بيان الكتب: يعمل روبير. د. كابلان مراسلا لمجلة «ذااتلانتيك مونتلي» ومؤلف لعدد من الكتب حول السياسة الخارجية من بينها كتاب «أشباح البلقان» الذي اختارته مجلة «نيويورك للكتب» أحد أهم تسعة أعمال خلال عام 1993، كما تم اختياره أيضا من قبل مؤسسة «امازون». كتب «روبير كابلان» أيضا في أدب الرحلات ووجد كتابه «نهايات الأرض» مكانة بين قائمة الكتب الأمريكية الأكثر انتشارا على المستوى القومي كما اختارته أيضا كل من «واشنطن بوست» و«لوس انجلوس تايم» كأحد أفضل الأعمال خلال سنة صدوره، وقد عمل المؤلف لسنوات عديدة مستشارا لدى الجيش الأمريكي. يعيش حاليا مع زوجته وابنه في ولاية ماساشوست الأمريكية. «الفوضى القادمة» التي يتحدث عنها روبير د. كابلان في هذا الكتاب الذي يحمل العنوان نفسه إنما تعني رحلة «التكوّن» الجديد التي يشهدها العالم اليوم بعد انهيار جدار برلين عام 1989 وسقوط الامبراطورية السوفييتية ونهاية الحرب الباردة وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة مهيمنة في ظل النظام الدولي الجديد. ويرى «كابلان» بأن حركة «التحلل» و«إعادة التركيب» التي سادت المشهد «الكوني» بعد نهاية الحرب الباردة لاتزال في بداياتها الأولى، وما يبدو على صعيد العلاقات الدولية في الوقت الراهن، وخاصة بالنسبة للشرق ووسط أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط، ليس سوى «مقدمة» لتبدلات حقيقية تلوح في الأفق وتنبيء بحالة من «الفوضى» التي تتمثل عناصرها الرئيسية في قيام «ديمقراطيات متفجرة جديدة في «أوروبا الشرقية» و«تنامي النزعات القبلية الهمجية في افريقيا» و«حروب أهلية ودورات عنف متكررة ذات طابع اثني في منطقة الشرق الأوسط» و«مجاعات وأراض متناثرة هنا وهناك». هذا كله أدى إلى ازدياد الهوة بين الشعوب الغنية والشعوب الفقيرة في العالم، وحيث ان الأمم الغنية ستجني ثمار التكنولوجيات المتقدمة التي يبدو أنها ستذهب بعيدا أيضا كي تقدمها، بينما «ستنزلق» الأجزاء الأخرى من العالم نحو حالة من «الفوضى المعممة». هذه المعطيات والمشكلات كلها سيكون لها أثرها البالغ، حسب رأي مؤلف هذا الكتاب، بالنسبة لصياغة «المشهد الجيوسياسي» لعالم الغد. ويؤكد ضمن هذا السياق على أهمية «الدروس» التي شهدها التاريخ وكما شرحها «ادوار جيبون» في كتابه الشهير الذي يحمل عنوان «تاريخ انحطاط الامبراطورية الرومانية وسقوطها». كما يؤكد على الدور الذي سيلعبه «الارث» الذي تركه سياسيون كبار من أمثال هنري كسنجر الذي يصفه بأنه كان «يخلط» العنف بالدبلوماسية، على أساس ان مثل هذا العنف يعطي للدبلوماسية «مصداقيتها». و«كسنجر» مثال يقدمه المؤلف مع أمثلة أخرى، يعتقد روبير كابلان بكونها لها أثرها في «هندسة» الواقع العالمي الجديد. ان الاطروحة الأساسية التي يشرحها ويطورها مؤلف هذا الكتاب على مدى فصوله التسعة تقوم على أساس وجود عالم موزّع بين مجتمعات تنتج السلع والخدمات التي يريد الجميع الحصول عليها وبين المجتمعات الأخرى التي تعاني بصيغ مختلفة وعلى درجات متباينة من أشكال من الفوضى الظاهرة أو الكامنة. وإذا كانت ظاهرة الانقسام «الثنائي» هذه ليست جديدة في الواقع إذ تمّ التعبير عنها من خلال الحديث عن «الشمال» و«الجنوب»، والعالم المتقدم و«العالم الثالث»، فإنها قد أصبحت أكثر حدة في ظل «النظام العالمي الجديد» و«العولمة». وهذا ما يدلل عليه المؤلف بمؤشر واحد يوضح ببلاغة البون الشاسع بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة إذ مقابل 65 دولارا أميركيا ـ كمعدل وسطي ـ يكسبها أبناء الأولى هناك دولار واحد فقط يكسبه مواطنو البلدان الفقيرة، ويشير كابلان أيضا بأن هذا التقسيم لا يخص فقط «الشمال» و«الجنوب» وانما هو موجود أيضا بين البلدان والمناطق. يبدأ المؤلف أولا برسم صورة مأساوية للحالة التي تشهدها القارة الافريقية السوداء، حيث تشتعل بؤر عدة للحرب الأهلية وتتصاعد حدة العنف ذي الطابع الاثني حتى مع تبني