بيان الكتب: مؤلفا هذا الكتاب هما أخصائيان بعلم النفس، وماري فريدريك باكيه استاذة في جامعة «ليل» الفرنسية، ولها عدة مؤلفات تخص مسألتي «الموت والحداد» مثل «الحداد الذي علينا ان نعيشه» و«الحداد والصحة»... إلخ. وميشيل هانو أخصائي بعلم النفس وطبيب كما انه رئيس ومؤسس جمعية «مواجهة الحداد» من مؤلفاته «اشكال الحداد في الحياة» و«الأطفال في مواجهة الحداد» و«لنتحدث عن الحداد والموت».. إلخ. لا شك بأن الحداد هو أحد أكثر التجارب التي يمكن للانسان ان يواجهها طيلة حياته، وهذاأيضاً وللمفارقة أحد المواضيع التي ظل محظوراً الخوض فيها في المجتمعات الغربية حتى فترة غير بعيدة من الزمن،وهذا على الرغم من الاهتمام الكبير الواضح، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية بمناقشة جميع المواضيع ذات الصلة بالموت. هذا الكتاب هو في الواقع نوع من خلاصة الأبحاث التي قام بها المؤلفان على مدى سنوات عديدة حول ظاهرة «الحداد» في التاريخ الإنساني عامة وفي الغرب المعاصر خاصة. ويبدو «الحداد» بمثابة «ممر إجباري» أمام كل من يفقد عزيزاً على قلبه، ولكن مهما كانت درجة قسوته واستمراريته فإنه يعبر في نهاية المطاف عن نزوع بالتوجه صوب الحياة والاستمرار في العيش عبر محاولة دمج تجربة الموت والنهاية في الحياة الانسانية نفسها. لكن الحداد ليس سهلاً بل يتطلب الكثير من الوقت ومن الجهد ومن الألم. والحداد كما يقدمه مؤلفا هذا الكتاب يصيب الجسد والروح معاً انه يجسد مجوعة ردود الأفعال التي تترتب على فقدان انسان عزيز، وكان سيجموند فرويد قد كتب عام 1915 ما يلي: «الحداد رد الفعل الطبيعي لخسارة شخص عزيز أو لما يمثله هذا الشخص العزيز من رموز كالوطن أو الحرية... إلخ. لكن مفهوم الحداد نفسه لا يتعلق بالموت فقط، وإنما قد يكون مرتبطاً بـ «الخسارة» خسارة من نحب، ولكن الخسارة نفسها تمثل أحد العناصر الداعية للحداد بعد الموت، ذلك لأن «الموت أو الحداد باعتبارهما تعبيراً عن أحداث كبرى إنما يندرجان في سياق القطيعة للتاريخ الشخصي والعائلي بالوقت نفسه، لكن الموت وما يمثله من قطيعة «راديكالية» يجذب الانتباه كثيراً، بينما يرتبط الحداد، من حيث طريقة عيشه وبالنتائج المترتبة عليه كما بالنسبة لسبل الخروج منه بالعلاقة التي كانت قائمة وتستمر دائماً بأشكال أخرى بين «من يرحل» و«من يبقى» ان الحداد فعل حميمي عميق يعيشها الانسان في أسرار القلب، ولذلك هو بحاجة إلى الصمت، كما يقول مؤلفا هذا الكتاب. ومن السمات التي يتسم بها الحداد هو انه فعل متكرر إذ ان الانسان يعيش ومنذ سنوات طفولته الأولى تجارب مختلفة من الخسائر والتي يترتب عليها أنواع متباينة من «الحداد» وبهذا المعنى لا تتم مناقشة الحداد في هذا الكتاب على أساس انه يخص فترات محددة من حياة الإنسان، وإنما بصفته مساراً مستمراً في كل تجربة إنسانية، إنما يتم التعبير عنها في لحظات الخسارات الكبرى وما يتلوها من «حداد» بشكل أكثر وضوحاً وأعمق تأثيراً. وضمن إطار «الخسارة والقدرة على دمجها في استمرارية الحياة» و«الحداد والكفاءة على عيشه» يعيش البشر التجارب الأولى للانفعالات المترتبة على العلاقة مع الآخر. وإذا كان الحداد يمثل أساساً تجربة فردية يعيشها كل انسان على طريقته فإنه يعبر أيضاً عن «حقيقة جماعية» لها في أحيان كثيرة طقوسها ومتطلباتها، مثل ارتداء نوع معين من الملابس ـ السوداء غالبا ـ لفترة محددة من الزمن. يقول المؤلفان: ان البعد الاجتماعي للحداد قد غدا اليوم أقل ظهوراً في مجتمعاتنا الغربية لكنه مع ذلك لم يختف تماما. هذا إلى جانب بروز ظواهر جديدة للعلاقة الاجتماعية مع حدث الموت نفسه إذ ان الاحصائيات على ان عملية الحرق مثلت في فرنسا عام 1998 نسبة 17% اثر الوفاة وهي في ازدياد مستمر على الرغم من انها ليست مندرجة في التقاليد الاجتماعية والعقائدية لهذه البلاد. وبالموازاة مع هذه الظاهرة هناك تراجع عن المظهر الجماعي للحداد باتجاه ما هو «فردي» و«خاص». ان الحداد لم يعد يجد تعبيراته الظاهرة في الحياة العامة، وإنه يريد ان يختبئ، يقول المؤلفان. وبالوقت