بيان الكتب: يعمل مؤلف هذا الكتاب استاذاً للعلوم السياسية في جامعة «فيرمونت» سبق له ونشر سلسلة من المقالات والدراسات والفصول في كتب جماعية عديدة حول موضوعين أساسيين هما تمويل الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية ، ودور الأحزاب السياسية في الحياة العامة. وكان قد سبق له وعمل في المؤسسة القومية الأمريكية للعلوم وفي مؤسسة «جديس» ضمن اطار البحوث الخاصة بتمويل الحملات الانتخابية بالاضافة إلى هذا عمل مستشاراً لدى حكومة «فيرمونت» حول قوانين تمويل الحملات الانتخابية. يعرف الجميع بأن الحملات الانتخابية الأمريكية وعلى مختلف مستوياتها تكلف مبالغ مالية طائلة تصل أحياناً إلى مئات ملايين الدولارات. في هذا الكتاب يحاول المؤلف أن يشرح دور المال في الحياة السياسية وذلك في أفق تبين بعض نقاط العلام الأساسية الفاعلة في فوز أو خسارة هذا المرشح أو ذاك، كذلك يلقي المؤلف أضواء جديدة على طبيعة الديمقراطية الأمريكية وأيضاً على السياق الذي تبرز فيه قيم سياسية تنازعية في الحقبة الأمريكية الراهنة. وتتمثل احدى النتائج الرئيسية التي يتوصل إليها المؤلف من خلال تحليلاته في التأكيد بأن «سلطة» رأس المال تمس بشكل مباشر وعميق «قلب الديمقراطية» في النظام السياسي السائد بالولايات المتحدة الأمريكية. وانطلاقاً من تحليل الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 1996 والتي فاز فيها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون للمرة الثانية يرى مؤلف هذا الكتاب بأن النظام الأمريكي «مأزوم». هذا ما يمكن استشفافه من مجموعة «العناوين» التي خرجت بها الصحف بعد الانتخابات ولمدة أشهر طويلة، وقد جاءت في هذا السياق الأزمة المالية الكبيرة التي شهدتها بلدان جنوب شرق آسيا (النمور الأربعة) وبدت مهددة على نطاق واسع كي تزيد من الاهتمام بالمسائل المالية، وبعد أن قام مدققو الحسابات التابعون لـ «اللجنة الفدرالية للحسابات» في أمريكا بإعادة النظر في الممارسات المالية والتي شهدتها الانتخابات الأمريكية الرئاسية لعام 1996 نصحوا مسئولي الحملة الانتخابية لبيل كلنتون ونائبه آل جور بتسديد مبلغ 7 ملايين دولار أمريكي للحكومة، كما طالبوا مسئولي حملة بوب دول، اي المرشح الجمهوري المهزوم بتسديد 17.7 مليون دولار وذلك على أساس أن هاتين الحملتين الانتخابيتين قد تجاوزتا السقف المسموح به الذي تحدده القوانين الخاصة بالانتخابات لكن بعد أسبوع واحد من صياغة هذه التوصيات من قبل مدققي الحسابات تم رفضها بقرار صدر بالاجماع عن الأعضاء الستة لإدارة اللجنة الفدرالية للانتخابات. وبشكل عام دلت مؤشرات كثيرة على أن انتخابات عام 1996 قد أظهرت الكثير من مواطن الخلل في النظام الانتخابي الأمريكي ولا سيما فيما يتعلق بآلية الحصول على المساعدات من المساهمين الكبار. كما ان المرشحين والأحزاب السياسية والمجموعات صاحبة المصلحة قد أنفقوا مبالغ مالية هائلة لأسباب لم يكن لها أحياناً أية علاقة بالحملات الانتخابية ذاتها. وقد دلت عمليات استطلاع رأي نشرتها «نيويورك تايمز» وشاركت فيه القناة التلفزيونية «سي.