بيان الكتب: لا تستطيع وانت تجلس إلى جانب الاميرال جاك لانكساد، إلا وأن تستعيد بعض اللحظات «الكبرى» التي شهدتها أزمة ثم حرب الخليج. ففي الوقت الذي كانت فيه انظار العالم كله تتوجه نحو مدينة جنيف السويسرية حيث كان اجتماع «الفرصة الأخيرة» بين وزير الخارجية الامريكي آنذاك جيمس بيكر ونائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز، كان هذا الرجل الذي يجلس إلى جانبك ـ يتناول طعام العشاء مع الرئيس الامريكي السابق جورج بوش في احد المطاعم الصينية بواشنطن. كان الرئيس السابق بوش ينتظر رداً على «رسالة» حملها بيكر وكانت موجهة للرئيس العراقي صدام حسين وتطالبه بلهجة «حادة»، تدفع للرفض وليس للقبول، بان «يتنحّى» ويعلن «مسئوليته عن الأزمة ـ كي لا تقع الحرب». رفض الوفد العراقي استلام الرسالة، وحدث ما يعرفه الجميع. هذا الرجل المتواضع الهاديء يحدثك عن اسرار لحظات تسمّر العالم كله امام شاشات التلفزة كي يعرف نتائجها وهل هناك «حرب او لا حرب». انه يحكي لك عن بعض خبايا «مخزن الاسرار» التي تقاسمها خلال سنوات مع كبار هذا العالم والتي يقدم شهادته عليها في كتاب «عندما تأرجح العالم» الذي نقدمه لقراء «بيان الكتب» وكان لنا مع مؤلفه هذا الحوار حول ما جاء فيه: ـ بيان الكتب: اميرال سؤالي الأول حول كتابتك «عندما تأرجح العالم» يتعلق بالعنوان الذي اخترته للحديث عن حرب الخليج الأخيرة اذ اسميتها بـ «حرب ميتران». فهل كانت هي فعلاً حرب ميتران ام حرباً وجد ميتران ومعه فرنسا مرغمين قسراً للدخول في التحالف الدولي العسكري ضد العراق؟ ـ الاميرال لانكساد: اعتقد شخصياً انه منذ حدوث الغزو العراقي للكويت كان الرئيس فرانسوا ميتران مصمماً على ضرورة ايجاد السبل لاعادة احترام الحق الدولي الذي مثل ذلك الاعتداء مساساً كبيراً به. وانطلاقاً من تلك اللحظة كان يعرف بأن الحرب ربما ستكون قادمة. كان هناك منطق يسير في ذلك الاتجاه بالنسبة له. وبالتالي كان هذا الملف من مسئوليته شخصياً كرئيس لفرنسا وهو الذي تعامل معه وصولاً إلى الحرب. بهذا المعنى كان هو صاحب القرار منذ البداية كان يحس بان الحرب قادمة. وهذا يمكن فهمه من خلال العلاقة مع المسار السياسي لميتران في فرنسا فهذا الملف كان يعتبره بمثابة «ملفه» وهو الذي قاد الفرنسيين إلى القبول بأنه كان ينبغي خوض تلك الحرب، لكن هذا لا يعني بأنه هو الذي قررها بالنسبة للمجموعة الدولية كلها. ـ فمن السياق نفسه وضمن المنطق لي سؤال حول دور شخصية فرنسية هو جان بيير شوفنمان الذي كان آنذاك وزيراً للدفاع في الحكومة الفرنسية. من الملاحظ انك تقدم في كتابك التعارض بين ميتران وبين شوفنمان وكأنه تعارض بين الرئيس الذي كان يريد انسحاب العراق من الكويت وتحريرها وبين وزير دفاعه الذي كان يريد شيئاً آخر. اريد ان اشير إلى انه توجد لدى الرأي العام العربي فكرة تقول بأن شوفنمان كان يبحث عن الانسحاب العراقي حصراً، اي تحرير الكويت دون تجاوز الحدود. لعل هذا لم يكن واضحاً تماماً في الكتاب؟. ـ أولاً علي ان اقول بأنني احترم كثيراً جان بيير شوفنمان اذ انني عملت رئيساً لمكتبه العسكري كانت وجهة نظره هي بالتأكيد استعادة الكويت لسيادتها على اراضيها. لكنه كان يعتقد بأنه لا ينبغي الوصول إلى هذا الهدف بواسطة اعمال قمعية ضد النظام العراقي. كان اذن يتفق مع الرئيس على