بيان الكتب تؤكد لنا الاكتشافات العلمية المتلاحقة بصورة يومية ان ما كان في عداد الخيال بالأمس القريب أصبح اليوم حقيقة راسخة، ولا نبالغ إذا قلنا ان الإنجازات الباهرة التي تحققت حتى الآن في تكنولوجيا المعلومات والهندسة الوراثية والعلاج الجيني وغيرها، قد فاقت خيال الشعراء والأدباء وأصبح هذا الخيال في أزمة حقيقية. والكتاب الذي بين أيدينا يقدم قصة من القصص التي كانت في يوم من الأيام خيالا بعيد المنال تحول إلى حقيقة محسوسة وملموسة و مؤثرة في حياة الناس وعلاج أمراضهم المستعصية، القصة هي قصة الجينات والكتاب عنوانه (العلاج الجيني) والمؤلف هو الدكتور عبدالهادي مصباح استشاري المناعة، وزميل الأكاديمية الأمريكية للمناعة الحاصل على دكتوراه في تحاليل المناعة والميكروبولوجي من جامعة تمبل وعضو أكاديمية نيويورك للعلوم وصاحب العديد من الكتب العلمية والطبية. في البداية يشير الدكتور مصباح إلى التقدم المذهل في مجال الطب خلال القرن العشرين، فما تم اكتشافه خلال هذا القرن يعادل أضعاف ما تم اكتشافه منذ خلق الله البشر، فقد تم اكتشاف الجراثيم والميكروبات، ثم اكتشاف المضادات الحيوية التي تتصدى لها، ثم توصل العلماء إلى اكتشاف التطعيمات التي تقي من الأمراض المعدية المختلفة التي كانت تحصد الملايين، ثم تقدم العلم وتقدمت التكنولوجيا الطبية، بحيث أصبح من الممكن اكتشاف أخطر الأمراض في مهدها وبدايتها من خلال الفحوص الطبية والتحاليل، ليس هذا فحسب، بل أمكن إخضاع هذه التكنولوجيا لأساليب العلاج المختلفة مثل العلاج الذري وجراحات المناظير والعلاج بأشعة الليزر وغير ذلك من وسائل علاجية متقدمة مثل إمكانية حدوث الحمل خارج الرحم وهو ما يطلق عليه أطفال الأنابيب. وينتقل الدكتور مصباح إلى قصة العلاج الجيني الذي بدأ التفكير العلمي فيها عام 1968 وكانت تعتبر في وقتها نوعا من الإغراق الخيالي والتفكير غير الواقعي، يقول د. مصباح: (الموضوع ببساطة ان الإنسان يولد بمجموعة من الصفات والعادات والأمراض محمولة على جينات، وهذه الجينات ما هي إلا مجموعة من القواعد النيتروجينية لها ترتيب معين فإذا اختل هذا الترتيب وجاءت قاعدة نيتروجينية مكان أخرى فإن الشكل أو الوظيفة المسئول عنها هذا الجين تتغير، وربما يصاب الإنسان بتشوه خلقي أو مرض معين نتيجة الخلل في تكوين هذا الجين. وهذه الجينات محمولة على عدد معين من الكروموسوما حتى إذا التقيا فإنهما يكونان نطفة كاملة من الأب والأم بها 46 كروموسوما. ومن خلال التقدم الرهيب الذي حدث في العشر سنوات الماضية في مجال المناعة والهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزئية، أمكن معرفة الكثير الكثير والمثير من أسرار بعض الأمراض التي كان من المستحيل علاجها، لأنها ناتجة عن عيوب وراثية غير قابلة للعلاج ومن خلال هذا الفهم تم إجراء محاولات عديدة لاستبدال ذلك الجين المعيب بآخر سليم، بحيث يستطيع الإنسان بعد ذلك أن يحيا حياة طبيعية، وتعود إليه الصفة أو الوظيفية التي كانت غائبة عنه). ولكن هي قصة البداية بداية اكتشاف الجينات والخريطة الجينية وما هو تاريخ أول تجربة في العلاج الجيني؟ يجيب الدكتور مصباح قائلا (في عام 1968 كان الطالب فرنش أندرسون يدرس في كلية الطب بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة، وطلب منه عمل بحث أو ورقة عمل لتقديمها للجامعة كي تنشرها إحدى المجلات العلمية وذكر الطالب في بحثه علاج الأمراض الموروثة أو العيوب الخلقية التي يولد بها الإنسان وكيف يمكن معالجتها عن طريق الهندسة الوراثية التي لم تكن حين ذاك ذات دور في الطب وإصلاح عيوب الجينات، وتقدم أندرسون طالب الطب النابه ببحثه إلى مجلة نيو إنجلاند جورنال الطبية ذائعة الصيت كي تنشر له هذا البحث، ولكن المجلة رفضت نشر البحث وعللت رفضها بأن ما ذكره الطالب في بحثه خيالي وغير واقعي ولا يستند إلى الحقائق العلمية المعروفة حينذاك. وتمضي الأيام وبعد 22 عاما كان نفس هذا الطالب هو العالم والطبيب الكبير الذي أجرى أول تجربة للعلاج الجيني في شهر سبتمبر 1990 وذلك لطفلة يبلغ وزنها 16 كيلو جراما ومولودة بعيب خلقي في الجهاز المناعي وكانت هذه التجربة حديث العالم