مازال فيلم «جواز بقرار جمهوري» الذي يخوض به المخرج خالد يوسف تجربته السينمائية الثانية، بعد (العاصفة)، يحصد ثمار أزمة انفجرت بين مخرجه وبين رقابة المصنفات الفنية، وأزمة أخرى وقعت بين المخرج ومؤلف الفيلم السيناريست محسن الجلاد. ورغم أن خالد يوسف بدأ تصوير الفيلم الأسبوع الماضي مع فريقه المكون من هاني رمزي وحنان ترك وحسن حسني وشعبان حسين و.. غيرهم، الا أن ظلال الأزمتين انسحبت على كل شئ ولم يمنعها محاولات محمد حسن رمزي منتج الفيلم الحريصة على عدم افلات زمام الأمور أو اتلاف مشروعه الذي يعيده الى ساحة الانتاج مرة أخرى بعد غياب دام طويلا اكتفى خلاله بالتوزيع السينمائي فقط.. والموضوع ببساطة شديدة هو أن السيناريست محسن الجلاد كتب فيلم جواز بقرار جمهوري الذي تدور فكرته حول موظف بوزارة الخارجية يحب فتاة وتضطره الظروف للعمل كسائق تاكسي للمساعدة في الارتباط بتلك الفتاة، وبعد مفاوضات مع أهلها يوافقون ليبدأ الاعداد للزواج، ويقوم الطرفان بوضع قائمة بأسماء المدعوين للحفل. ولأن والد الفتاة موظف كبير بوزارة المالية فإن البطل يفاجأ باسم الوزير بين المدعوين، فتداعب خياله فكرة المزايدة على أهل العروس، ويقرر دعوة رئيس الجمهورية، فتحدث المفاجأة ويوافق الرئيس على حضور الحفل، وفي المنطقة نفسها التي تسكن فيها العروس. وفيما يكون الجميع مندهشين من موافقة الرئيس، يقوم أمن الرئاسة باعداد الترتيبات الأمنية اللازمة لحضور الرئيس للحفل. ويتحدد موعد الزواج بقرار جمهوري طبقا لمواعيد الرئيس، لكن في اثناء ذلك تحدث خلافات بين العروسين وتصل ذروتها الى تقرير كل منهما عدم اتمام الزيجة، وهنا يتدخل رئيس ديوان رئيس الجمهورية، فقد تم وضع الحفل ضمن مواعيد الرئيس واتخذت الترتيبات اللازمة لذلك، وعليه يضطر العروسان لاتمام مراسم الزواج.. وهكذا يتم الزواج بقرار جمهوري. ماسبق هو اختصار لسيناريو الفيلم الذي ذهب الى الرقابة للحصول على تصريح بالتصوير، فوافقت الرقابة وان أبدت ثلاث ملاحظات أولها يتعلق بشخص الرئيس، وثانيها على عمل البطل كسائق تاكسي وهو الموظف بالخارجية، أما الملحوظة الثالثة فكانت على العنوان: جواز بقرار جمهوري. لم تكن لملاحظات الرقابة علاقة بالابداع أو بأي موقف سياسي أو ماشابه، لكنها كانت متعلقة بوثائقية الحدث التاريخي ازاء شخصية غير تكرارية هي شخصية الرئيس، بمعنى أن الثابت وغير القابل للشك أن رؤساء مصر لم يحضروا أي حفل زفاف لمواطن، بل أن سجلات المحاكم المصرية مليئة بمئات القضايا التي أقامها مواطنون ضد رئيس الجمهورية بصفته لأنه لم يلب دعواتهم لحضور حفلات زفاف أو أعياد ميلاد. أما الملاحظات الأخرى فيمكن احتسابها على الرقابة، وإن كانت لا تساوي الحملة الهجومية التي اثيرت ضدها وشارك فيها بعض الكتاب والصحفيين، وأثناء اندلاع هذه الحملة كان محسن الجلاد مؤلف الفيلم يحل المشكلة بشكل جذري مع د.