فيما مضى كان الطبيب يهتم بتفاصيل دقيقة أثناء أخذ القصة المرضية من المريض، والتي كانت بمثابة البوابة الحقيقية التي يعبر من خلالها الطبيب إلى داخل المريض والتي بني على أساسها الكثير من الحقائق التي تتجلى بشكل واضح بعد اجراء الفحص السريري والاستقصاءات المتوفرة. ولا غرابة في ذلك اذ انه من المعروف للجميع بأن هنالك الكثير من الأمراض العضوية التي تنجم عن عوامل نفسية، وهنالك الكثير من الحالات المرضية النفسية التي تنجم عن اسباب عضوية. والطب قديماً كان يولي المزيد من الاهتمام للجوانب النفسية والاجتماعية والعاطفية والمادية اضافة إلى اهتمامه أيضاً بفحص المريض كبنية جسدية. أما اليوم وللأسف فان الطبيب بسبب انشغاله بأمور حياتية عديدة، وبسبب الوقت القصير الذي يمنحه للمريض فان فحصه للمريض ومقاربته السريرية لحالته الصحية تبقى ناقصة. فعلى سبيل المثال يطلب الكثير من الأطباء من موظفة الاستقبال أو الممرضة ان تأخذ المعلومات الأساسية للقصة المرضية في غرفة الانتظار كمحاولة غير مبررة نهائياً للطبيب لكسب الوقت. ولا يقتصر الأمر على ذلك فقط اذ ان بعض الأطباء يطلبون من الممرضات القيام بقياس ضغط الدم الشرياني للمريض أو قياس درجة حرارة جسده، وغير ذلك أيضاً من الاجراءات التي لو قام باجرائها الطبيب لن يخسر كثيراً من وقته مقارنة بالنتائج الايجابية التي يحصدها من خلال الاقتراب اكثر من المريض، فالمريض هو انسان له عواطف ومشاعر وتؤثر العوامل النفسية به كثيراً، اضافة إلى ذلك فان الكلمة اللطيفة وابتسامة الطبيب وكلماته المطمئنة كثيراً ما يكون لها الاثر الشافي قبل الدواء. دون ان ننكر طبعاً دور الدواء في العلاج. انطلاقاً من ذلك اذكر ان أحد اساتذة كلية الطب كان يركز كثيراً على العلاقة بين الطبيب والمريض، فقد كان على سبيل المثال يطالبنا بأن نتحدث بلغة قريبة من لغة المريض وان نتفهم كافة الجوانب المتعلقة بحياته، اضافة إلى ذلك فقد كان يهتم كثيراً بالطريقة التي ينبغي ان يستقبل فيها الطبيب المريض، اذ ينبغي على الطبيب ان يقوم باستقبال المريض سواء من غرفة الانتظار أو بالقرب من باب مكتب الطبيب ـ لا ان يظل الطبيب جالساً في مكانه وان يتحدث بفوقية مع المريض اوان يقوم بتوبيخه أو نعته ببعض الصفات، أو ان يظهر عدم مبالاته بالمريض أو بشكله أو بطريقة كلامه. فالمريض كما هو معروف للجميع هو انسان له مشاعر وأحاسيس مختلفة. وعندما يزور الطبيب ينشد لديه الأمان والاطمئنان، فقد يسر له سراً كاد يثقل كيان المريض ويمنعه من النوم ومن تناول الطعام بسبب القلق والتفكير.لهذا كله ينبغي على الطبيب الاهتمام بالجوانب النفسية والعاطفية والاجتماعية والمادية للمريض. وعليه أيضاً ان يمنحه دقائق اضافية من وقته والتي من خلالها يمكن للطبيب ان يوطد العلاقة الكائنة بينه وبين المريض، وان يكتسب من خلال ذلك لقب الحكيم الذي يكون واسع الصدر، كبير العقل متفهماً للكثير من جوانب الحياة، متواضعاً غير متعال على المريض أو على ذويه. واذا ما تحقق ذلك نجد ان الكثير من المرضى يمكنهم العودة إلى ممارسة حياتهم بشكلها الطبيعي، وقد لا يحتاج أغلبهم إلى الدواء، وانما إلى اعادة التفكير بطريقة حياتهم سواء فيما يتعلق بالنوم أو الراحة أو العمل أو تناول الطعام والحركة. وأخيراً تجدر الاشارة إلى ان التوتر والانفعالات والقلق وغير ذلك من المشاعر السلبية والاضطرابات النفسية باتت تهدد صحة العديد من الاشخاص، ومن هنا نجد ان الحكيم.. يمكنه ان يعمل على تعزيز المشاعر الايجابية لدى المريض بوسائله العديدة التي تستند أولاً وأخيراً على المقاربة السريرية والقصة المرضية والاقتراب من المريض كانسان والاهتمام بحالته الجسدية والنفسية وظروفه الحياتية، لا من حيث كونه مجموعة أعضاء وحسب. استناداً لما سبق نعود ونؤكد على انه للكلمة الطيبة فعل الدواء السحري في التخفيف من حدة المشاعر السلبية التي يعاني منها المريض والتي بزوالها يتعافى المريض ويعود إلى ممارسة حياته بشكل طبيعي. د. بسام علي درويش