بي اس» في شهر أبريل من عام 1997 أن 39% من الأمريكيين الذين تم استجوابهم أعلنوا عن اعتقادهم بأنه ينبغي إعادة بناء جذرية للنظام الانتخابي الأمريكي بشكل كامل، كما أبدى 50% من الباقين رأيهم بضرورة ايجاد تغييرات كبيرة وأساسية في هذا النظام وذهبت في نفس الاتجاه عمليات استطلاع رأي أخرى أجرتها مراكز بحث مختصة بدراسة مؤشرات الحياة السياسية في الولايات المتحدة الامريكية. وبدا في المحصلة النهائية بأن أغلبية الأمريكيين يرون في «النظام الانتخابي الفدرالي» السائد في أمريكا اليوم يشكل «المشكلة الكبرى» بالنسبة لـ«النظام السياسي الفدرالي». هذا لاسيما وأن «المساهمات المالية ذات الطابع السياسي لها أثر كبير على الانتخابات المختلفة وكذلك على السياسة الحكومية» لدى مختلف الادارات الأمريكية، وقد أشارت نسبة هامة من الأمريكيين -حوالي الثلث- إلى أن منظومة تمويل الانتخابات الخاصة بالكونجرس الأمريكي تعاني من الخلل وتحتاج إلى إعادة النظر فيها في أفق العمل على تغييرها. ويعتمد مؤلف هذا الكتاب كثيراً في تحليلاته على المقالات والدراسات الصحفية المنشورة في عموم الولايات المتحدة الأمريكية، و حيث يتم التأكيد على عدة نقاط أساسية تتسم بها الحملات الانتخابية كلها وهي أنها «تحتاج إلى وقت طويل» وإلى تمويل كبير وذلك على الاصعدة الفدرالية او على صعيد الولايات المتحدة المختلفة او على الصعيد المحلي. وكانت ولاية كاليفورنيا مثلاً قد أنفقت خلال عام 1998 على الانتخابات الأولية التي شهدتها مبلغ 72 مليون دولار أنفقها المنافسون الأربعة الرئيسيون على الفوز بمنصب حاكم الولاية، وفي عام 1999 شهدت الولاية أيضاً الحملة الانتخابية الرئاسية لتبدأ دورة انفاق كبير جديدة، ان المؤلف يتعرض أيضاً باسهام في هذا الكتاب لطبيعة أولئك الذين يقدمون المساهمات المالية الأساسية في الحملات الانتخابية الأمريكية والذين يضمون مجموعات الضغط المختلفة التي تتراوح من أوساط أصحاب القرار الاقتصادي إلى الجمعيات ذات الطابع العقائدي مثل «الرهبان البوذيين»، وكانت سنوات الثمانينيات قد شهدت بروز ظاهرة أولئك الذين يساهمون أحياناً بمليارات الدولارات في الحملات الانتخابية بينما شهدت سنوات التسعينيات دعوات مختلفة لضرورة تنظيم هذه الحملات وضبط آليات المساهمة المالية فيها، مهما اختلفت مصادرها. ويخلص المؤلف بأشكال وصيغ مختلفة إلى القول بأنه ومهما اختلفت زوايا النظر إلى النظام السياسي الأمريكي السائد، أكان ذلك من زاوية منظور طرق التمويل التي شهدتها الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية لعام 1996 أو من زاوية الرأي العام أو من خلال تشريح آليات الممارسات المالية التي شهدتها الانتخابات الأخرى في سنوات التسعينيات، فإن النتيجة تبدو وكأنها واحدة في جميع الحالات وتتمثل في القول بأنه «من الواضح أن انحرافاً ما يشهده نظامنا السياسي»، على حد تعبير المؤلف الذي يعتقد بأن هذه الحقيقة «لاتصح فقط» بالنسبة للانتخابات الأمريكية على الصعيد القومي «الفدرالي» وإنما أيضاً على صعيد الولايات وفي السياق الانتخابي المحلي، لكن أين يكمن الخطأ فعلاً؟ وأين مكمن الانحراف؟ ولماذا ظهرت مؤخراً الاشكاليات الكبيرة التي يعاني منها النظام الانتخابي الأمريكي؟ إن هذه الأسئلة وغيرها هي التي يحاول مؤلف هذا الكتاب الإجابة عنها وذلك من أجل الوصول إلى هدف مركزي واحد هو محاولة «فهم» آليات عمل الحياة السياسية في المجتمع الأمريكي المعاصر ومدى تأثير هذه الآليات على الديمقراطية ودور رأس المال في العملية كلها. الوجه الآخر للتحليلات التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب يتمثل في إظهار مدى استشراء بعض ظواهر «الفساد» في سياق الحملات الانتخابية الأمريكية؟ الأمر الذي يبدو معه أن السياسيين «يشترون» بشكل ما «مواقعهم» للوصول إلى أعلى هرم السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية وينفقون مبالغ مالية طائلة من أجل الفوز بهذا المقعد الانتخابي أو ذاك. وبالطبع لايمكن اعتبار أن رأس المال يشكل العامل الوحيد في سبيل الفوز إذ هناك بالتأكيد عوامل أخرى، لكنه عامل له أهميته الخاصة نظراً لأنه عصب أية حملة انتخابية. أضف إلى أن العديد من المرشحين قد «لايستطيعون أن يبلغوا رسائلهم إلى ناخبيهم إذا لم يتوفر المال المطلوب من أجل ذلك»، وقد دلت مختلف الدراسات المتعلقة بنتائج الانتخابات على الصعيد القومي او على صعيد الولايات المختلفة أو الانتخابات المحلية على أن هناك نوع من التلازم بين انفاق الأموال والنتائج المحصلة. ومن المهم أيضاً باستمرار بالنسبة للمرشحين قدرة «التواصل» مع الناخبين الذين يتوجهون لهم. ويتهم العديد من النقاد ضمن هذا الاطار رجال السياسة بأنهم على درجة عالية من «النفاق» إذ أن الوعود الانتخابية التي يطلقونها أثناء هذه الحملة أو تلك لاتلزم سوى أولئك الذين «يسمعونها» و«يصدقونها». إن مؤلف هذا الكتاب يولي أيضاً أهمية خاصة لدراسة السياق الذي يعطى للمال مكانة مركزية في «اللعبة السياسية» الأمريكية التي دفعت إلى الواجهة مقولات «الديمقراطية» التي تؤكد على مفاهيم «الأكثرية» و«الأقلية». لكن في الواقع العملي هناك درجة عالية من «البيروقراطية» إلى جانب قبول مبدأ «التعددية». كما أن «مجموعات المصالح» تلعب دوراً كبيراً في هذا النظام الديمقراطي التعددي وتؤثر على التوجهات العامة للحكومة الفدرالية أو الحكومات في الولايات. وتتمثل الركيزتان الأساسيتان لمثل هذا النظام بـ«نموذجه الأمريكي» في «الانتخابات» و«الأحزاب السياسية». أما القيم الأساسية التي يتم التأكيد عليها فهي «الحرية» و«النظام»، وحيث ان هاتين القيمتين تحملان في داخلهما نوعاً من «التعارض» بين الدعوة لتأكيد «الحريات المدنية» وبين الحد من هذه الحريات من اجل تأكيد النظام ولو كان ذلك على حساب بعض الحريات المدنية «المعنية». هذا كتاب يدرس المفاصل الاساسية في آليات عمل الاحزاب السياسية ودور رأس المال في العمليات الانتخابية الامريكية على مختلف مستوياتها.. وقد اعتمد المؤلف الابتعاد عن التنظير والمقولات الايديولوجية كي يقترب ببحثه من العمل التوثيقي الذي يعتمد التعليقات الصحفية المباشرة واستطلاعات الرأي العام والاحصائيات الرسمية او الصادرة عن مختلف المؤسسات المختصة.. وفي المحصلة العامة تدل المؤشرات كلها على ان نظام تمويل الانتخابات الامريكية قد اصبح مثاراً للجدل خلال السنوات الاخيرة المنصرمة، كما ان اصواتاً كثيرة قد ارتفعت للمطالبة بضرورة اعادة نظر جذرية في آليات عمل المنظومة السياسية الامريكية باتجاه ضبط الدور «السياسي» لرأس المال على مستوى الاحزاب والسياسات الحكومية