الهدف في تحرير الكويت ولكن ليس على الوسائل المطلوبة. واعتقد انه ينبغي ان نفهم مصدر موقف شوفنمان اذ هناك مصدر مزدوج. الأول هو انه كان يقدر كثيراً البعث العراقي الذي كان يمثل برأيه العالم العربي الحديث بمواجهة بعض التهديدات ذات الطبيعة التطرفية.. ولذلك كان يريد المحافظة على النظام العراقي، وايجاد اتفاق معه بالتأكيد ولكن دون المساس به بشكل خطير. المصدر الثاني لشوفنمان هو معارضته المفرطة للولايات المتحدة الأمريكية اذ لم يكن يريد بأن يتم الضغط على العراقيين بالاتفاق أو بالتعاون مع واشنطن. ـ سؤال آخر ضمن نفس الاطار. في الفصل الخاص بحرب الخليج لم تتحدث كثيراً عما اسماه بعض الخبراء بأن فرنسا قد ظهرت من خلال التعبئة لتلك الحرب ومشاركتها فيها وكأنها قوة عسكرية متوسطة بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تتحدث أيضاً في الكتاب عن ضرورة اقامة شراكة أوروبية معها. فكيف اليوم الوزن العسكري لفرنسا على ضوء مساهمتها في حرب الخليج وعلى المسرح الدولي الراهن؟ ـ اولاً للاجابة على ملاحظتك حول المشاركة العسكرية الفرنسية في التحالف الدولي، اريد ان اقول بأن الرئيس ميتران قد اتخذ القرار بتحديد تلك المشاركة بالصيغة التي كانت عليها، اي ان تقتصر على بعض الطائرات الحربية وبعض السفن. كان يعتبر بأن هذا الدور الفرنسي المطلوب وليس أكثر. اي ما كان يكفي سياسياً للدلالة على التزام فرنسا حيال تلك الأزمة. الآن، اذا اردت التعبير عن الموقف العسكري لفرنسا في منطقة الشرق الأوسط الذي يتضمن الخليج والبحر الأحمر وشمال المحيط الهندي، فلا شك بأن هذه المنطقة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لفرنسا ويوجد فيها منذ سنوات عديدة قوة بحرية، ليست كبيرة، ولكنها تؤمن وجوداً مستمراً يسمح لها بمتابعة ما يجري في المجال البحري خاصة. وكذلك نحافظ أيضاً على تعاون عسكري مع دول المنطقة، مع الإمارات العربية المتحدة وقطر والسعودية وغيرها. اننا نعتبر هذه المنطقة ذات أهمية اساسية بالنسبة لتوازن العالم على الصعيدين الاستراتيجي.. وأيضاً الاقتصادي بواقع الاحتياطات النفطية التي تحتوي عليها. وفرنسا تعتقد بقوة بأن الولايات المتحدة تعطي اولوية كبيرة لهذه المنطقة وانها تريد المحافظة على استقرارها، لكن فرنسا تعتبر بأنه ينبغي عليها ان تكون موجودة أيضاً كي لا يكون هناك صوت واحد بل ان يكون الصوت الأوروبي، وخاصة الفرنسي، مسموعاً هو الآخر من هنا يأتي الجهد الكبير الذي نبذله باتجاه هذه المنطقة. ـ الردع النووي انك تعطي أهمية كبيرة لهذا الموضوع في الكتاب لدي سؤالان احدهما يتعلق بالتجارب النووية الفرنسية والثاني بالمفهوم الفرنسي النووي الحالي بعد سقوط جدار برلين. بالنسبة للتجارب النووية لقد قرأت في مكان ما قولاً لفرانسوا ميتران مفاده انه لن يكون هناك أي رئيس فرنسي سيسمح باستئناف هذه التجارب. مع ذلك ومع وصول الرئيس جاك شيراك للسلطة بفترة قصيرة اعطى الأوامر باستئنافها؟! ـ لقد تفاجأت كثيراً بقرار الرئيس ميتران بتعليق التجارب النووية، لان ذلك لم يكن يتناظر مع ما كنت اتوقعه من موقفه هو نفسه منها. لكن في الوقت نفسه كان ميتران شديد التعلق بنزع السلاح وبكل ما يمكن ان يبدو كرسالة باتجاه تخفيف التوترات. لذلك اعجبته الفكرة التي اقترحها على بيير بيريجوفا ـ رئيس وزراء فرنسا آنذاك ـ بتعليق التجارب النووية ـ لكنني مقتنع بانه قد ادرك فيما بعد تدريجياً بانه لم يترتب على قراره ما كان يرجو منه وبان رجل السياسة لا يمكنه ان يفرض قوانينه على العلم. اعتقد انه واجه هذا التناقض بين الهدف السياسي والواقع التكنولوجي ولذلك حاول ان يؤكد بأنه لن يكون هناك اي رئيس سيعطي قرار السماح باستئناف التجارب النووية. لكنني مقتنع ايضاً بأنه كان مدركاً بأن الاشياء تسير بشكل آخر. اذ قبل بتشكيل لجنة خبراء وعينني رئيساً لها مع علمه الأكيد بأنني كنت مع استئناف التجارب النووية. ثم ترك المجال للمفوضية المسئولة عن الطاقة النووية وللجيش من اجل تنظيم وتحضير حملة بحيث انه لم يكن مطلوباً من الرئيس جاك شيراك إلا ان يتخذ القرار. كان ذلك شجاعاً من قبله بالاعتماد على ما جرى اعداده في عهد ميتران. ـ اميرال، تقدم المفهوم النووي للرئيس ميتران في كتابك وكأنه في نفس النهج الذي رسمه الجنرال شارل ديجول.. هل كان ميتران ديجولياً فعلياً حول هذا الموضوع؟ ـ بوضوح اقول ان ميتران الذي عملت معه كان يفكر حسب نفس النهج الديجولي، وذلك حول نقطتين الأولى تتعلق بالردع النووي الاستراتيجي وبالمفهوم النووي الفرنسي ذي الطابع السياسي اساساً. كان ميتران مثل ديجول معارضاً تماماً للحرب النووية، للمعركة النووية، وانما كان السلاح النووي اداة سياسية واستراتيجية للردع ترمي إلى منع اي خصم من القيام باعتداء. أما النقطة الثانية فتتعلق بالعلاقة مع الحلف الاطلسي، لان ميتران كان معارضاً بشدة لعودة فرنسا الى البنى العسكرية للحلف اي ما يتماشى تماماً مع المباديء الديجولية، هذا قد يفاجيء ولكن هذا هو الواقع. ـ سؤالي الأخير، اميرال، تتحدث في كتابك عن مساهمة أكبر فأكبر للعسكريين في القرار السياسي لبلدانهم، بما في ذلك بالنسبة لبلد ديمقراطي مثل فرنسا. هذه مسألة مهمة ومثيرة للقلق أيضاً، أليس كذلك!!. ـ ما أقوله ان الوضع الجديد لعالم اليوم الذي يواجه حالة من عدم الاستقرار والعديد من الأزمات يتطلب من بلد كفرنسا أو كأوروبا والحلف الاطلسي القدرة على ما يسمى بـ «معالجة الأزمات». وكان منظر الحرب كلاوزفتس قد قال بأن الدبلوماسيين يتحركون وعندما يفقدون القدرة على ذلك يطلبون من العسكريين القيام بالحرب وعندما تنتهي الحرب يستعيد الدبلوماسيون الأمر بيدهم كي يعقدوا الاتفاقات الخاصة بالسلام. في حالات الأزمة المسألة مختلفة اذ ان مختلف الفاعلين يساهمون معاً في محاولة الوصول إلى حل من سياسيين وعسكريين واقتصاديين وغيرهم.. المطلوب التنسيق بين الجميع وبالتالي لابد ان يأخذ العسكريين مكانهم إلى جانب السياسيين والعسكريين لمواجهة الأزمات. ـ ختاماً اسأل: يقول صموئيل هنتنجتون، الباحث الأمريكي، في كتاب اخير له بعنوان «تصادم الحضارات» بان القرن الحادي والعشرين سيشهد نوعاً من الصدام بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، هل في حديثك عن مصادر التهديد الجديدة لأوروبا.. ولفرنسا اشارة بشكل ما إلى مثل هذا «التصادم»؟ كلا. لا اعتقد بهذا. قد تكون هناك مؤثرات داخل العالم الإسلامي نفسه وتوترات بين بعض الحركات الإسلامية والعالم الغربي ولكن لا اعتقد بتصادم بين العالمين. اذا كنت اتصور ان شيئاً ما خطيراً يمكن ان يحدث فإنه بالأحرى يخص الوضع الخطير جداً الذي تشهده آسيا. اعتقد ان آسيا تمثل أكبر الاخطار اليوم