أبحرت البعثة الاستكشافية من الساحل الغربي لتشيلي والذي يعتبر من أجمل الأماكن وأكثرها وعورة وعدائية في العالم، وبعد أن أبحر الفريق المؤلف من 24 عالما ومستكشفا لمسافة 700 ميل في عمق البحر، وصلوا أخيرا إلى جزيرة «مادر دي ديوس» وهي عبارة عن كتلة صخرية معزولة غير مأهولة بمساحة إجمالية تبلغ 450 ميلا مربعا تلطمها الأمواج العارمة، وتعصف بها الرياح العاتية، وتجرفها الأمطار الغزيرة. وعلى الرغم من هذه الظروف القاسية، فقد كانت هذه الجزيرة فردوسا بالنسبة لقائدي البعثة الفرنسيين عالم التضاريس ريتشارد ماير وعالم المغاور والكهوف جان فرانسوا بيرنت، اللذين شاهدا الجزيرة لأول مرة في عام 1997. وعلى الرغم من أنهما في ذلك الحين لم يتمكنا من النزول إليها بسبب العواصف العاتية، لكنهما أدركا من على بعد أن الجزء الأكبر من «مادر دي ديوس» عبارة عن صخور كلسية مكشوفة، وهذا يعني ترجيح احتمال وجود متاهات معقدة في الصدوع والشقوق في تضاريس الجزيرة. وأراد العالمان الفرنسيان استكشاف الجزيرة عن قرب لمعرفة المزيد عن طبيعة تضاريسها القاسية. وبعد وصولهما إلى هناك، أمضت البعثة كل وقتها تقريبا إما باكتشاف أشياء مثيرة جديدة أو بمعالجة الكوارث الصغيرة، ابتداء من تعطل موّلد الكهرباء إلى تصدع هيكل قارب الصيد المستأجر الذي كانوا يعيشون فيه. لكن تلك المشكلات الطارئة لم تكن لتعكر الصفاء الذي يتركه في النفوس حضور الطبيعة العذراء. فجزيرة «مادر دي ديوس» مملكة مثيرة من الأشكال السحرية التي تحفرها قوى الطبيعة الثائرة. أولى العقبات التي اعترضت طريق المستكشفين فور نزولهم إلى اليابسة كانت غابة مطيرة كثيفة، من النوع الذي يتوقع المرء مشاهدته في المناطق الاستوائية، أكثر منه في المناطق القريبة من القارة القطبية الجنوبية. ومعدل الترسب السنوي المرتفع ينتج وفرة هائلة في الطحالب والأشنيات، إضافة إلى غابة متقزّمة من أشجار الزّان الجنوبية، وكما اكتشف غواص الكهوف مايكل فيليبس فإن كل بوصة من هذه الغابة خضراء وزلقة. وفي إحدى برك المياه المنعزلة الراكدة، كانت الطحالب تزين الأشجار الساقطة وكأنها أشباح متهافتة، فيما غطى دثار سميك من الأشنيات كل شيء في أغصان الأشجار حتى الجلاميد الصخرية، وكشفت البعثة عن الجانب المراوغ في هذه الغابة الخيالية، عندما أنجز عدد من المستكشفين بحثاً عن الكهوف. ويخيل للمرء من وحي الطقس شبه القطبي ان النجود الرخامية الممتدة على أسطح الجزيرة عبارة عن سلسلة من الأنهار الجليدية الوعرة، لكن الحقيقة أنها بقايا منظومة حيود مرجانية ارتسمت قبل نحو 280 مليون عام في بحر استوائي هاديء. وفي أعالي تضاريس الجزيرة فوق مستوى الغابة ينبسط مشهد خال من الألوان تقريبا.. مشهد صخور متصدعة جعلته ألوف الظلال الرمادية يبدو دائم التبدل أمام عينينا وكأنه سراب. وعندما تهطل قطرات المطر المكتنزة، فإنها تلوث الصخر الرمادي الفاتح ببقع داكنة كما في جلد النمر أو خطوط متناوبة كما في حمار الوحش، ثم تعقبها سيول المطر الغزيرة التي تضرب الصخر وتجعله داكنا ومتألقا كالفحم الحجري، وبعد ذلك تشتد الريح، وتجف أجزاء من الصخور الكلسية المكشوفة لوهلة فتتحول إلى اللون الأبيض، فتنتقع مجددا بالماء ويظلم لونها في اللحظة التالية. وتحت الغابة الرهيبة والأنهار الجليدية الرخامية، عثر فريق المستكشفين على ما أقبلوا من أجله، وهو الكهوف. وكأي شيء آخر على جزيرة «مادر دي ديوس»، كانت الكهوف برية وضاريه على نحو يصعب تخيله. سكون مخيف يخيم على الكهوف، كان يزداد اطباقا كلما تقدم المستكشفون إلى عمق الكهف، إلى أن أصبحوا معزولين تماما عن الأحداث الخارجية. حتى انهم لم يعودوا يعرفون ما إذا كانت السماء تمطر في الخارج أم لا. وهو أمر خطير للغاية لأن هبوب عاصفة عاتية من النوع الشائع في الجزيرة، يمكن أن يرسل أنهارا من مياه المطر لتهبط على أعضاء الفريق وتخنقهم داخل الكهف. فتلك الكهوف جرداء ملساء وليس فيها جحور جانبيه يمكن الاختباء فيها لو فاضت المياه إلى المكان. ويقول المصور كريستن بيتر الذي أقعدته إصابة في القدم خلال استكشاف أحد الكهوف عن مواصلة العمل اليومي المثير مع زملائه في البعثة: «لقد كان لاصابتي آثار جانبية ايجابية لأنها منحتني فرصة الاسترخاء والاستغراق في هذا المكان المثير الذي قدمنا إليه. فبينما كان بقية أعضاء الفريق يواصلون استكشاف الجزيرة ودراستها كنت أجلس متفكرا في غرابة وعنف جمال الطبيعة الرابضة بين أخاديد «مادر دي ديوس». علي محمد