بيان الكتب: ليو ستروس هو احد اهم المفكرين السياسيين الاوروبيين في القرن العشرين. وهو الماني الاصل كان قد هاجر من بلاده اثناء الحرب العالمية الثانية الى فرنسا اولا ومنها الى بريطانيا ثم الى الولايات المتحدة الامريكية حيث استقر بشكل نهائي. اشتهرت اطروحات ليوستروس بعدائه الكبير للنظام الشيوعي وللانظمة الشمولية الاخرى. هذا مقابل ايمانه العميق بان المنظومات السياسية اليونانية القديمة تشكل اسس افضل الانماط السياسية. في هذا الكتاب يطرح المؤلف تساؤلاته عن الاسباب العميقة التي دعت الحداثة الى «توليد» نماذج من الانظمة السياسية تلغي كل اشكال الفكر بحيث انها تتساوى مع نوع من «العدمية» السياسية. ويكرس المؤلف ضمن هذا الاطار اهتمامه الرئيسي الى دراسة المنظومتين الشيوعية والنازية. انه يرى في ضياع المعنى العميق للقيم الاخلاقية التي تم التأسيس لها منذ افلاطون وارسطو نوعاً من «الانحطاط» الذي عرفه الانسان «الحديث» وبالتالي ما شكّل القاعدة التي قام على اساسها ما يسميه بـ «النزوع العدمي» الالماني. الذي كانت النازية تعبيراً صريحاً له. وقد اعاد المؤلف جذور هذه العدمية الى عصر النهضة الاوروبي. هكذا يرى ليوستروس في رفض القيم العريقة لـ «العقل» و«الحضارة» التي قال بها الفلاسفة اليونانيون القدامى وجعلوها اساساً للحياة السياسية للناس سبباً في مختلف اشكال «الانحراف» في الفكر السياسي الغربي كله. ويؤكد ضمن النهج نفسه من التحليل بان الفيلسوف فريدريك نيتشه بمثابة افضل ممثل خلال القرن العشرين للتوجه المناويء للافكار الافلاطونية. لكن هذا لا يلغي واقع اظهار المؤلف لاعجابه الشديد في هذا الفيلسوف. القسم الثاني من الكتاب يحمل عنوان: «ازمة عصرنا» والذي يتحدث فيه المؤلف تحديداً عن «ازمة الفلسفة السياسية». ان الصفة الاولى التي يتم التأكيد عليها بالنسبة للفكر السياسي الراهن هي انه قد اضاع امكانيات، بل وقدرات، التأمل بالغايات النهائية للعيش المشترك. وهذا ما يعادل في اطروحات «ليو ستروس» بان السياسة قد فقدت المباديء التي كانت تقوم عليها خلال الحقبة اليونانية القديمة. ولا يتردد بالمقابل في الدعوة للعودة الى الاصول الاولى للعمل السياسي كما جاءت خاصة في اطروحات ارسطو والتي تملك كما يقول المؤلف غنى وثروة يمكن ان تكون مصادر يستلهم منها الساسة منهجاً لعملهم وتوجهاتهم. لاشك بان فكر ارسطو غني ومعقد، ولكن هل هو بالفعل فكر راهن؟. هذا سؤال يحتاج الى نقاش حبري. يقدم مؤلف هذا الكتاب ايضا نقده للمفاهيم التي قدمها الفيلسوف الالماني «هايدجر»، هذا مع تأكيده بان هذا الاخير هو «فيلسوف حقيقي»، خاصة في «قراءاته» التي قدمها للفلاسفة اليونانيين القدامى. لكن يبقى «مكيا فيللي» هو بنظر «ليو ستروس» هو المؤسس الحقيقي «لعلم السياسة». اذ اعتبارا من اطروحاته لم تعد السياسة مجرد «زائدة» تابعة للمنظومة الاخلاقية. ان مكيا فيللي هو «المؤسس الحقيقي للفلسفة السياسية». ولكن بعيدا عن المفاهيم اليونانية القديمة. وهذا ما يرى به المؤلف نقطة ضعف كبيرة. كتاب في الفلسفة.. والسياسة.. والفلسفة السياسية.