يتميز مهرجان شكسبير في كمبريدج هذه السنة بخمسة مسارح ستقدم خلفية مدهشة للعروض المسرحية، وهي كناية عن خمس كليات تاريخية تشكل جزءا من هذه المدينة الجامعية، انشئ المهرجان منذ 13 سنة وهو يقدم اليوم 6 نتاجات مسرحية على طول 8 اسابيع خلال الصيف ويستقطب ما يزيد على 15 الف زائر. ومن الرائعة القوطية المتمثلة بكلية كينجز كوليدج الى مبنى جيرتون الفيكتوري الطابع، تقدم هذه المواقع التاريخية اطارا ريفيا رائعا لمشاهدة وسماع اعمال افضل المسرحيين الانجليز. هذا وقد التزمت شركة «اوبن هاند برودكشن» للانتاج التي تدير المهرجان في كمبريدج، في شمال انجلترا، بانتاج المسرحيات التي تعبر عن العروض الكلامية والجسدية التي كان شكسبير ينوي ان يقدمها، اكثر من محاولة فرض توجيهات صارمة على الاجراءات. وينظم المهرجان بين شهري يوليو واغسطس من كل عام عندما تكون الحدائق والمباني في اجمل حللها وهو ينقل بعض مسرحيات شكسبير الاكثر سحرا الى موقع طبيعي خلاب، وبفضل الاستعانة بالصوتيات الطبيعية والجو السائد والافادة منها الى اقصى درجة، يتاح للمسرحيات ان تحكي حكايتها الخاصة وجميع المسرحيات، باستثناء واحدة فقط، ستعرض في الهواء الطلق مما يتيح للمشاهدين الجلوس على العشب مع زوادة صغيرة والتمتع بالعرض الذي يقدم بالازياء التقليدية التي كانت سائدة في الحقبة التي تدور حولها المسرحية وعلى انغام موسيقى العصر الاليزابيثي. ومع حلول الظلام واستبدال النور الطبيعي تدريجيا بالانوار الاصطناعية، التي يشرف عليها القمر من اعلى في معظم الاحيان، يبدأ العرض مستندا الى الاطار الطبيعي القائم وخصوصا عرض مسرحية «حلم ليلة صيف» على خلفية كلية جيرتون فتكون امسية مسرحية رائعة سريعة الوقع ومفتوحة. وبما ان المشاهدين يجلسون قريبا جدا من مسرح الحركة، لا بل داخله في بعض الاحيان، فانهم يعايشون القدرة الغريزية على حكاية القصص التي كان ينويها شكسبير من وراء مسرحياته، يقول الدكتور دافيد كريلي، المدير الفني للمهرجان، بهذا الصدد «انها لتجربة مباشرة ومثيرة». ومن المفارقة بمكان ان تكون فكرة هذا المهرجان قد خطرت ببال الدكتور كريلي حين كان تلميذا.. في جامعة اكسفورد فقد دعى بوضع الموسيقى لاحدى مسرحيات شكسبير التي كان يعدها طلاب احدى الكليات لكنه استاء كثيرا مما شاهده، فبدل من ان يتيح المنتج للمسرحية ان تعبر عن نفسها، حاول ان يطبعها بطابعه الخاص فاختنقت المسرحية بشخصية المنتج. وهذه طريقة في الانتاج لم تلق استحسانا لدى كريلي، الطالب الشاب الذي يقول: «مالا يعجبني ابدا في بعض المسرحيات هو اضفاء شخصية المنتج عليها. فالمنتجون يعتقدون في معظم الاحيان ان عليهم ان يغيروا شيئا من المسرحية، فلا يعود الامر يتعلق بمشاهدة المسرحية بحد ذاتها بل بكيفية عرضها وتحويلها. فكيف ستقدم مثلا الجينات في مسرحية ماكبث؟ في هذا النوع من الظروف تكتشف معلومات عن المنتج اكثر مما تتعلمه عن المسرحية نفسها» وقرر الدكتور كريلي، يحثه اندفاع الشباب، انه قادر على تقديم شيء افضل من ذلك وما ان انهى دروسه حتى كتب الى عدد من الكليات في كمبريدج يسأل عن امكانية تقديم بعض المسرحيات في حدائقها. لم يكن مستعدا ابدا لهذا الكم الهائل من الاجوبة الايجابية التي انهالت عليه، لكنه كان مستعدا لرفع كل التحديات فانكب على العمل وجاءت النتيجة بعض مسرحيات شكسبير الاكثر طبيعية في انتاجها التي يراها المشاهدون، فجميع الممثلين الذين يشتركون معه يتمتعون بخبرات كبيرة وبعضهم من خريجي كليات الفن المسرحي، وبعضهم الاخر عمل سنوات طويلة في فرقة شكسبير المسرحية الملكية. وهذا مزيج يوافق عليه الدكتور كريلي تماما. يقول: من الجيد جدا ان يتوفر لنا هذا التنوع بين الفنانين، من الممثلين الجدد الى اولئك الذين يتمتعون بسنوات من الخبرة، لقد شكلنا مجموعة اساسية ترافقنا منذ 6 او 7 سنوات ولكننا نرحب دائما بالدماء الشابة». اما المنافسة للحصول على الادوار فشرسة، فعندما نشر اعلان في السنة الماضية في مجلة «ذي ستايج» المتخصصة بالمسارح والعروض الاستعراضية، انهالت الطلبات بغزارة فاقت 25 ضعفا عدد الادوار المتوفرة، وقد جرت تجارب لانتقاء الممثلين وكانت ناجحة ودائما ما يكون المشاهدون جد راضين عن العروض المقدمة في المهرجان منذ اطلاقه. وبات للمهرجان شهرة وطنية وعالمية وقد استقطب في السنة الماضية اكثر من 15 الف مشاهد جاءوا جميعا ليختبروا سحر مشاهدة مسرحية لشكبير في الهواء الطلق. وبالطبع، كون المهرجان منظما في كمبريدج يضفي عليه المزيد من الايجابيات. فجميع مواقع العرض، باستثناء موقع واحد، يمكن الوصول اليها مشيا على الاقدام انطلاقا من وسط المدينة التاريخي وهي تتضمن مجموعة متنوعة من المطاعم وامكانية التمتع بما تقدمه المدينة قبل العرض وبعده. غير ان العدد المتزايد من المشاهدين لا يعني بالضرورة زيادة في الارباح، يقول الدكتور كريلي: انني اقوم بهذا العمل لأنني احبه، فاذا كان مربحا لا بأس لكن الهدف منه ليس الربح، والبرهان على ذلك تدني سعر البطاقات و تخصيص ارباح 6 او 7 عروض لمستوصفين للاطفال، احدهما في ميلتون، على ابواب كمبريدج، والثاني في ليفربول مسقط رأس الدكتور كريلي. يرحب المهرجان بالعائلات والاطفال ويقدم لهم بيئة مسترخية يحبذها كل من المتمرسين والمتذوقين الجدد، وبالاضافة الى هذه الوجهة الخيرية، تضطلع شركة «اوين هاند» بدور تربوي من خلال الترويج لمسرحيات شكسبير في المدارس والكليات ومدارس اللغات. فخلال المهرجان تنظم الشركة ورش عمل تروج فيها للمسرحيات كمهرجان للعين والجسد، وليس مجرد نصوص كما تقدم غالبا للطلاب، ويعتبر الدكتور كريلي انه من خلال تقديم شكسبير للتلامذة بهذا الشكل المفعم بالحياة، قبل ان تعترضهم مشاكل فهم الكلمات، فانهم سيتحسسون المعاني الحقيقية لمسرحيات مثل ماكبث والملك لير وغيرها.