لاتزال منطقة البلقان بعد حوالي ثلاث سنوات من نزاع كوسوفو الأخير الذي قامت فيه قوات الحلف الاطلسي بقصف جوي لأهداف محددة في «صربيا» وبعد سقوط الرئيس الصربي «اليوغسلافي» السابق سلوبودان ميلوزيفيتش، ومطالبة الغرب بتقديمه للمحاكمة، لاتزال هذه المنطقة تسترعي اهتمام العالم باعتبارها احد بؤر التوتر المستمر. واذا كان الوضع قد بدا مستقرا في «كوسوفو» حيث ترابط باستمرار قوات حفظ الأمن الدولية «كفور»، فإن الاحداث قد انفجرت مؤخراً في مقدونيا حيث تحاول حركة «جيش تحرير كوسوفو»، «تحرير» الألبان المقدونيين. هذا الكتاب «الابواب المئة للنزاعات اليوغسلافية» يشكل مفتاحا مهما لفهم المشاكل المزمنة التي تعاني منها هذه المنطقة من العالم، ويحاول المؤلفان، المؤرخ والصحفي جان ارنو ديرينيس، والاستاذة الجامعية ماترين ساماري ان يحللا النزاعات المتتالية التي عرفتها المنطقة ضمن سياقها التاريخي والجغرافي. مع محاولة التحلي بأكبر قدر ممكن من «الحياد» وعدم اتخاذ اي موقف مسبق ولكن بنفس الوقت عدم وضع «الاعتداء» و«الدفاع عن النفس» في نفس «الخانة». المسألة الأولى التي يرفضها المؤلفان هي اعادة كل اسباب الحروب والنزاعات التي شهدتها منطقة البلقان الى العامل الاثني» والى «الحقد التاريخي» بين المكونات الاساسية للمجتمعات المعنية. بالمقابل يرجحان اعادة الاسباب الحقيقية لحروب العقد الاخير من الزمن الى خلفياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحيث ان مطلب «حق الشعوب في تقرير مصيرها» قد اظهر امكانية ان يكون عامل تفجير في مجال متعدد الانتماءات القومية مثل المنطقة البلقانية. اذ ان تأكيد حقوق شعب ـ عندما يرمي الى فرض سلطته الحصرية على منطقة من المناطق ـ لا يمكن ان تتحقق إلا على حساب المجموعات الاخرى. بتعبير آخر لا يمكن لارادة بعض القوى الفاعلة المحلية إلا ان تكون ذات نتائج مأساوية إذا حاولت اقامة نوع من «الدولة ـ الامة». ويتم ضمن هذا السياق التفريق في التحليلات المقدمة بين «الشعب» وبين «الاقلية» وحيث ان مثل هذا التفريق يكتسب اهمية كبيرة في مجموعة البلدان البلقانية. وقد بدت مثل هذه الاهمية بوضوح بالنسبة للنزاع في مقدونيا، حيث يريد الالبانيون ان يكتسبوا صفة «شعب مؤسس» في اطار الامة المقدونية للتخلص من حالة التمييز العرقي التي يعانون منها. ويؤكد المؤلفان من جهة اخرى بان الاسباب التي أدت الى انفجار النزاعات المتكررة في منطقة البلقان لاتزال قائمة. يقولان: «اذا كان طيف الحرب قد ابتعد قليلا خلال عام 2000 عن البلدان التي كانت تشكل يوغسلافيا السابقة، فإنه لا يمكن مع ذلك اعتبار ان اي تناقض من التناقضات التي قامت الحرب على اساسها قد تمت تسويته بصفة نهائية. وهذا ينطبق على الوضع في البوسنة ـ التي يفترض ان تشكل دولة واحدة ولكنها موزعة بين كيانين قوميين ـ وفي كوسوفو: بالاضافة الى التطلعات التي لا علاقة بمسألة الهوية في الجبل الاسود ومشكلة الاقليات في كرواتيا وفي مقدونيا..». ان هذا الكتاب لا يتجاهل في «بوابة المئة» التعقيد الكبير الذي تتسم به منطقة البلقان. انه يتعرض لاهم الشخصيات السياسية وللأمكنة وللمعتقدات الدينية وللتقاليد ولنمط الحياة... الخ. التحليلات المقدمة تتسم بالاختصار والدقة بنفس الوقت