حولت أبنية المسالخ القديمة إلى متحف للفن الحديث والمعاصر في اطار تجربة فريدة في فرنسا، نجحت في انجازها مدينة تولوز الواقعة في الجنوب الغربي الفرنسي الغني بمؤسساته الثقافية والعلمية. بعد عدة اشهر من تدشين هذا المجمع المتحفي الذي لا يزال يحمل اسم «المسالخ» يقام معرض بارز يضم 82 لوحة لببير سولاج، في اضخم معرض مكرس في فرنسا لساحر اللون الاسود. وعندما صمم المعماري التولوزي الشاب أوربان فيتري «1802 ـ 1863»المسالخ عام 1831 وشيدها بحجر قرميدي احمر على ضفة نهر الجاروج اليسرى، كان قد استوحاها من المبنى الديني الشهير وتحفة الفن الروماني في العمارة، أي كاتدرائية سان سيرنان. وحسب تصميم الكاتدرائية. عام 1988، اقفل هذا النموذج الجميل من عمارة القرن التاسع عشر الصناعية، وسجل بعد سنتين على قائمة المباني التاريخية. حافظ المعماريان انطوان ستينكو وريمي بابيو المكلفان عام 1995 بتحويل مبنى المسالخ إلى «حيز تولوز ميدي ـ بيرينه للفن الحديث والمعاصر»«حسب التسمية الرسمية»على التصميم والحجم اللذين وضعهما اوربان فيتري، وركزا على التناسيق مقابل نهر الجارون، وعلى مزج الضوء الطبيعي والصناعي وعلى امكانية تحول القاعات بحواجز نقالة ظلت القاعة المركزية الكبرى المشيدة بالحجر القرميدي الاحمر قلب المتحف ووزعت قاعات العرض على طوابق ثلاثة مضافا اليها صالة للاستماع تحت ارضية، مع مكتبة «ضمت مكتبة للأطفال وحيز لتعددية الإعلام»ومحترفات ومقهى ومطعم. يمتد مجمل البناء على مساحة 7000 متر مربعا استغلت بشكل واسع في أعمال تربوية يقوم بها المتحف بنجاح «لشرح الفن الحالي للفتيان بين 8 و 12 عاماً». وتضم مجموعات المتحف الدائمة، أكثر من 2000 تحفة من «رسم ونحت ونقش وصورة ومنشأة»تغطي النصف الثاني من القرن العشرين. وتقدم خصوصاً فكرة عن التيارات الفنية العديدة التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا وفي الولايات المتحدة واليابان، من الانطباعية المجردة حتى الرسم الحر مروراً بالفن الخام والفن غير الشكلي وكوبرا والارت بوفيرا. واغتنت هذه المجموعة الدائمة بتقدمة ممتازة من الفرنسي دانيال كوردييه «حوالي 400 عمل» وضعت في مستودع في المتحف الوطني للفن الحديث «مركز بومبيدو في باريس» وبتقدمة اخرى من حوالي 50 تحفة من الخمسينيات والستينيات جمعها المصور الانجليزي انطوني ديناي «1913 ـ 1990». مع ذلك فإن رائعة المتحف التي «رممت بفضل تبرع من احد المحسنين وتعرض ستة اشهر فقط في العام لحساسيتها» هي ستارة المسرح الشهيرة التي انجزها بيكاسو عام 1936 بمناسبة 14 يوليو للجبهة الشعبية. لم تتح مهلة الطلب القصيرة لبيكاسو انجاز عمل فريد ومتكامل، فقرر تكبير لوحة بالغواش يعلوها حبر صيني رسمها في 28 مايو 1936 هي «جلدة مينوتور في ثوب ارلكان». وكانت النتيجة ستارة مسرح رائعة من القطن، رسمها ولونها على الأرض لويس فرنانديس، الرسام الاسباني وصديق بيكاسو، حسب تقنيات المربعات انطلاقاً من لوحة جواش بيكاسو الذي اضاف اليها بعض الخطوط وقدم بيكاسو هذا العمل إلى مدينة تولوز عام 1965. واضيف اليها حوالي 20 رسما ونقشا لبيكاسو لتفسير موضوعة العمل. تعرض اليوم في قاعة تحت الارض خاصة بالتناوب مع عمل آخر. يعتبر المتحف هذه الستارة «رمزا يدشن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تشمل مجمل محتوياته». وتحمس بيار سولاج لهذا المتحف الفريد حيث عرض 82 لوحة من بين 1200 عمل مع العديد من الرسوم على الورق من فترة تمتد على مدى خمسين عاماً مبينا ان «اللون الاسود هو لون اضاءة». فمنذ مدخل القاعة الرئيسية يبدو الضوء متلألئا حول اخاديد ثلاث لوحات شاسعة معلقة في القبة، يمكننا ان ندور بسهولة حولها. لم توضع صدفة هذه الاخاديد التي تمسك بالضوء، لأن بيار سولاج يستعمل لرسم لوحاته في فراشي ومشاحف يصنعها بنفسه كمجمل أدواته. في هذا الصدد يقول: «ما ان نختار الفرشاة حتى نبدأ العمل». ثمة رؤية آسرة اخرى في لوحات سولاج هي ما يقدمه المشهد المطل من سقيفة المتحف على القاعات السفلى التي عرضت فيها لوحات متعددة المصاريع «324 X 362م»وسوداء طبعاً. هذه اللوحات ذاتها هي التي اتاحت لسولاج ان يكون بين رسامين نادرين دخلوا متحف اللوفر في حياتهم وخلال معرض للوحات متعددة المصاريع في الفن. وتوجد قاعة خاصة للرسم بصباغ الجوز يقول سولاج «انها مادة عادية جدا ورخيصة الثمن وتعطي لونا اسود عميقاً وحاراً أحبه جداً»استعملها خلال مراحل عديدة من اعماله منذ 1948 وحتى 2000 خلال الزيارة نتذكر ان سولاج استعمل الوانا اخرى. انها لمتعة ان نتأمل لوحات الخمسينيات وحتى السبعينيات التي اختلط فيها الاسود بالأحمر والأزرق والاصفر والبني لكن نقطة المعرض الختامية هي في «قاعة بيكاسو»تحت ارض المتحف حيث لوحات «الاسود الزائد» ـ تعبير لسولاج ـ التي يقول عنها: هناك ما وراء الأسود، ضوء معكوس ينقله الأسود
