بيان الكتب: باتريك مونديانو، من مواليد عام 1945، نشر روايته الاولى التي حملت عنوان «ساحة النجمة» عام 1968. وتلقى عام 1972 جائزة الاكاديمية الفرنسية عن روايته «شارع الحزام». ونال عام 1978 جائزة «الجونكور» اي الجائزة الادبية ، الاكثر شهرة في فرنسا والتي نالها كل من أمين المعلوف والطاهر بن جلون وذلك عن روايته «شارع الحوانيت المظلمة». وتم منذ فترة قصيرة اخراج احدى رواياته «ايام الاحاد في شهر اغسطس» في فيلم سينمائي. في هذا العمل الجديد «الجوهرة الصغيرة»، يقوم المؤلف بنوع من الحديث عن «احلامه» على لسان فتاة تعيش حالة من العزلة وتركز حياتها واحاسيسها على ماضيها مبتعدة بذلك عن الحاضر مع ضياع اي امل مستقبلي. انها من اولئك البشر الذين «يمكن ان نقابلهم في الشارع دون ان نراهم». لكن مونديانو، وعبر امتلاك نوع من الحاسة السادسة، يمتلك موهبة الرؤية المتمعنة والاصغاء بانتباه الى تيريز «الجوهرة الصغيرة». هذه الفتاة الريفية التي تشابه الى حد كبير تلك الفتيات المجهولات الثلاث اللواتي شكلن الشخصيات الرئيسية في رواية باتريك مونديانو السابقة «المجهولات». واللواتي بدين تماما بأنهن «منسيات» من شيء اسمه السعادة وتيريز تمشي في الطريق نفسه. «انها لا تعيش وانما تجر ايامها كما يصفها باتريك مونديانو انها ايضاً بلا عمل ولا عائلة. وذات يوم تقابل في «المترو» الباريسي امرأة ترتدي معطفاً اصفر اللون وتعتقد بأن هذه المرأة المجهولة هي امها على الرغم من أن القريبين منها كانوا قد أكدوا لها بأن امها قد توفيت قبل خمس عشرة سنة في المغرب. انها تتبع تلك المرأة وتعرف دقائق صغيرة تعيشها في حياتها اليومية. لقد جعلت «تيريز» من هذه المرأة المجهولة التي اعتبرتها امها موضوعاً لحياتها ولاهتماماتها، ونوعا من «علة وجودها» ويبدو في هذا الأمر نوع من «الالتزام» الوجودي مثل ذلك الذي عاشه «روكانتات» بطل رواية «الغثيان» لجون بول سارتر والذي «التزم» بكتابة سيرة حياة رجل في القرية «لها قيمة كبيرة» له. ان «تيريز» التي تتم رواية احداث هذه القصة على لسانها، وعلى خلاف بطل سارتر الذي يعيش الواقع بكل ثقله وتفاصيله بغية تحقيق «وجوده وكينونته». تعود الى الماضي، الى تلك الفترة «التي كانوا يطلقون علي لقب الجوهرة الصغيرة» كما تقول في روايتها. هذه الرواية هي في الواقع وقبل كل شيء نوع من طرح التساؤلات العميقة التي طالما طرحها المؤلف، بهذه الصورة او تلك في اعماله التي بلغ عددها حتى الان تسعة وثلاثين عملاً، حول «الطفولة» و«الذاكرة»، ولعله من المشروع التساؤل ايضا عن «السر» الذي يخبئه «مونديانو» حول حياته اذ نراه يقول في احدى مقابلاته حول اهله: «كان اهلي طيبين، وكانوا مغامرين غامضين». ان هذا الغموض لايزال قائماً بعد السلسلة الطويلة من الكتب التي اصدرها المؤلف وفي هذه الرواية الجديدة «الجوهرة الصغيرة» تبقى التساؤلات نفسها قائمة اذ ان «تيريز» التي ترى في تلك المرأة ذات المعطف الاصفر التي صادفتها ذات يوم في احدى محطات مترو باريس صورة امها التي توفيت رسميا قبل سنوات عديدة، لكنها بالمقابل لا تتعرض ابدا للاسباب التي دفعت بأمها الى المغرب حيث «ماتت»، كما قيل لها فهل تخلت عنها؟ ولماذا؟ ليس هناك اي تحديد واضح الا بعض الاشارات العابرة حول طبيعة عمل تلك الام. واشارات «متناقضة» احياناً اذ تكاد تبدو احيانا ذات ماض يثير الشبهات. اذ تقول «الجوهرة الصغيرة» عن ذكريات طفولتها «في ذلك اليوم من عمليات القصف الذي ارتعدت فيه خوفاً». ويكاد يبدو بأن تلك الام كانت «خليلة» احد ضباط الاحتلال النازي لفرنسا وانها عاشت معه في الحي «البورجوازي» من باريس ـ الدائرة السادسة عشرة ـ بالقرب من غابة «بولونيا» الشهيرة. ولعل تلك الام قد حملت لقب امرأة نبيلة مزيفة هي الدوقة «سونيا اوداي» ثم اضطرت للهرب عند تحرير فرنسا خوفا من السجن او من «جزّ شعرها». كما حدث بالنسبة للنساء اللواتي تعاملن مع قوة الاحتلال، وهربت الى المغرب حيث «ماتت». ان المؤلف لا يقول اي شيء بصراحة ولكنه يطلب من قارئه ان «يكتشف» الالغاز ـ كما في الروايات البوليسية ـ عبر القراءة بين السطور. هذا بالاضافة الى بعض الجمل المتناثرة هنا وهناك على لسان «البطلة» والتي تحمل، اي الجمل، دلالات شبه واضحة حول العلاقة مع الطفولة والذاكرة مثل «لدي الاحساس بأن ذكريات الطفولة تشغلكم كثيراً او «على المرء ان يجد في حياته بعض نقاط الارتكاز كي تتوقف الحياة عن ان تكون حركة تأرجح دائم» او «لقد اردت العودة مرة اخيرة الى الماضي من اجل الفهم ـ فهم الحاضر». لقد اثارت هذه الرواية الكثير من النقاش والتعليقات والكتابات منذ صدورها قبل اسابيع من الزمن.. ومن الملاحظ ان نقادا ادبيين عديدين لم يترددوا في اتهام «مونديانو» بعدم القدرة في التجديد وانه «يعود» دائماً الى الاماكن نفسها واحداث الماضي نفسها و«الاسرار» نفسها التي احاطت بحياته خلال سنوات الطفولة. وفي الواقع هناك الكثير من التشابه بل ومن النقاط المشتركة بين رواية مونديانو الاولى «ساحة النجمة» التي كتبها عندما كان عمره ثمانية عشر عاما وهذه الرواية الجديدة «الجوهرة الصغيرة» التي تصدر بعد ثلاث وثلاثين سنة. ان السنين الطويلة لا يبدو انها قد أدت الى نسيان الاسرار المخبأة في «علبة البسكويت القديمة» التي احتفظت بها «الجوهرة الصغيرة». ان «مونديانو» يكتب كي يرى الماضي افضل. كما يبدو هذا الماضي، فترة الحرب العالمية الثانية وما رافقها من اجواء المقاومة من اجل التحرر من جهة والتعامل مع قوة الاحتلال من جهة اخرى، تزخر به المؤلفات التي كتبها اصحابها انطلاقا من مواقع مختلفة تبعا لزاوية النظر. ولكن ومهما اختفت هذه «الزوايا» فإن الشيء الاكيد هو ان تلك الفترة من الزمن لاتزال «تضغط» على الذاكرة الجماعية للشعوب الاوروبية المعنية بها مباشرة. اذا كان حقل الكتابة عن «الذاكرة» هو قبل كل شيء من اختصاص المؤرخين او اولئك الذين يقدمون شهاداتهم الحية على احداث كانوا قد عاشوها، فإن «مونديانو» يكتب ايضا عن «الذاكرة» من موقع الروائي والفرد الذي عاش «خصوصية» الماضي في تجربته الخاصة وبحيث انه قد يمكن استشفاف بعض ملامح الصورة العامة من خلال «التجربة» العيانية التي يتم التعبير عنها ادبيا، وذلك تطبيقاً لقاعدة شائعة عبّر عنها جورج بيريك بالقول: «كل تجربة انسانية يمكن ان تنفتح على الادب وكل ادب على التجربة». في احد تعليقاته على «مدام بوفاري»، «السيدة بوفاري» قال مؤلف الرواية التي حملت العنوان نفسه، اي جوستاف فلوبير: «السيدة بوفاري، هي انا»... ولاشك انه بامكان «باتريك مونديانو» ان يقول ايضاً. وبكثير من الثقة: «الجوهرة الصغيرة... هي أنا»