بعض البلدان الافريقية للنظام الديمقراطي، كما هو الحال بالنسبة لنيجيريا. وتتكرر الصورة نفسها تقريبا بالنسبة لشبه القارة الهندية إذ ومع وجود تنمية مشهودة ومرموقة تتعاظم التهديدات بعدم الاستقرار على قاعدة التزايد الكبير في عدد السكان واستنفاد الثروات الطبيعية والانقسامات الاثنية والقبلية.. وفي محصلة هذا كله يحاول المؤلف أن يوضح الدور الكبير الذي تلعبه اليوم عوامل مثل الندرة في الموارد والجريمة وزيادة السكان الكبيرة والنزعات الاثنية والقبلية المتطرفة في تشكل النسيج الاجتماعي لعالم اليوم. ويتساءل المؤلف في عنوان أحد فصول هذا الكتاب: «هل الديمقراطية مجرد لحظة؟». ويؤكد في معرض الاجابة على القول بأن الديمقراطيات الغربية حاولت، ولاتزال تحاول أن تقوم بعملية «تصدير» ما تعتبره «نسختها الديمقراطية» إلى مناطق العالم الأخرى، ولكن لم تظهر حقاق الواقع ان عملية «التصدير» هذه لم تجد أرضا خصبة لها في الخارج وانما بدا أيضا أن هناك أسئلة جوهرية تنطرح حول هذه الديمقراطية في بلدانها نفسها وبحيث انها يمكن أن تصبح عاملا في هز استقرار العالم. ان المؤلف يقوم ضمن هذا الاطار بنوع من المقارنة بين دور الديمقراطية في عالم اليوم وبين المسيحية في بداياتها. وفي المحصلة يحاول البرهنة على قيام نماذج جديدة من الأنظمة «شبه الديمقراطية» التي تتمتع رسميا ببرلمان وبتمثيل شعبي في مؤسسات ذات واجهة ديمقراطية بينما تلعب الأجهزة السرية والقيادات العسكرية الدور الحاسم «من وراء الكواليس». المثال الذي يتعرض المؤلف بشرحه حول مثل هذا النموذج هو دولة «فنزويلا». وفي مواجهة العالم المتبدل الذي يسود اليوم يرى المؤلف بأن النزعات المثالية والدعوات ذات الطابع الأخلاقي التي تناثر في الغرب اليوم بأسماء وعناوين شتى لن تساهم في «وقف الجرائم» التي تستهدف مجموعات كبيرة من البشر.. ولن توقفها أيضا، حسب رؤيه الأحكام، التي تصدرها المحاكم الدولية ضد جرائم الحرب هنا وهناك.. وانما العامل الحاسم هو بالأحرى تبني سياسة توازن السلطات وتقوية أجهزة الرقابة والضبط، ومن هنا يتم التأكيد على الدور الذي يمكن أن تلعبه أجهزة الاستخبارات والقوات المسلحة، وحيث ان قوتهما ستزداد وتتضاعف بالنسبة للحالة الأمريكية. هذا لاسيما وأن على الولايات المتحدة الأمريكية صياغة رؤية واقعية لسياستها الخارجية حيث مطلوب منها أن تفعل الكثير بالنسبة للعالم الثالث ولا تملك الكثير من الامكانيات من أجل أن تفعل ما هو مطلوب منها: وهذا ما يرى به «روبير كابلان» أحد معضلات السياسة الخارجية الأميركية. إن مؤلف هذا الكتاب يكرس صفحات عديدة من كتابة لدراسة مدى تطابق النظريات التي قدمها «ادوار جيبون» في عمله الكبير «تاريخ انحطاط الامبراطورية الرومانية وسقوطها» على الواقع القائم الآن في افريقيا والشرق الأوسط والاتحاد السوفييتي السابق. وأيضا لدراسة كتاب هنري كسنجر «عالم أعيد إلى مكانه»، الذي كان قد كتبه في أيام شبابه عن حروب نابليون. وبحث فيه مدى جهل البشر بدروس التاريخ وبالمخاطر التي يمكن أن تجنيها من خلال «قراءة» عميقة وصحيحة لهذه الدروس. لكن كسنجر نفسه لم يستفد منها كثيرا بالنسبة للحرب الفيتنامية. وإلى جانب كتابي «جيبون» و«كسنجر» يؤكد «كابلان» على ضرورة إعادة صياغة مفاهيم «الواقعية» عبر الاستفادة من الأعمال الابداعية لـ«جوزيف كوزاد». في الفصل الأخير من هذا الكتاب الذي يحمل عنوان «أخطار السلام» يصيغ المؤلف بشكل ما، ما يمكن اعتباره «تحذيرا» من الآثار التي يمكن أن تنتجها التكنولوجيات المتقدمة في المجتمعات الغربية، إذ يقول ما معناه: «إن الشعار القائل بعالم يسوده سلام دائم وتحكمه بطريقة جيدة سلطة عالمية لا يقدم ـ أي الشعار ـ رؤية لمستقبل يدعو للتفاؤل وانما للتشاؤم». كتاب يجمع مؤلفه بين الأدب والتحليل،، والوصف والفلسفة، والملاحظة والتاريخ «بطريقة لا يتجرأ عليها إلا القليل من الكتاب اليوم» حسب تعليق لمجلة «نيويورك للكتب» على هذا العمل