بيان الكتب: «أيا كانت المرحلة التاريخية فإن تاريخ روسيا لا يخرج عن كونه تاريخاً يدور حول الصراع بين الطبقات الحاكمة وبين الفلاحين». للدلالة على أن المشكلات التي تعاني منها روسيا في الوقت الراهن سواء أكانت مشكلات سياسية أم اجتماعية أو اقتصادية لا تعني أن على الآخرين، ألا ينظروا إليها باعتبارها تهديدا أو على العكس من ذلك طرحها كحليف محتمل يسعى هوسكنج جاهدا إلى سبرغور دوائر ما يسمى بالاصلاحات الكبرى التي شهدتها الدولة الروسية بما في ذلك الرقابة والتوسع من سنة 626 ميلادي إلى سنة 2000 التي انتخب فيها «بوتين» رئيسا. يرى هوسكنج انه على مدى ألف عام من ظهوره، ظل تاريخ روسيا هو الأكثر إثارة والأكثر مأساوية والأكثر تأثيرا وإثارة للاحتمالات بالمقارنة بتاريخ أي دولة أخرى وهي الظاهرة التي يتصدى لدراستها على نحو علمي دقيق. وبالنظر إلى تلك العلاقة التي يفترض أنها تربط بين الحقبة الشيوعية الماضية وبين الموضوعات الرئيسية المستديمة المتبقية من التجربة الروسية والتي لا يمكن التحكم فيها حيث انه وكما يرى المؤلف هناك عاملان كانا قد تركا أثراً مهماً في ماضي روسيا أولهما الطقس وثانيهما العامل الجغرافي. وفيما كان الأول قد ألقى بظلاله على الجوانب المتعلقة بالتكوين الأساسي لشخصية الشعوب الروسية كان الثاني قد ألقى بظلاله على التكوين الأساسي لطبيعة الدولة الروسية، وحيث لا توجد حواجز طبيعية تعيد تعزيز مسألة الحدود كانت تلك الحواجز أكثر مرونة وأكثر انكماشا في حال وقوع أي غزو خارجي أو أزمة داخلية، وأكثر توسعا أيام الفتوحات. تلك الحقيقة التي كانت تعزز على مدى العصور منذ التحول القسري إلى المسيحية إلى عهد الاصلاحات الكبرى في عهد الملك بيتر إلى إعادة تمركز القوة الدافعة لحكومات ما بعد الحقبة السوفييتية. وهنا ينجح مؤلف كتاب روسيا والروس في الربط بين تلك التوجهات وبين الطبيعة الامبريالية للتوسع الروسي والمفاهيم المتضاربة المتعارضة للهوية الروسية التي أوجدها الفكر الاستعماري. وإذا كان هذا الخليط من التحليلات المختلفة للأوضاع السياسية والاقتصادية وخلال الحقبة السوفييتية قد تحول إلى سلعة رائجة ملائمة لكتابة المذكرات والمحاضرات بالنسبة للكثيرين من جانب آخر فإن ما يعنيه ذلك هو ثقة القاريء فيما يقوله الكاتب أو الصحفي أو الأكاديمي الذي يجنح في مؤلفاته حول هذا الموضوع بين المعرفة التاريخية والمشاهدات الشخصية. وإذا كان بعض الكتاب الغربيين المهتمين بالشئون السوفييتية والأمريكيين على وجه التحديد لايزالون ينكرون الحقيقة في تعاملهم مع روسيا على اعتبار انها كانت الاتحاد السوفييتي أو الخطر البعيد الذي يهدد من خلال سمعته السابقة وأشياء كالقبضة الحديدية وتركيز السلطة الاقتصادية في يد الدولة وخطابات زعمائه السابقين ومنتدى موسكو الذي كان يعقد بين الفينة والأخرى، فإن هوسكنج يبدو كما يقول مختلفا وبعد تأليفه واحدا من أكثر كتب التاريخ جدارة بالاهتمام (يقظة الاتحاد السوفييتي) في الثمانينيات يقوم بتأليف كتاب آخر يؤرخ لنحو 74 عاما من عمر روسيا باعتبار أنه يتعدى نحو الـ 1000 عام. بالنسبة لهوسكنج فإن عوامل كالبحث عن الحماية الشخصية كبديل مقنع لعدم القدرة على اثبات الذات أو القوانين المتداعية والفساد الاخلاقي الناشيء عن الشعور بقيام الطرف الآخر بدور الحارس الشخصي كانت كلها من التجارب المعروفة التي مر بها المواطنون الروس وبدلا من أن تكون مجتمعا مدنيا كانت روسيا ولاتزال شبكة عمل لما يسميه شبكة الراعي والتابع وقد يكون الراعي في هذه الأحوال هو واحد من طبقة النبلاء أو القيصر أو الرئيس أو الوزير أو رجل الأعمال أو رجل العصابات أو رجل الدين بغض النظر عن المؤسسة السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية الهشة. احدى أكبر مآسي روسيا كما يراها المؤلف هي أن رؤساؤها يعون هذه النظرية وهي أنه من الأفضل لهم أن ينقلوا سلطتهم إلى المؤسسات والمجالس التشريعية والقضائية التي تمثلهم بدلا من نقلها إلى أشخاص بعينهم. وبعكس ما يتوقعونه فإن المحصلة الفعلية لذلك تتحول في العادة إلى ارتداد للوراء وخوف مما تمثله الطبيعة الجغرافية واتساع رقعة الدولة والمزاج المتقلب لشعوبها وتعذر إمكانية الدفاع عن حدودها بسبب انعدام عوامل السيطرة الذاتية القوية وتحت سيطرة الضغوط القوية التي تمارسها المؤسسات التي تكون قد أوكلت إليها مهمة حماية البلاد وخوفها على مصالحها وامتيازاتها الشخصية وتجاهلها على نحو مستمر الدروس التاريخية السابقة يصبح من الممكن لشيء كتلك الملكية أو الديكتاتورية المطلقة أن تفرض وجودها بواسطة ما يعرف بالاصلاحات الجذرية الراديكالية دون أن تصلح نفسها. لتقريب هذه النظرية من ذهن القاريء وكنوع من التمحيص التاريخي يعود هوسكنج بقارئه إلى القرن السادس عشر ويختار نموذجا أكثر تطرفا هو القيصر ايفان الرهيب الذي يتهمه بادخال أسوأ تقليد سياسي روسي، حيث ومن أجل توحيد وإدارة روسيا كان الحكام الروس يتبعون أسلوبا قاسيا لا انسانيا حتى في اختراقهم للقوانين وتحديهم الادارة الالهية إلى الحد الذي يحمل على المغامرة بما يتعلق بالوحدة الوطنية والأخلاق بما في ذلك المباديء التي تتأسس عليها الملكية نفسها وهو ما ينعته المؤلف بنظام الحكم الروسي القريب إلى حد الاستثنائية أو الامبراطورية الضخمة المتعددة الأجناس المعرضة للانهيار في أي لحظة الواقعة تحت النفوذ الشخصي الواهن ولا عجب في أن يقال بأن الشيء ذاته مازال مستمرا بعد مضي خمسة قرون من رحيل ايفان الرهيب ووصول فلاديمير بوتين إلى السلطة. يبدو هوسكنج وكأنه يسعى جاداً إلى التأكيد على صحة فرضيته حول الأسباب التي كانت تحول دائما بين روسيا وبين قدرتها على التحول إلى دولة واحدة متماسكة وهو ما يوفر مدخلا جيدا إلى التعرف على طوبوغرافية المكان وتركيبته الجغرافية. بالاضافة إلى أشياء ترتبط بالعلاقة بين الحياة البيئية والبشرية والتاريخ بدءاً بما يسميه حقبة «Kievan Rus» «روس كييف» والمنغوليين ثم الروس الموسكوفيين والمجتمع السوفييتي دون أن ينسى الإشارة إلى أمور كالثقافة الشعبية والتوجهات الأكاديمية. والمفكرين المنشقين ذوي النفوذ القوي وما إلى ذلك من الاحصائيات والتقارير الدقيقة التي تبدو في جملتها من مستلزمات طلاب الجامعات المتخصصين في مادة التاريخ أو المؤرخين المبتدئين. ولاشك في أن هوسكنج (أستاذ التاريخ في جامعة لندن) يقدم بذلك تقريرا شاملا أيضا عن روسيا مع تسليط الضوء على العلاقة بين الروس وغير الروس كما يؤكد تقريره هذا بتوضيح حقائق تتعلق بالامبراطورية الروسية العظمى التي نشأت منتصف القرن السابع عشر وانتجت تلك الصراعات الفكرية القوية التي استمرت فيما بعد والتي نشأت بفعل تنافس شخصية استعمارية مثل روسيسكي وشخصية أخرى عرقية هي روسكي. وثمة ما هو أكثر منها أهمية كالصراعات الرئيسية بين المجتمع الفلاحي الروسي وبين المجتمع الصناعي والصراع بين الملكية المقدسة وبين الكنيسة الارثوذكسية. ان ما يخلص إليه قاريء كتاب روسيا والروس هو الاعتراف بأن مؤلفه يمتلك نوعا من حدة الذكاء ونفاذ البصيرة اللذين يتمكن من خلالهما من الغوص في أعماق التاريخ ليشعر القاريء بعد ذلك بالمامه بالمزيد من الحقائق التاريخية المتعلقة بروسيا والروس ولاشك في أن اقامته الطويلة في روسيا وعمله الأكاديمي كأستاذ لمادة التاريخ الروسي كانا قد أعاناه على القيام بهذه المهمة الصعبة في الواقع. مريم جمعة فرج