الفنان محمود الهندي من أهم فناني الخط العربي وصناع أغلفة الكتب في مصر.. ليس هذا فحسب وانما امتد نشاطه على مدار أكثر من 30 عاما الى ثلاثة مجالات أساسية أولها جمع التراث الشعبي وبخاصة الأغاني الشعبية ، وفي هذا المجال أصدر عدة كتب منها ديوان (ابن عروس) و(الأغاني الشعبية في مصر العليا) وهو الكتاب النادر الذي جمعه في القرن التاسع عشر عالم الفلكلور المعروف ماسبيرو وقام الهندي والدكتور أحمد مرسي بترجمته وتحقيقه، المجال الثاني الذي عمل فيه الهندي هو تحقيق كتب التراث وبخاصة كتب التصوف وقد أصدر الهندي عدة كتب في هذا المجال منها نصوص للحلاج. أما الخط العربي وصناعة الأغلفة فهو مجاله الابداعي الذي برز فيه بصناعة مئات الأغلفة اهمها أغلفة مشروع مكتبة الأسرة. والهندي الى جوار انه مثقف وقارئ نهم من هواة اقتناء الكتب النادرة القديمة لكل هذا كان حوارنا معه وكان السؤال عن بداية تعرفه الى عالم الكتب والى القراءة؟ ـ قال الهندي: كان والدي ووالدتي أميين، ولكن في مرحلة الدراسة الابتدائية كان من حسن حظي ان أستاذي للغة العربية هو المفكر الكبير خالد محمد خالد، وكان يشمل الطلاب وبخاصة الفقراء بعطف غير عادي وكان يحببنا في القراءة بطريقة مبتكرة فكان مثلا يحول حصة الدين الى حصة تمثيل بحيث يأخذ التلاميذ دور الشخصيات الدينية ويمثلون حياتهم وكان يوزع علينا كتب مكتبة الصف التي اشتراها وأعدها بنفسه، فيأخذ كل طالب كتابا يقرأه ثم يقوم باستبداله بكتاب آخر مع طالب آخر بعد عدة أيام ثم علمنا الاستاذ خالد ان نشترى الكتب من مصروفنا اليومي القليل. واثناء ذلك تعرفت على بائع كتب قديمة في ميدان الجيزة أذهب اليه لأشتري كتبا لمكتبة الصف، وهو (أحمد رسلان) الذي أصبح صديقي منذ نهاية الخمسينيات وقصته قصة فارس غريب الطبع فهو بائع كتب قديمة لا يبيع كتابا الا اذا قرأه، وهو كان طاهيا عند الأمير شكيب ارسلان في لبنان تعلم في قصره القراءة، ثم عاد الى مصر وكنا ونحن أطفال نسأله عن الأسئلة الصعبة دون خجل فيجيب عنها وهي الاسئلة التي لا تجد اجابة عند الكبار فيجيب عنها اجابات هائلة وأقرب الى العلمية. ثم أخذ هذا الرجل بيدنا وكان ينقلنا من مرحلة إلى أخرى في القراءة والمعرفة فكان يعطينا (المنفلوطي) ثم ينقلنا منه الى (الحكيم) الى (نجيب محفوظ) الى (طه حسين)، والأخطر أننا بدأنا على يديه، ونحن صغاراً نعرف الفرق بين الاتجاهات السياسية، رغم انه لم يكن رجل سياسة فكنا نجلس عنده ويتحول المجلس الى مسامرة عظيمة. ـ كيف حددت طريقك في القراءة بعد ذلك؟ ـ خرجت من حدود أحمد رسلان الى سور الأزبكية والمكتبات القديمة وبدأت كتابة الشعر الفصيح ثم اتجهت لكتابة شعر العامية، وكان من حظي ان أستاذي في مادة التاريخ في المرحلة الثانوية هو شاعر العامية (فؤاد بدوي)، والجميل ان التلميذ وأستاذه كانا يقدمان برنامجا اسمه (يسعد صباحك) في الاذاعة، وكان معدو البرنامج شعريا: فؤاد بدوي وعبدالرحيم منصور وأنا، كان ذلك في الستينيات. وأذكر انني بدأت في هذه الفترة اهتم بكتب الفن التشكيلي، وكتب التصوف وكتب السياسة والأدب، وكان همي الاكبر هو جمع كل مايخص التراث الشعبي والاغاني المصرية، وفي هذا الوقت كان المثقفون يديرون ظهورهم للأغنية الشعبية فقمت بجمعها وجمع التراث الشعبي منذ محمد علي حتى ذلك الوقت ولدي الآن منها ثروة طائلة لا تقدر بمال. ـ ماهي الكتب النادرة في هذا المجال؟ ـ مثلا لدى كتاب (سفينة الشيخ شهاب الدين) وهو أول كتاب طبع عام 1281هـ طباعة حجرية وهو جامع لكل التواشيح المصرية وموسيقاها، ومؤلفه الشيخ شهاب الدين، ولدي من الكتب النادرة ايضا كتاب (نيل الاماني في طلب الاغاني) للعلامة كامل الخلعي، بالاضافة الى مجموعات الغناء المطبوعة على حساب الامراء لشتى مطربي العصر بدأ من ألمظ وعبده الحامولي حتى نعيمة المصرية وكتاب مترجم لأساليب جوجان يعد من بدايات حركة النقد التشكيلي المصري ولم يشر اليه أحد في أي كتاب رغم انه كتاب تحليلي مهم جدا ودائما في مكتبتي احتفظ بالطبعة القديمة للكتاب، فمثلا عندي الطبعة القديمة لكتاب بلوتولاند للويس عوض الذي أصدره فيما بعد من هيئة الكتاب في طبعة ثانية بحيث لو قارنت الطبعة القديمة بالجديدة لوجدت انه تراجع عن الأفكار الأساسية للكتاب. ـ كيف انتقلت من جمع كتب التراث الشعبي الى كتب الخط العربي الذي هو فنك الأول؟ ـ كنت مهتما بجمع (المشقاة) وهو كراسات الخط العربي، فكنت أجمع منها الفارسي والتركي والعربي فأصبح لدي مكتبة نادرة غير موجودة في مدارس تحسين الخطوط بها أمهات كتب الخط العربي في شتى الدول في طبعاتها الأولى، والمدهش انه ينقص دار الكتب مثل هذه الكتب، فعندما بحثت عنها في دار الكتب لم أجد نسخا منها وفي هذا السياق أحببت الخط العربي ولكن كنت عدوا لأصوله، بمعنى انني لم استطع اتباع الأصول التقليدية رغم معرفتي الدقيقة بها، فقد أثرت ان يكون الخط ابداعا مثل الفن التشكيلي، وليس مجرد قواعد وأصول فقط، فاجتهدت في الخط الكوفي وأوجدت له عدة اشكال تشكيلية، وكذلك بعض الخطوط الأخرى التي لم أسمها بعد فهي ليست وفق التقاليد القديمة. والآن أتعامل مع الخط من خلال الكتابة التلقائية بالفرشاة لعمل بصمة شخصية. ـ كيف تبدأ في عمل غلاف لكتاب من الكتب؟ ـ هناك العديد من الطرق لتلقى فكرة الكتاب أولا. فإذا كان الكتاب علميا أدير حوارا مع المؤلف للإمساك بتلابيب الفكرة الجوهرية في الكتاب أما اذا كان الكتاب أدبيا (شعر أو قصة أو رواية) فلابد ان أقرأه كاملا وأعايش النص وأرسم في خط مواز وليس مفسرا للعمل الأدبي أي انني انطلق من روح العمل ولا أفسره بمعنى ان اللوحة تصبح ابتكارا جديدا موازيا للابتكار الأدبي. ـ أطرح أمثلة لما تقول؟ ـ مثلا اذا كان عنوان الديوان (حبيبتي والقمر) فأسهل الطرق ان يرسم الفنان وجه فتاة رومانسية يعلوها القمر، وفي هذه الطريقة تفسير ساذج للعمل الأدبي أما بالنسبة لما أفعله فإنني أقرأ النص الأدبي كاملا متغاضيا عن عنوان الكتاب حتى أصل الى الأفكار الاساسية للكتاب وأعبر عنها تعبيرا مغايرا لتوقع الشاعر نفسه والمتلقى أيضا. بمعنى انني يمكن ان أصنع صراعا بين خطوط أو تآلف كتل أو حوار مابين كتلة وفراغ لأني اتعامل مع المضمون من خلال لغة الشكل وليس من خلال لغة الأدب أما الكتاب الفكري فيكون المطلوب هو التعبير عن الفكرة الأساسية للكتاب وذلك من خلال لوحة أو من خلال علاقة لونية تعكس مضمون الكتاب. ـ ماذا تقصد بمضمون الكتاب؟ ـ مضمون الكتاب لا أقصد به الموضوع فالموضوع غير المضمون تماما فلو كان موضوع الكتاب هو كرة القدم فالمضمون أحيانا يتحدث عن تحالفات بعينها في مباريات بعينها. فتشكيليا المضمون يأتي من لغة الشكل التي تعتمد مفرداتها على الخط والضوء والنور والظل والكتلة والملمس والمساحة والنعومة والحدة.. الخ، وهي بديل للألف باء في الأبجدية تلك هي حروف اللغة الفنية التي تتحدث بها اذن فأنا لا اتعامل مع الموضوع وانما اتعامل مع المضمون. ـ ولكن عمليا كيف تتم عملية صنع الغلاف للكتاب؟ ـ نبدأ بتحديد نوع الخط ومساحاته وعمل التصميم الأول، والتصميمات تخضع لثلاث طرق: الأول تدعى القطاع الذهبي، فأي صفحة بيضاء ليست في الحقيقة بيضاء، لكنها تحمل نقطة البدء التي تتوسطها وبالتالي فإن دور الفنان هو تحريك النقطة الوهمية التي تتوسط الصفحة في مناطق جديدة لبدء عمل الغلاف أو العمل الفني، فتحريك نقطة المنتصف الوهمية يكون الى أعلى أو إلى أسفل في اليسار أو في اليمين وتبدأ قراءة الغلاف على هذا الأساس جزئية جزئية بداية من العنوان الذي يمثل نقطة الارتكاز الجديدة التي كانت في المنتصف وتحركت. الطريقة الثانية هي القطاع الفضي. وهي الحفاظ على نقطة المنتصف كبدء لقراءة العمل الفني. الطريق الثالثة طريقة حرة وهي طريقة ارتجالية لا تخضع لقانون وغالباً مايكون الغلاف فيها مهترئاً الا اذا كان الفنان ذا حساسية فائقة، هذه هي الطرق الثلاثة الأساسية لصناعة غلاف الكتاب. ـ من هم أهم صناع الأغلفة في العالم العربي من وجهة نظرك؟ ـ أهم صناع الغلاف عصمت شنبور (لبنان) حلمي التوني ومحيي اللباد ومحمد أبوطالب (مصر)