مدكور ثابت رئيس الادارة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية، وكانت النتيجة أن حلت المشكلة بشكل رضى الطرفان عنه. محسن الجلاد من جانبه بادر بتقديم اقتراح بشأن الملحوظة الأساسية، وحسم الأمر بأن كتب ضمن عناوين بداية الفيلم ونهايته لوحة مكتوب عليها (فيلمنا هذا لا يستند على وقائع تاريخية حدثت بالفعل، وانما هو مجرد شطحة خيال كوميدي من مؤلف الفيلم) وفي ذيل هذه اللوحة توقيع المؤلف، مع المحافظة على أحداث الفيلم والخطوط الدرامية به والمواقف الكوميدية بداخله. وبمجرد عرض هذا الاقتراح على د. مدكور ثابت أبدى موافقته مع توجيه الشكر للمؤلف على هذا التفهم خاصة وانه اقتراح يعالج الملحوظة الأساسية ولا يجور على ابداعات العمل أو يعدل فيها. أما فيما يتعلق بالملحوظتين التاليتين فقد ترك د.مدكور الامر لمسئولية أسرة الفيلم من حيث الصورة النهائية بحيث تبقى كل منهما معلقة بالشريط النهائي ومسئولية اصحاب الفيلم من الناحية الابداعية. وفي النهاية طلب د.مدكور أن يكتب التظهير على نسخة السيناريو المقدمة أصلا باسم المؤلف متضمنا ماجاء في اقتراح المؤلف، مع نص الموافقة، بالاضافة الى مستلزمات صياغة التظهير من الناحية القانونية. انتهت مشكلة الفيلم مع الرقابة لتكشف عن مشكلة أخرى بين صانعي الفيلم، وتحديدا بين مخرجه ومؤلفه، حيث تقدم السيناريست محسن الجلاد بمذكرة الى رئيس الرقابة يشكو فيها من أن المخرج والمنتج قاما باجراء تعديلات جوهرية وصارخة في سيناريو وحوار الفيلم، وطلب منه وقف التعامل مع النسخة المعدلة والمشوهة على حد تعبيره والتعامل فقط مع السيناريو الأصلي الذي قدمه الجلاد والشركة المنتجة وتمت الموافقة عليه في 29 مايو الماضي. الجلاد أضاف في مذكرته: (أن مايتم تصويره هو ماتحتويه النسخة المعدلة التي أوقفتم يقصد د.مدكور التعامل معها طبقا لقانون حق المؤلف، وليس ماتحتويه النسخة الأصلية المجازة رقابيا. وأوضح محسن الجلاد أن مايتم تصويره يحمل فكر المخرج الذي أعاد كتابة السيناريو والحوار، وبالتالي فهو لا يمت بأي صلة للسيناريو الأصلي من حيث الأحداث ومنطقيتها وبساطة الفكرة التي تعتمد على كوميديا الموقف. بعد ذلك طلب (الجلاد) من الرقابة الموافقة على اصدار أوامر بأن يرافق تصوير الفيلم يوميا رقيب ذو كفاءة وخبرة ممن قرأوا سيناريو الفيلم المجاز، وذلك لمراقبة مايتم تصويره ولضمان أن مايتم تصويره هو السيناريو الأصلي المجاز رقابيا. انتهت مذكرة المؤلف محسن الجلاد والتي أحالها د.مدكور ثابت الى ادارة الأفلام العربية (لاتخاذ مايلزم فورا نحو طلبات مؤلف الفيلم وتحذيراته بعد الرجوع الى تقرير لجنة تحقيق النصوص). إلى هنا لا تزال خيوط الأزمة تنسج خيوطها، في الوقت الذي شرع فيه خالد يوسف بالفعل في التصوير دون توقف أو تعطل، ويبقى أن فكرة الفيلم الذي أحاطته المشاكل قبل أن يخرج الى النور سبق وأن تناولتها السينما الايطالية بأكثر من صيغة ولاقت نجاحاً كبيراً. القاهرة ـ مكتب «البيان»: