هي سيدة تعيش مع زوجها في لندن. وتمارس نشاطا اجتماعيا واسعا وسط الجالية العربية. واستطاعت أن تحصل على رقم تليفون سعاد حسني، ولم يكن ذلك صعبا دائما. واتصلت بها. وحاولت سعاد حسني أن تراوغها لكنها قالت إنها متأكدة أن هذا هو رقم تليفونها. وأنها تريد أن تبدي لها اعجابها، واهتمامها بها. وسايرتها سعاد. وربما كانت في حاجة إلى من تتحدث معه. وتحدثت السيدة مع صديقاتها، واقترحت أن يقمن احتفالا على شرف النجمة التي تعيش في لندن للعلاج. وتحمست الصديقات للفكرة. ودعت السيدة سعاد حسني الى حفل على شرفها في مكان عينته ووعدتها سعاد بالحضور. وفي الليلة الموعودة اجتمعت مجموعة كبيرة من العرب الذين يعيشون في لندن، وأوقفوا لجنة لاستقبال النجمة عند حضورها. لكن سعاد تأخرت. واضطروا أن يبدأوا الاحتفال، فتحدثوا عن سعاد حسني، وفنها، وعبقريتها. وفي النهاية اعتذر منظمو الحفلة لأن الفنانة الكبيرة أخلفت موعدها. وسارعت السيدة الى التليفون تطلب سعاد حسني وتلومها لأنها اخلفت وعدها. ولكن سعاد حسني قاطعتها وقالت: لقد أتيت فعلا. ودليلي على أنني أتيت هو أنه حدث كذا وكذا وكذا. وبهتت السيدة التي حكت القصة. فلقد أدركت أن سعاد حسني ذهبت فعلا الى الحفل، لكن أحدا لم يستطع أن يميزها، لأن شكلها تغير في السنوات الأخيرة. وأنا أصدق هذه القصة، لكنني أضيفها إلى الأساطير التي ستحيط بالنجمة التي توهجت لربع قرن، ثم انسحبت ليست فقط من الوسط الفني، بل من كل شئ. ومن الغريب أنني عندما قابلت سعاد حسني لأول مرة لم أميزها كما فعل بالضبط عرب لندن. وكان ذلك في عام 1980 وكلمتني بالتليفون، وكانت لديها قدرة هائلة على الكلام بالتليفون، ولم أكن قادرا على مجاراتها على ذلك، فاقترحت عندما أدركت حالتي أن نلتقى على الغداء، ودعتني الى بيتها في الزمالك في شارع محيى باشا ابراهيم وهو رئيس وزراء خافت الذكر، لا يعرف التاريخ عنه شيئا هاما سوى انه أجرى انتخابات نزيهة. ودققت جرس باب الشقة ففتحت لي الباب سيدة لم أميزها، وإن أعتقدت أنها من الأسرة. وعرفتها بنفسي، فسارعت بدعوتي إلى الدخول. صالون عادي كأي صالون في بيت أسرة متوسطة، وليس في بيت نجمة تملأ سماء الفن. تركتني أتأمل المكان قليلا، ثم عادت، وظننتها قريبة لها، وأنها تجالسني حتى تحضر سعاد نفسها. وصدقت تخميني حتى ضحكت لشئ ما. رأيت عينيها تضحكان، والدنيا كلها تضحك، وعرفت لحظتها فقط أن هذه هي سعاد حسني، وكان قد مضى من بدء لقائي بها مايقارب النصف ساعة. يقول السينمائيون أنك قد ترى سعاد حسني فتراها جميلة أو لا تتوقف عندها، أما الكاميرا فهي عندما تراها تقف مفتونة بها، فالكاميرا تحبها، وتصورها في أجمل الحالات. وفي هذه الجلسة، وربما في جلسات أخرى، تذكرت عبدالرحمن الخميسي وكان ذلك في عام 1977 على ماأذكر وكان يكتب مجموعة مقالات تحت عنوان (اكتشفت سعاد حسني)، واعترضت على هذه المقالات، وقلت له اننا نراه شاعرا عظيما، لذلك فنحن نتوقع منه ديوان شعر، أو كتابا هاما، وان اكتشاف ممثل شئ جميل، لكنه ليس الموهبة التي تذكر، ويستمر الحديث عنها. وكان عبدالرحمن الخميسي وهذا الحديث للذين لا يعرفونه طويل القامة عظيم البنيان، ذا صوت تمثيلي فخيم، فمال علي وقال: أنا أرى أن سعاد حسني أجمل ديوان شعر كتبته في حياتي. وكان من المفروض أن تخرج هذه المقالات في كتاب، ولا أظن انها خرجت في كتاب فعلا. وفي رأيي أن صدور هذا الكتاب الآن شئ هام. وكان