نفسه الذي تتكاثر فيه المقالات والدراسات والبرامج الاذاعية والتلفزيونية التي تتطرق لموضوع الحداد وطقوسه «التقليدية» نجد هناك عزوفاً متزايداً أيضاً لدى الغربيين المعاصرين عن المشاركة في المراسم الجنائزية لمعارفهم أو حتى لأعضاء من أسرتهم بحجة كثرة المشاغل أو بعد المسافات، بل أوصبح يتم الاكتفاء في أغلب الأحيان بأن يدون الذين حضروا أسماءهم على سجل لـ «إثبات حضورهم» بدلاًمن مراسم «تقديم العزاء» التقليدية في نهاية المأتم. ان هذا التقهقر الذي تشهده الممارسات الاجتماعية على صعيد المراسم الجنائزية يتماشى مع تنامي ظاهرة الانتشار الكبير لـ «مآوي العجزة» وأيضاً للأقسام المختصة بالطاعنين في السن بالمستشفيات، هكذا تشير احصائية يقدمها مؤلفا هذا الكتاب، إلا ان 70% من الفرنسيين على الأقل يمضون أيامهم الأخيرة في المستشفيات والمؤسسات المختصة، وحتى لو كان البعض منهم يتمنون الموت في بيوتهم. إن هذا «التبدل» في «التعامل» مع الموت أنتج تبدلاً في اليات عيش فترة الحداد. وهذا كله ليس سوى مؤشر على «زيادة» عزلة سكان المدن والقطيعة في مختلف أشكال التضامن الاجتماعية والأسرية، كما يقول المؤلفان، ثم يضيفان: «ان التبدلات التي طرأت على علاقاتنا مع الموت هي بالتأكيد على صلة وثيقة مع الظواهر الاجتماعية المتمثلة في الانعزال ونقص روح المسئولية وتعاظم النزعة الفردية. ومن جهة أخرى تبدو القيم الاجتماعية الغربية الراهنة المعترف بها، بل المطلوب تحقيقها مثل التقدم والنجاح والرفاهية، وكأنها في تناقض مع «أشكال إظهار الألم» هذه الأخيرة ـ أي أشكال إظهار الألم ـ غدت مقتصرة على «الدوائر الخاصة» و«بعض المؤسسات الاجتماعية المعنية». وفي المحصلة العامة لمثل هذا السياق أصبح هناك قدر كبير من «التشوش» لدى البالغين أنفسهم حيال مفهوم «الحداد» إلى درجة انهم أخذوا يعانون فعلاً من عدم القدرة على تقديم إجابات مقنعة قد يوجهها الأطفال، أطفالهم أو أطفال الآخرين حيال مسائل فقدان انسان عزيز. لذلك كرس المؤلفان الفصول الخمسة الأخيرة من كتابهما من أصل الفصول الثلاثة عشرة التي يتألف منها، لمناقشة كيفية «مواجهة» و«استبطان» الأطفال لـ «الحداد» وعبر هذا علاقتهم مع «الألم» و«الواقع» والذكريات، وأحيانا «الاحساس بعقدة الذنب» أي الأطفال يعيشون حدادهم على طريقتهم، كما سيشرح المؤلفان، وإذا لم يستطيعوا ان يعيشوا حدادهم حتى نهايته فإنهم يحتفظون بجزء من حزنهم بحيث لا يمكن إلا ان يظهر ذات يوم فيما بعد. ومن الملفت للانتباه بأن موضوع «الحداد» قد غدا أحد المواضيع الراهنة في الغرب اليوم، ولكن «ممارسته» أصبحت في الواقع مرفوضة أكثر في مجتمعات هذا الغرب، وإذا كان يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم فرع كامل متكامل يعنى بالمسائل المتعلقة بالحداد على اعتباره نتيجة مباشرة تلي الموت المحتوم، وذلك ضمن اطار الدراسات الخاصة بعلم النفس، فإن مختلف البلدان المتقدمة تسير بالاتجاه نفسه والاهتمام بـ «الحداد» على اعتبار انه سلوك فردي وواقع اجتماعي بالوقت نفسه. وحيث تعتبر أعمال سيجموند فرويد إحدى نقاط الانطلاق الأساسية في الاهتمام بمثل هذا الميدان من البحث وخاصة في مقالة شهيرة له كان قد كتبها تحت عنوان: «الحداد والكآبة» الذي عرض فيه بإسهاب آراءه حول العلاقة بين «خسارة الآخر». و «فقدان جزء من الذات» تبقى الخطوة الأولى في أي مسار لتجربة الحداد هي «حالة الصدمة» التي يتم التعبير عنها بجملة شائعة تقول ما يفيد دائماً تقريباً ما مضمونه: «كلا ليس صحيحاً، لا أريد تصديق هذا، ليتم التدرج بعد ذلك على مراحل قد تختلف تعبيراتها حسب الظروف والأشخاص وتتميز لحد مرحلة بتأثيرات متمايزة على المستويات الجسدية والفكرية والعاطفية. لكن قد يكون للحداد في بعض الحالات مضاعفاته خاصة في حالة الحداد التي يتم «كبته» لا سيما عند الأطفال الذين يخرجونه ذات يوم على هيئة اضطرابات انفعالية وعاطفية، وهناك أيضا حالة الحداد المزمن و«الحداد الهستيري»... إلخ، حيث الرهان دائماً هو «الانسان.. في مواجهة الموت» موت الآخر.. القريب الذي نحب.