بيان الكتب: يعتبر سعدي يوسف واحداً من كبار الشعراء العرب الذين ظل شعرهم بعيداً عن المعاينة النقدية، إذ لم تنل تجاربه الشعرية سوى القليل من الدراسات النقدية، مع العلم أن صوته الشعري نقل في منتصف ثمانينيات القرن العشرين الريادة فيما يسمى اصطلاحاً «الشعر، الحر» إلى أفق مفتوح وجديد. وأسباب انزواء اسم سعدي يوسف وقلة الالتفات الى قيمة شعره كثيرة، لعل أهمها هي طريقة تقديمه لنفسه، وهي جزء من أداء في الحياة وفي الشعر، حيث أن قصائده بأفضل امثلتها تخلو من النبرة الخطابية والمباشرة، مما يجعله صوتاً ذا نبرة خافتة، يؤسس لمنطق صفاء الشعر، ويستخلص شعريته من كل ما يحف بها من تراث الاستماع. وهذا ما تسعى اليه الناقدة «فاطمة المحسن» في هذا الكتاب النقدي، محاولة ابراز فرادة صوته الشعري، وتبيان مكانته في الشعر العربي الحديث. وتتلمس «المحسن» خطوات الشاعر الأولى مع جيل السياب الستيني والمأزق الذي وصل اليه هذا الجيل مع موت السياب وارتداد البعض عن كتابة قصيدة التفعيلة، فلم تسعفهم الرومانسية الريفية او الغنائية والنسج على منوال السياب. وترى أن سعدي تميز عن مجاييله في منتصف السبعينيات من خلال نظام كتابي يقوم على التنافذ بين الواقع الملموس ببعض راهنياته السوسيولوجية وبنيته النفسية وصراعاته الزمنية، والعمل على موضعة الذات ضمن هذا الواقع في زوايا الرصد الصغيرة. فابتعد صوت الشاعر عن صوت المبلغ والرائي، مستخدماً كل ممكنات البساطة التي تجسدت فنياً ومزاجاً سايكولوجياً في صيغ الاختزال وتصفية اللغة من اللغو والمبالغة، بهذا ابتعد شعر سعدي خلال النصف الثاني من السبعينيات والثمانينيات عن قصيدة الأفكار والرؤى الميتافيزيقية التي تجعل الشاعر كاهناً أو مبشراً أو نبياً. أما تجربة سعدي يوسف فتمثل نموذجاً على قدرة الشعر على تطوير أدواته خارج حاضنته الاجتماعية الأولى، أغلب قصائده كانت تعتمد على ما اكتسبه الشاعر من تجارب ومعارف في الغربة، وكان لتطور إحساسه بفكر الوطن ـ المستقر وتمثلها شعرياً دور إنضاج تلك التجارب، حيث أضحت لعبة الخفاء والظهور حالة ميتافيزيقية توجه مداركه على امتداد تجاربه الشعرية سواء داخل العراق أو خارجه، متجسدة في فكرة الوجود المكاني سواء على هيئة وطن أو أوطان بديلة مشكلة أحد أهم مصادر إلهامه الشعري. كما أضحت فكرة المنفى او حالته بوصفها عقاباً سياسياً أو موقفاً احتجاجياً حالة انطولوجية يعيها سعدي الشاعر ويعمل على توظيفها شعرياً بصيغ استعارية مختلفة. ومع ذلك لا تعتبر فاطمة المحسن سعدي يوسف شاعراً ميتافيزيقياً، لكن شفافية عوالمه تربطها بعالم روحي يتحرك على حواف تلك العوالم الواقعية التي يكتب عنها، وتستشهد على ذلك بقوله: النص الشعري يطمح الى إضاءة حالة، حالة معتمة، او مبهمة، لكن هذه الاضاءة ليست باهرة، بحيث تخرج الحالة تماماً من عتمتها، لتغمرها بالضوء. عمر كوش