عبدالرحمن الخميسي في زيارة لبيتهم، فرآها تقوم بأعمال البيت وكانت في السادسة عشرة أو السابعة عشرة. وأدرك بحسه الفني العميق انه أمام موهبة فنية كبيرة، وربما أكد له هذا أن أباها عمدة خطاطي عصره، وأن اختها الكبرى هي نجاة. وعرض الخميسي عليها.. أن تقوم ببطولة فيلمه الجديد (حسن ونعيمة)، ثم اكتشف أنها لا تعرف القراءة والكتابة فكلف ممثلا كوميديا بارعا هو ابراهيم سعفان أن يقوم بهذه المهمة، وكان ابراهيم سعفان من خريجي الازهر، ولقد مات في أحد الاستوديوهات وهو يؤدي دوره وكان في أحاديثه دائم الفخر بأنه الذي علم سعاد حسني القراءة والكتابة. وعندما عرفت سعاد حسني كانت الفنانة التي أحبها الناس جميعا، لم يخالفهم شخص واحد. فلقد كانت قادرة على أن تشيع السعادة على الشاشة، وأظنها ستظل قادرة على هذا دائما. ومنذ نحو سنة ونصف السنة أو أكثر قليلا خطرت على بالي فكرة ظننتها آنئذ فكرة عبقرية. كنت مثل غيري أعرف أن سعاد حسني تمر بظروف مرضية أظنها بدأت بفيلم (المتوحشة) المأخوذ عن (ترويض النمرة) لشكسبير، ورفضت أن يقوم بدورها (دوبلير) في لحظات الخطر، وكانت النتيجة انها سقطت، وأصيبت فقرات العمود الفقري. وهو ما ازداد سوءا بعد ذلك. وعالجها الأطباء بالكورتيزون، فزاد وزنها، وبدأت تبدو مليئة جدا فهي اذا لم تكن تعرف قصيرة القامة. وأصبح خروجها ولو الى الطبيب مستحيلا. فلقد رفضت منذ مرضها الى وفاتها أن يشفق عليها أحد، ورفضت أن يراها الناس بعيدة عن صورتها السينمائية الساحرة. وسافرت الى لندن للعلاج هناك. ووجدت الراحة في الغربة، فتركت شعرها أبيض، وزاد وزنها، وأصبحت تعاني من عرج خفيف أصيبت به من آلام العمود الفقري، وشلل خفيف لا أدري متى أصيبت به. وهكذا قطعت علاقتها بالجميع. وعرف الناس كلهم أن سعاد حسني لا تقابل أحدا. والفكرة التي ظننتها عبقرية هي فكرة عمل مسلسل اذاعي يبث في شهر رمضان، وتحدثت مع الشاعر عمر بطيشة وكان آنئذ رئيسا للشبكة الرئيسية قبل أن يصبح الآن رئيسا للاذاعة. وتحمس عمر جدا. وتحدثنا اليها. وفي البداية فوجئت من الفكرة، وقلنا لها أنها تستطيع أن تسجل دورها وحدها أو مع الآخرين، في الاستوديو أو خارجه، وقال لها عمر انه يستطيع أن يرسل لها مسجلاً فائق القدرة تسجل عليه دورها. وبدأت سعاد تناقش في كل شئ. وعندما لا يكون لدي شئ أقوله تتكلم هي، وتطول المكالمات، ولما قلت لها مازحا: هذه مكالمات دولية، أتظنين أنك تتكلمين من كفر أبوطشت؟! كانت تطلبني وتعرف نفسها: أنا الحاجة بديعة من كفر أبوطشت وتمثل دور الحاجة بديعة وتبتكر لها الحوار لفترة. وخلال شهرين أو ثلاثة أدركت أنني امام أكثر من قابلت قدرة على المراوغة. لم ترفض الفكرة، وكان مستحيلا عليها تنفيذها، كما أدركت متأخرا. لم تكن سعاد حسني ـ على ما أتخيل ـ خائفة فقط من مقابلة الآخرين، بل ربما كانت تعتقد أن موهبتها اللامعة لم تعد متوهجة بالقدر نفسه. وما كانت سعاد حسني قادرة على أن تواجه الدنيا وهي في موهبة أقل. ولأن العظماء لا يموتون بالطريقة نفسها التي يموت بها الناس عادة، فلقد فجرت دوامة هائلة بموتها. وحاول الجميع أن يفسروا ماحدث، وأحيانا أن يحكوا ماحدث، وأظن أنها سعيدة لهذا، ولعلها تمنت نهاية غامضة. وأظن أن الدنيا ستظل تبحث في سر رحيل سعاد حسني كما شغلها رحيل اسمهان من قبلها. وفي يقيني أن أحدا لن يستطيع الوصول الى الحقيقة، لأن الحقيقة ماتت مع سعاد حسني.. سندريللا الشاشة.