لا يتيح ازدياد الأراضي المسورة والمحميات الطبيعية ايقاف تدمير التنوع الحيوي. هذه النتيجة أكدها «الاتحاد الدولي من أجل الطبيعة» وعدد من المعاهد العالمية للأبحاث الزراعية خلال المؤتمر الذي عقد مؤخرا في لندن. وتنطبق هذه الحالة بشكل خاص على المناطق الاستوائية، حيث تتركز غالبية الأنواع البرية. الا ان الضغط السكاني والبؤس هما حقيقيان في هذا الجزء من العالم. ومن أجل سد حاجاتهم، يقوم السكان بزراعة واستغلال المناطق المحمية على حساب الحيوان والنبات. وللقضاء على هذا الوضع غير الصحيح، وايقاف هذا التدمير، اقترح «الاتحاد الدولي من أجل الطبيعة» التوفيق بين الزراعة والحفاظ على المملكتين الحيوانية والنباتية، وهو ما يشير إلى حدوث تغير في عقليات العديد من أنصار الحفاظ. لقد أصبح من الثابت ان الكوكب يواجه اليوم أزمة انطفاء للأنواع على غرار اختفاء الديناصورات منذ 65 مليون سنة. كانت قد حدثت كوارث مماثلة عبر الأزمنة الجيولوجية، غير ان هذه هي أول مرة يكون المسئول عن مثل هذه السيرورة كائن أرضي، الانسان. ويقدر ان معدل انطفاء الأنواع في الوقت الحاضر هو أعلى بأربعين مرة من معدل الانطفاء الطبيعي. وفي بعض المناطق، كالغابات الاستوائية، هذا المعدل هو أعلى بـ 10000 مرة. لا يدمر الانسان فقط المواطن الطبيعية، بل أيضا نصف الـ 17000 أرض مسورة ومحمية التي أنشئت في العالم بهدف حماية التنوع الحيوي، وذلك من أجل استثمارها وزراعتها. تشمل حالة الفشل هذه المناطق الاستوائية بشكل خاص، حيث يتركز عدد كبير من الأنواع الحيوانية والنباتية، وهذا ما يسمونه بالعبارة الانجليزية «النقاط الساخنة» للتنوع الحيوي. هذه «الملاذات» الطبيعية، التي لم تعد تمثل اليوم سوى 14% من سطح الكوكب، تضم بمفردها نحو نصف النباتات وأكثر من ثلث الفقاريات. الا ان السكان، في تسع عشرة من هذه النقاط الساخنة، يزدادون بمعدلات أسرع قياسا ببقية العالم ويعانون من الجوع. يقول باحث من «الاتحاد الدولي من أجل الطبيعة»: كي نحافظ على التنوع الحيوي، لم يعد التسوير كافيا. يجب تطبيق سياسة حفاظ جديدة. لقد أظهرت المناطق المحمية محدودية فعاليتها منذ سنوات مضت: تتحول سريعا إلى جزيرات، وتعيق تبادلات الدفوق الجينية، وتتلاشى شيئا فشيئا في وسط الأراضي الزراعية. ولوحظ ايضا انها بلا جدوى غالبا، لانه لا يمكن لأي نوع البقاء إلا إذا كان أمثاله كثيري العدد، والحال ليست كذلك. ومن بين الثدييات الضخمة مثلا، يرى العديد من العلماء ان الفيلة، والغوريلا، والنمور محكومة بالانقراض بسبب قلة قطعانها. منذ سنوات مضت، كانوا يشيرون في المجلات المتخصصة إلى ضعف فعالية الأراضي المسورة والمحميات وقيودها. وفي الثامن من مايو الماضي، استخلص «الاتحاد الدولي من أجل الطبيعة»، المتعاون مع «فيوشر هارفست» وهي منظمة عالمية مقرها واشنطن وتضم ستة عشر من معاهد الأبحاث العالمية الشهيرة، دروسا رسمية جدا من هذا الفشل الجزئي. عمل اختصاصيو الزراعة والبيئيون لزمن طويل كل منهم بعيدا عن الآخر. يجب البدء بالعمل معا إذا أردنا اطعام السكان وحماية الحياة البرية. على الفلاحين الفقراء الافادة من التنوع الحيوي وليس جعلهم يدفعون ثمنه، على حد عبارة «بربارة روز» مديرة «فيوشر هارفست». كانت قد أجريت تجارب كثيرة في زامبيا، والفلبين، وكوستاريكا، وتركيا، ونيبال، وبريطانيا والولايات المتحدة أيضا. وقدمت الجمعيتان المعنيتان حصيلة أولى عن هذه البرامج المختلفة: التزاوج بين البيئة والزراعة أو ما يسمونه البيئة ـ الزراعة. وتشكل «الحديقة الكوكبية»، التي عرضت العام 2000 في «مدينة العلوم الفرنسية» نموذجا لهذه المقاربة الجديدة. ان الحد من تدمير المواطن الطبيعية، وايجاد شبكات مواطن للانواع البرية مرتبطة بالمساحات المزروعة، وايجاد محميات الى جوار الحقول، وتشجيع النباتات المعمرة، وتقليل التلوث، كل ذلك هو جزء من المعارف التي عمل بها البيئيون منذ عدة سنوات. بالمقابل، التغير الذي ينطوي عليه ذلك بالنسبة للعقليات هو أكثر جذرية. يجهد الفلاحون منذ قرون لتنظيف الأرض من كل نبات طبيعي واستئصال كل حياة برية من مزارعهم. واليوم، نطلب منهم قبول عودة الحياة البرية، على حد عبارة «ساره شير» من جامعة ميريلاند. ومن المؤكد ان ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها. لكن الوقت يمر بسرعة. لقد اجتيزت مرحلة جديدة في تاريخ الحفاظ على الأنواع