بيان الكتب: قدم الباحث والكاتب والسياسي السوداني المثير للجدل محمد إبراهيم نقد الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني، المختفي منذ نحو عشر سنوات عن أنظار الأجهزة الرسمية داخل السودان، إضافة للمكتبة السودانية من خلال كتابه «علاقات الأرض في السودان» ، والذي يسعى عبر صفحاته إلى سبر كنه التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية. التي تجلت في إطارها، ووفقًا لنواميسها الباطنية ملكية الأرض، وعلاقات الأرض، وأسلوب الإنتاج حسب ما حوته وثائق التمليك. وما يميز هذا الكتاب الرصين الذي توافر لكاتبه وقتًا مقدرًا لإعداده خلال سنوات اعتقاله بسجن كوبر اشهر سجن سياسي في السودان يتميز بأنه لا يتعجل النتائج، ولا يقفز فوق المقدمات ليعتصر استنتاجات متعسفة بأفكار مسبقة، أو تصورات معطاة أو قوالب ونماذج في مجتمع آخر لتفرض على واقع السودان المتقدم أو المعاصر، وبصبر وأناة بحث الكاتب في ثنايا علاقات الأرض في السودان تاريخيًا عن ذلك الكائن السياسي الاجتماعي الغامض، المشوب عبر التاريخ بغلالة من الطلاسم القدسية التي كاد يستعصي فضها وأبطال سحرها على ارجح العقول، ألا وهو الدولة السلطة السياسية. وفى المقدمة كتب نقد : لعلاقات الأرض في سودان اليوم تاريخا وسيره ذاتية لا يستقيم اختزالها في القرن المتسارع نحو نهايته، وفى سجلات دولتي الفتح الثنائي 1898ولعلاقات الأرض هذه مستقبل لن يتيسر استشرافه دون استيعاب ماضيها: كيف تشكلت وتخلقت علاقات ارض سودان ما قبل الفتح، المهدية، التركية، السلطنة الزرقاء، الفور، المسبعات، تقلى، الممالك المسيحية في المغرة وعلوة، وما تفردت به مروي إحدى أمهات حضارات النيل وافريقيا. وتركزت حصيلة بحث الكاتب في ثلاث نقاط تمثلت في أن الكتب التي تناولها توفر مصادر ومراجع أولية لمعرفة علاقات الإنتاج في الزراعة، وتبين جذور منشأ وتشكل علاقات الإ نتاج الزراعي ومسارها المعقد المتعرج حتى استقرت على أشكالها وأنماطها المتعددة المتباينة حسب خصائص ومقومات الإنتاج في كل منطقة وانه يستحيل أدراك علاقات الأرض الماثلة اليوم دون استيعاب علاقات الأرض كما صاغتها الوثائق التي اشتغل عليها الكاتب، ويبين نقد أن ابتداع أسلوب لعلاقات الإنتاج بغير الوجه الموروث قد فشل في بعض المشاريع الزراعية التي أقيمت في أوائل العهد الثنائي فاتجه المخططون لمشروع الجزيرة (اكبر مشروع زراعي استثماري في أفريقيا) خلافا للخط الرأسمالي، إلى قاعدة توائم العلاقات الموروثة بين العامل وصاحب رأس المال (علاقة مع تعاونية عوضا عن علاقة العمل بأجر). وتمثلت النقطة الثانية في الوثائق التي اعتمد عليها الكاتب، وهي تقدم مادة غزيرة عن دولة السودان تتميز في مواضع عده بالمباشرة عارية، وأهم ما تكشف عنه الوثائق أن السلطنة أو العشيرة أو القبيلة تؤدي وظيفة الدولة في قسماتها الأساسية رغم محدودية رقعة الأرض وعدد الرعايا والسمة البدوية والزراعية للحياة والانتاج وتركيبة القوى الاجتماعية المهيمنة على السلطة. فيما تركزت النقطة الثالثة من الكتاب على سبر كنه التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية التي تجلت في إطارها ووفق نواميسها الباطنية ملكية الأرض وأسلوب الإنتاج الذي تعبر عنه وثائق مملكة الفور وسلطنة الفونج ودولة المهدية واقتصاد الساقية. ويشير الكاتب إلى علاقات الإنتاج في مشروع الجزيرة باعتبار أنها علاقات (شبه نموذجية) في شكلها الثلاثي علي سبيل المثال: ا لشركة - الحكومة - المزارع والتي تتوزع نسب عائدها على النحو التالي: (40% للشركة، 20% للحكومة و40% للمزارع). ويؤكد الكاتب أن إلصاق (ماركة) مجتمع إقطاعي على النظام الاجتماعي في سلطنة الفور استناداً إلى تواتر الفعل أمراً غير وارد، ويدلل الكاتب على ذلك بغياب الملكية الفردية في مجتمعات الفور حيث الظروف الطبيعية والجغرافية والمناخية واتساع مساحات الأرض والتركيبة القبلية، وسبل كسب العيش بالزراعة المطرية والرعي في غياب الملكية الفردية على الأرض يتخذ شكل الاستحواذ على الفائض - أو على الربح - أشكالاً مغايرة للشكل المألوف في الإقطاع الكلاسيكي الأوروبي أو العراقي أو المصري، فقد يتخذ شكل الاتاوة، أو الضريبة الدينية، أو الالتزام القبلي العشائري، قد تستحوذ عليه السلطة عبر التراتب الهرمي. ويتوقف الكاتب عند علاقات الأرض التي صاغتها إصلاحات المهدية، لكن اقتصاد الحرب تجاوزها وعصف بعائدها وفائضها واستقبلت الأرض السودانية العلاقات الهجين بعد هزيمة دولة المهدية في خواتيم القرن التاسع عشر، وسيطرة الحكم الثنائي (الانجليزي المصري) ورأس المال البريطاني عراب تلك العلاقات (1898-1956م) الى ان نال السودان استقلاله. ويشير المؤلف إلى ان جهاز الدولة الجديد (دولة الحكم الثنائي) بمصادر تمويله الحديثة، وقوانينه المدنية واصل دور في تشكل وتكييف علاقات الأرض، استبقى على بعضها وهجن بعضها، واستحدث اخرى، وبقيت وثائق التمليك وسجلات دفتر الإحسان، وصدرت إلى جانبها وثائق الرخصة والعقد والتسويات والتعويضات: الأرض السكنية ملك وحكر، ومالك ومستأجر، الحساب المشترك، الحساب الفردي، وتملكت الدولة الأرض المتبقية عن السجلات والتسوية وحق النزع للصالح العام، وواصل جهاز الدولة دوره بعد رحيل المستعمر واصبح أمام المسحوقين والمستضعفين خيار تأسيس منظماتهم الأهلية لتدفع عنهم الضيم وترمز لكيانهم السياسي وتأخذ حقوقهم التي استلبت - بما فيها الأرض - بعد أن عرفوا قدر انفسهم.