمثابة شخصيات حقيقية في مجمل أعمال هذه الكاتبة إذ ان البشر «يأتمنونها على أسرارهم». كان ذلك في ايرلندا، أما في لندن فإن «العصافير في محطة قطار واترلو توحي بأنها عصافير ميكانيكية وليست حقيقية». كما تقول المؤلفة. كذلك ترسم «ادنا اوبريان» صورة لأيرلندا الباحثة عن استقرارها الضائع وحيث يعشش الخوف في علاقات البشر على قاعدة الاختلاف المذهبي والطموحات المتضاربة لرجال السياسة. من هنا يمكن تفسير ظاهرة هجرة الكتّاب والمبدعين الايرلنديين إلى الخارج، وفي أغلب الأحيان إلى انجلترا القريبة، انهم ينقلون كيانهم «المادي» أما كينونتهم الروحانية فتظل في بلادهم. هكذا نرى أن هؤلاء الكتاب، ومثل جميع الذين دفعتهم أقدارهم بعيدا عن مواطنهم، يخرجون من ايرلندا كي «يكتبوا عنها ولها». ان الغربة تؤمن بعض المجال والهامش الخاص من الأفق الأكثر انفتاحا.. ولعل هذا هو أحد أهم «مكاسب» المنفى. لكن هذا لا ينفي واقع ان الكتّاب والمبدعين يعيشون عامة نوعا من القلق «الوجودي» حيثما كانوا في حالة من «النفي» الداخلي، الذي يؤسس الخلفية التي تجري عليها جميع أحداث «شهور ديسمبر المجنونة». يقول جيمس جويس في احدى جمله: «من أجل أن نكتب علينا أن نكون مخلوقات تحمل النزاع في داخلها». لقد اختارت «ادنا اوبريان» المنفى الاختياري إلى لندن كي «تكتب»