كله ومثار إعجابه). وإذا كانت الخلية الواحدة في الجسم البشري تحتوي على (80-100 ألف) جين وراثي تقريبا كما يقول الكاتب إلا أنه ليس بالضرورة أن تكون كل هذه الجينات في حالة نشطة وأن تعبر عن نفسها بكل الصفات التي تحملها، ولكن العلماء يقدرون نسبة الجينات النشطة بحوالي 10% من مجموع الجينات المنقولة من الأبوين، فلو وجد من بين هذه العشرة بالمئة أحد الجينات المعيبة أو الناقصة فإن ذلك سوف يسبب مرضا لاعلاج له للجنين المولود (وربما كان مشروع الخريطة الجينية البشرية) أو مشروع الجينوم البشري الذي وافق عليه الكونجرس الأمريكي لتقوم به المعاهد القومية للصحة بالولايات المتحدة من أهم وأضخم المشروعات التي تبلغ تكلفتها 3 ملايين من الدولارات، وقد بدأ العمل فيه منذ عام 1990 وكان من المفترض أن ينتهي في عام 2005، حيث يكون العلماء قد انتهوا من تحديد كل الجينات الوراثية في الخلية البشرية، واختزنوا على ديسك كمبيوتر التسلسل الطبيعي للجينات المكونة للحامض النووي بحيث يمكنهم اكتشاف أية طفرة أو تغير في تركيب هذه الجينات. وبالتالي يمكنهم أن يعرفوا ان كان هذا الشخص سوف يصاب في المستقبل بمرض معين مثل السكر وتصلب الشرايين وأمراض الأعصاب والعضلات والتي تظهر في مرحلة متأخرة من العمر مثل الزهايمر وضمور العضلات وغيرها، وكذلك الأورام المختلفة التي يمكن اكتشاف قابلية الإنسان للإصابة بها مثل سرطان الثدي الذي يمكن أن يكتشف من خلال وجود جين يسمى RBCAI وغير ذلك من الأمراض. ويتوقع المؤلف أن يكون القرن الواحد والعشرين هو قرن العلاج الجيني خصوصا وأن بوادر هذا العلاج ونتائجه أصبحت حقيقة ملموسة، ويمكن للعلاج الجيني أن يعالج كثيرا من الأمراض التي يقف الطب عاجزا أمامها الآن والتي تحتاج إلى جراحات كبيرة ودقيقة بحيث يمكن الاستغناء عنها مثل عمليات القلب المفتوح لعلاج انسداد الشرايين التاجية وفي جامعة (تافت) ثم تجريب العلاج الجيني على 16 رجلا مصابين بانسداد خطير في الشرايين التاجية وتتراوح أعمارهم ما بين 53 ـ 71 عاما، وقد تمت محاولات عديدة لعلاجهم سواء بالجراحات أو بالدعابة أو بالعلاج الروائي إلا أن أيا منها لم ينجح وعادت الآلام المبرحة إليهم مرة أخرى وبعد استخدام العلاج الجيني معهم بعشرة أيام بدأ التحسن يطرأ عليهم بصورة واضحة وتلاشت الآلام وبدءوا يمارسون حياتهم بصورة طبيعية. أما عن دور الجينات في تكوين الورم السرطاني فيقول المؤلف (على الرغم من أن هناك عوامل عديدة في تكوين الأورام السرطانية منها ما هو موروث أو جيني ومنها ما هو بيئي إلا أن العامل الوراثي أو الجينات تلعب الدور الأكبر في الإصابة بهذا النوع من المرض، وحتى العوامل البيئية التي تؤدي إلى الإصابة به تحدث ذلك من خلال عمل طفرة في الجينات الوراثية تؤدي إلى الإنقسام الشرس والعشوائي في الحامض النووي لنواة الخلية البشرية، وذلك في غفلة من رقابة وتفتيش خلايا الجهاز المناعي القاتلة الطبيعية التي يمكنها اكتشاف هذا العيب في مهده فتأمر الخلية المارقة بالإنتحار لكي يتخلص الجسم منها. وإذا نظرنا إلى علاقة الجينات بتكوين الأورام السرطانية فسوف نجد أن لها علاقة قوية جدا يمكن من خلالها اكتشاف الوصول إلى تشخيص مبكر للأورام وأيضا الوصول إلى علاج لإصلاح هذه الجينات التي حدثت بها طفرة وسببت تكوين الأورام السرطانية. ويرد المؤلف عشرات التجارب والأبحاث التي تجرى الآن في العالم عن العلاج الجيني لأمراض عديدة منها السكر والكبد وسرطان الثدي وتجلط الدم ولكن الطريف أن يتقدم العلاج الجيني للقضاء على مرض الزهايمر أو خرف الشيخوخة يقول الكاتب (حاول العلماء إيجاد تفسير وراثي أو جيني له علاقة بحدوث هذا المرض، وبالتالي يمكن أن نحدد الأشخاص الذين لديهم استعداد للإصابة بهذا المرض ومتابعتهم وإعطائهم العلاج اللازم في مرحلة مبكرة من الإصابة لمنع تدهور الحالة إلى أن يستطيع العلماء التدخل من خلال العلاج الجيني لوقف التدهور الناتج عن الإصابة بهذا المرض، خاصة وأن بداية الإصابة به قد تبدأ على شكل نوبات من الإكتئاب المصاحب للشيخوخة لفترة طويلة ثم تعقبها بعد ذلك الاعراض الأخرى الأشد خطورة التي تشير إلى الإصابة بالمرض. القاهرة ـ «بيان الكتب»