بيان الكتب: ماري انطوانيت.. موضوع هذا الكتاب هي صاحبة الجملة الشهيرة التي قالت فيها تعليقا على المظاهرات الشعبية التي طالب المشاركون فيها بتأمين الخبز الذي لم يكن متوافرا، ما مفاده: «فليأكلوا البسكويت إذن». وماري انطوانيت هي سليلة أسرة ملكية نمساوية وملكة فرنسا، كان والدها امبراطورا جرمانيا «فرانسوا الاول» وأمها ماري تيريز ملكة هنجاريا وبوهيميا. وكانت قد تزوجت من لويس السادس عشر في عام 1970 وانجبا أربعة أطفال. وقد برزت سريعا كملكة تفتقد الى حب الشعب لها بسبب سلوكياتها وعدم اهتمامها بأمور عامة الناس ومشاغلهم، هذا بالاضافة الى اشاعة سرت آنذاك حول دسائسها الحقيقة أو المفترضة بالاشتراك مع الكونت دارثوا شقيق الملك. وكان ماري انطوانيت ايضا امرأة تنفق باسراف كما يدل على ذلك «قضية العقد» والتي تدل على فضيحة احتيال قللت كثيرا من مصداقية الحكم الملكي عشية قيام الثورة الفرنسية، إذ اشترى كاردينال «روهان» عقدا باهظ الثمن من اجل تقديمه كهدية لماري انطوانيت. العقد لم يصل وإنما تم الكشف عن عملية احتيال كبيرة أظهرت مدى ميل الملكة الى التبذير والاسراف. إن هذا الكتاب مثل أكثرية كتب التاريخ المكرسة لدراسة الفترة السابقة لقيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، يؤكد على الدور المتنامي الذي كانت تلعبه النساء في التأثير على مراكز القرار الأساسية بما فيها، بل وعلى رأسها الملك. واذا كان تأثير بعض اللواتي اقتربن من مواقع القرار ايجابيا، فإن ماري انطوانيت مارست نفوذها على الملك باتجاه جعل من المستحيل الوصول الى مصالحة بين لويس السادس عشر ممثلا للملكية وبين قوى الثورة الفرنسية التي كانت قد بدأت بالظهور والاعلان عن توجهها، لقد كانت ماري انطوانيت مناهضة بصورة قوية للافكار الفلسفية الجديدة التي كانت قد بدأت تأخذ موقعها المتميز لدى النخبة الفرنسية. وكانت مناهضتها أكبر وأكثر صرامة لكل المحاولات الاصلاحية التي تقدم بها الوزراء الذين كانوا قد رأوا «اقتراب العاصفة». وضمن هذا السياق جرى لقاء الملكة مع «ميرابو»، «هونريه ميرابو» الخطيب المعروف الذي لعب دورا كبيرا حاسما في بدايات الثورة الفرنسية الذي حاول اقناعها بقبول فكرة قيام حكم ملكي دستوري لكن ماري انطوانيت رفضت ذلك بصورة حاسمة وفضّلت الاعتماد على تدخل اجنبي من اجل انقاذ الملكية. هكذا بدت في أعين الكثير من المؤرخين بأنها كانت أحد أسباب «التسريع» بقيام الثورة الفرنسية عام 1789 والتي كانت قد جعلت في مقدمة أهدافها تحطيم سجن «الباستيل» لما كان يحمله من قيمة رمزية كبيرة. ان الصورة التي تقدمها مؤلفة هذا الكتاب لماري انطوانيت «الملكة الأخيرة» تجمع بين بعدين أساسيين، فمن جهة هناك طريقة الحياة التي عاشتها والتي كانت أقرب الى الحكايات الاسطورية من حيث ما تمتعت به من جاه وسلطان. ومن جهة اخرى، جسدت في اواخر حياتها مثالا بارزا على المأساة التي انتهت اليها. ويبدو بوضوح في هذا الصدد سعة المعارف التي تتمتع بها مؤلفة هذا الكتاب «ايفلين لوفييه» حول الحقبة التي تدرسها لاسيما وانها كانت قد قدمت عددا من المؤلفات حول حكم لويس السادس عشر. هكذا كشفت عن العديد من الجوانب التي لم تكن معروفة في حياة هذه الملكة «الضحوك» وإنما التي أظهرت الكثير من رباطة الجأش والمقاومة مدفوعة بـ «واجب خدمة مصالح السلالة التي كانت تمثلها». عند قيام الثورة الفرنسية ظهر الحقد الشعبي كبيرا على ماري انطوانيت التي تم ايداعها السجن، وكتبت في احدى رسائلها عن السجن تقول: «إنني لا ازال موجودة وهذه معجزة. وكانت قد كتبت هذه الجملة في نفس اليوم الذي حاولت فيه جموع من المتظاهرين اقتحام سجن «فرين» حيث كانت محتجزة بالقرب من العاصمة الفرنسية ثم تحولت المظاهرة الى حدائق «الثويلوري» الشهيرة في قلب باريس للمطالبة برؤية ماري انطوانيت مقيدة بالسلاسل وامطارها بسيل من الشتائم والتهديدات. وفي أواخر عام 1793 قامت محكمة ثورية بالنظر في قضية ماري انطوانيت ووجهت لها تهما كثيرة في مقدمتها التعاون مع قوى اجنبية والتآمر ضد مصالح البلاد، بالاضافة الى سلسلة من الاتهامات الاخرى. لكنها حافظت طيلة محاكمتها على موقف فيه الكثير من الاعتزاز بالنفس. لقد حكمت تلك المحكمة الثورية على ماري انطوانيت بالاعدام وبتاريخ 16 اكتوبر 1793 جزّت المقصلة رأس «النمساوية»، كما شاعت تسمية ماري انطوانيت آنذاك. في المحصلة تقدم مؤلفة هذا الكتاب تاريخا لفرنسا في أحد أكثر الحقب التاريخية التي مرت بها اضطرابا لا سيما وانها الحقبة التي عرفت أول ثورة كبرى في المسيرة الانسانية. وقد أضيف لاضطراب الحقبة تشوش العلاقة بين لويس السادس عشر وماري انطوانيت اللذين كان زواجهما بمثابة «صفقة» سياسية بين عرش النمسا والعرش الفرنسي.. كانت تلك «الطفلة المدللة» قد تركت العنان لأهوائها وانتهت على المقصلة