أثارت مقولة ان كليوباترا اشهر ملكات مصر في العصور القديمة كانت امرأة دميمة وبدينة وقصيرة القامة وصاحبة اسنان غير منتظمة وانف معقوف اثارت حفيظة المصريين على كل المستويات وهذه التهمة استندت إلى قطعة نقود قديمة نسبت إلى عصرها، وجاء فيها أيضاً ان الفنان المصري القديم جامل ملكته فأظهرها جميلة بخلاف الواقع عندما كان يرسم صورتها أو ينحت تماثيلها. وقد تحول هذا الاتهام إلى قضية كبيرة رفضها علماء مصر من الاثريين، الذين اصروا على ان كليوباترا كانت فائقة الجمال وصاحبة لياقة فائقة وذكاء حاد. وأصبح الأمر اقرب ما يكون إلى اجواء المحاكمة، خاصة وانه تزامن تقريباً مع بدء عرض 47 قطعة نقود تعود إلى عصرها في المتحف البريطاني. وقال الدكتور زاهي حواس مدير عام اثار الجيزة وسقارة: «ان ما يردده البعض على هامش المعرض المقام بعاصمة الضباب من وصف كليوباترا بالدمامة والبدانة، والأسنان غير المنتظمة ينتمي إلى عالم الشائعات لأننا عهدنا في السنوات الاخيرة الكثير من الشائعات التي يروج البعض لها بهدف السعي لهدم الحضارة المصرية القديمة والنيل منها وتزييف الحقائق التاريخية أو السعي وراء الشهرة على حساب الحضارة والتاريخ المصري القديم. ويتابع: «وقد سبق لي ان حسمت هذه القضية بصفة خاصة والعديد من القضايا الاثرية بصفة عامة، وعلى الجميع ان يعودوا إلى احد المناظر المنقوشة على احد جدران معبد دندرة وهو منظر كليوباترا السابعة وهي تحمل ابنها الذي انجبته من يوليوس قيصر، وكان يدعى «قيصرون» وهناك تمثالان ينسبان اليها احدهما في المتحف اليوناني الروماني بالاسكندرية والثاني بمتحف «سان جوزيه» بالولايات المتحدة الامريكية، اضافة إلى العديد من العملات الاثرية التي عثرنا عليها في حفائر وادي المومياءات الذهبية مصنوعة من البرونز وتعود إلى عصر كليوباترا وعلى احداها وجدنا وجه كليوباترا السابعة التي كانت امرأة طاغية الانوثة جميلة الملامح رشيقة القوام، ولكن هناك تقوس بسيط في عظمة الانف زادها جاذبية لكونه كان يعتبر من امارات الحسن والجمال في عصر البطالمة، هذا من الناحية الاثرية، ولكن من الناحية التاريخية علينا ان نقول ان هناك العديد من علامات الاستفهام التي تؤكد ان جمال كليوباترا او انوثتها لاشك فيها لأنه بدراسة التاريخ واحداث هذه الحقبة خاصة نجد انه لا يتفق مع دمامة وبدانة كليوباترا في قيادة امة، بينما العكس صحيح تماماً وهو انها استخدمت جمالها وفتنتها وانوثتها كسلاح فتاك لانقاذ مصر وجعل امبراطور روماني ينحني علناً أمام الناس. وتتوالى محطات الحوار مع زاهي حواس: ـ ولكن بعض الباحثين يذكر ان الفن البطلمي شهد رجوعاً إلى اصول الفن الكلاسيكي الذي شاع في عصر الدولة القديمة وهو فن مثالي يصور الإنسان عامة والملك خاصة على انهما غاية في الجمال والقوة حتى اذا كان دميماً، فهل هذا ينطبق على كليوباترا؟ ـ هذا لا ينطبق بأي حال من الاحوال على كليوباترا لانه يجب ان نفصل بين فن النقش والنحت في عصر الدولة القديمة عن نظيره في العصر البطلمي لأن هذا الاخير داخلته ميول واضحة للوقاية حتى في تصويره الملوك والملكات، واقطع بأن كليوباترا السابعة التي نراها في النقوش والتماثيل هي تلك التي عاشت ملكة قوية على صمر قبل اكثر من عشرين قرنا، لذا عندما تخرج علينا سوزان ووكر مسئولة المعرض المقام بالمتحف البريطاني الآن بقولها ان جمال كليوباترا المفترض اسطورة لا تستند إلى دليل، وذلك في تصريحها الذي نشرته صحيفة «الصنداي تايمز» البريطانية على هامش حوارها مع سوزان ووركر صورة متخيلة للملكة كليوباترا تظهرها على ان قامتها لا تزيد على 150 سم طولاً مع ميل للبدانة واسنان غير منتظمة. وقد استندت في اتهامها إلى قيام أول ولاة الرومان «اوكتافيوس» وأول من حكم مصر بعدها مباشرة باصدار امر بتدمير كل النقوش والمنحوتات الخاصة بها فيما تمكن احد المقربين منه من اقناعه بترك بعض تماثيل كليوباترا المقامة في المدينة مقابل مبلغ كبير كرشوة. فأي رشوة تكفي لحاكم روماني والبلد كلها تحت امره لمنعه من استباحة كافة ثرواته؟ والمثير ان جمال كليوباترا لم يكن محلاً للشك حتى إعلان مسئولة المتحف البريطاني وكأنها هي الوحيدة عبر التاريخ التي تستطيع تحليل ما بين السطور عبر فيلمين يعودان إلى نجمتين عالميتين متميزتين بجمالهما الصارخ وانوثتهما الطاغية ومقدرتهما على تجسيد أدوار الاغراء وهما «اليزابيث تالور» و«فيفيان لي» والادهى من هذا وذاك ان الطعن في جمال كليوباترا لم يقتصر على المسئولة البريطانية فحسب ولكن للأسف الشديد شاركتها اثنتان احداهما استاذة التاريخ البطلمي بجامعة حلوان، والتي أكدت ان كليوباترا لم تكن فائقة الجمال كما كنا نتصورها نظراً لقصص رومانتيكية تؤكد اغواءها يوليوس قيصر وماركوس انطونيوس ليس بجمالها بل اعتمدت على ذكائها ودهائها. وهذا استنتاج لا يستقيم لكونهما استاذتين متخصصتين كان يجب ان تقدما الينا الدليل المادي لا باستنتاجات لا تستقيم معها الأمور. وثمة استاذة اجتماع اخرى ذكرت ان المسألة برمتها في حاجة لاعادة نظر لاختلاف مفاهيم الجمال والجمال الانثوي وهذا مجرد استنتاج بعيد عن الفهم الموضوعي للعصور القديمة عامة والبطلمية خاصة. وعقب الدكتور فاروق القاضي استاذ الحضارة اليونانية الرومانية القديمة قائلاً ان كليوباترا احاطت بها الاساطير من كل صوب فتجنى عليها البعض مصوراً اياها كامرأة لعوب بلا اخلاق، وظلمها آخرون بقولهم بأنها لم تكن مصرية لأنها انحدرت من سلالة البطالمة وهي عرقياً احدى السلالات اليونانية المقدونية القديمة. ولكن الجديد الذي نشهده لأول مرة هو طعن كليوباترا في انوثتها وفتنتها وجمالها وكأن مسئولة المتحف هي المبصرة الوحيدة دون بقية علماء التاريخ والحضارة القديمة على مر العصور. ويفسر ذلك تجاهل شعراء وكتاب البلاط الروماني لها ولكن الحقائق جميعها تؤكد ان كليوباترا كانت ملكة غير متوجة على روما القديمة واوشكت مع يوليوس قيصر ان يكونا ملكي روما لولا تتابع الأحداث بعكس الاتجاه. ولكن كليوباترا كانت معروفة تماماً بجمالها ولباقتها وذكائها وعرفت كذلك بثقافتها الواسعة حتى انها كانت تتبادل الكتب مع شيشرون اكثر علماء الرومان شهرة في الخطابة والكتابة برغم ما بينهما من عداء. والحق ان كليوباترا و«هانيبال» كلاهما كانا الاكثر اثارة للرعب في نفوس الرومان. لأن تخرج علينا متفلسفة بريطانية وصورة مع تصريحها تنشرها صحيفة «الصنداي تايمز» لكليوباترا ليست سوى صورة كمبيوترية ملفقة لبريطانية غاوية شهرة. ولم تذكر هذه البريطانية ان المصريين القدماء قدسوها وربطوا بينها وبين ايزيس التي كانت معبودة على مستوى البحر المتوسط مع زوجها «سيرابيس» وابنها «حوريس» وكانت سعيدة بالتشبه بايزيس جمالاً وفتنة». وقال الدكتور سيد كريم ان الاتهام البريطاني يفوح من بين ثناياه سوء النية تجاه كليوباترا السابعة وهناك 15 رسالة وبحثاً علمياً جميعها في الجامعات الاوروبية وجميعها عن كليوباترا منها 5 رسائل في جامعات اوكسفورد وادنبره ولندن ومثلها في كل من فرنسا وهولندا والنمسا وفنلندا وروسيا، ولم يخطر ببال أي من الباحثين ان يتحدث عن جمالها أو دمامتها لأن جمالها حقيقة تاريخية مؤكدة ليست في حاجة إلى شهادة ولكن كافة الابحاث والرسائل اثيرت للدفاع عنها وحتى تماثيلها التي صنعت في روما القديمة شهدت بجمالها وجاذبيتها أما حكاية العملة فشيء مضحك لأننا لم نسمع عنها من قبل خاصة. واذا كانت العملة موجودة فعلاً وتحمل اسم كليوباترا فأي منها؟ فهناك ست ملكات سبقتها إلى العصر البطلمي تحمل اسم كليوباترا وانا اتحدى ان تطرح هذه العملة عبر ملتقى علمي يضم دارسين متخصصين واثريين على مستوى عالمي للوقوف على الحقيقة وثقتي كاملة ان هذه العملة لا تنتمي بأي حال من الاحوال لعصر الملكة كليوباترا السابعة ابنة بطليموس الزمار لأنها كانت امرأة جميلة ذكية وعموماً هذه ليست أول محاولة لالصاق التهم بكليوباترا وسبق لهم الصاق تهم الدمامة والبدانة بالملك توت عنخ امون في اطار الهوس بالمصريات تظهر حالات سلبية بين دوائر البحث تسعى لتشويه رموز الحضارة المصرية مثل خوفو والهرم الاكبر ورمسيس الثاني، والتاريخ يؤكد ان كليوباترا السابعة والتالية لها تمتعتا لا بالجمال فحسب بل بالذكاء والكاريزمية كما ان التماثيل المنسوبة لها تؤكد تناسق ملامحها ووسامتها بل فتنتها وجمالها. واذا كان بعض مدعي التاريخ يقولون ان الفن المصري كان فناً مثالياً لا يصور الملكات على حقيقتهن، فالحقيقة تقول ان التماثيل التي صنعت لكليوباترا صنعت في اليونان وروما القديمة، وهي تصورها على هيئة فتاة جميلة فاتنة الملامح. والمعروف ان الفن في هذين البلدين كان يتبنى المدرسة الطبيعية التي تقترب من ملامح الإنسان حتى لو كان ملكاً