بيان الكتب: فرانسوا سيريزا هو روائي فرنسي قدّم للمكتبة أكثر من عشرة اعمال نال اثنين منها جوائز ادبية هما «فينوس ذات الازهار»، الرواية التي نالت جائزة بول ليوتو، ثم «أصدقاء سيليست» الحائزة على جائزة «جوزيف ديلتيل» يعمل المؤلف الان كأحد رؤساء تحرير مجلة «نوفيل اوبسرفاتور» الاسبوعية. هذا العمل الجديد «كوزيت او زمن الاوهام» ينم عن كثير من الجرأة «الادبية» ذلك ان «كوزيت» التي يتحدث عنها فرانسوا جيريزا هي «شخصية» روائية معروفة.. وذلك بمعنى انها من صنف «سكارليت اوهارا» بطلة رواية «ذهب مع الريح» للكاتبة الامريكية مرغريت ميتشل والتي اصبحت بمثابة شخصية من «لحم ودم»، بل وأحدى أشهر شخصيات عصرها حيث يوجد حتى اليوم «جمعيات» ادبية باسم «اصدقاء سكارليت اوهارا». و«شخصية» اخرى تنتمي الى العائلة الادبية «الخالدة» هي «مدام بوفاري»، «ايما بوفاري» التي كتب عنها «غوستان فلوبير» روايته الشهيرة التي تحمل العنوان نفسه «مدام بوفاري» هذه «السيدة» التي اصبحت بمثابة نموذج اجتماعي يتعامل معه «الاخرون» على هذا الاساس. فمن هي «كوزيت» التي يحمل هذا العمل الروائي الجديد اسمها؟. انها تلك الفتاة الصغيرة التي تحدث عنها «فكتور هوجو» في روايته الشهيرة «البؤساء» التي تمت ترجمتها الى جميع اللغات العالمية الحية و«اغلبية» اللغات غير الحية. «البؤساء» اي تلك الملحمة الانسانية التي كتبها اكبر ادباء القرن التاسع عشر الفرنسيين، واحد اكبر الكتّاب الذين عرفتهم الانسانية والتي لاتزال تجد حتى الان من ينقلها الى السينما او الى المسرح او يستلهم منها ابداعاً ادبيا مثلما يفعل مؤلف هذا الكتاب «فرانسوا سيريزا» الذي تجرأ وحاول ان يكتب تتمة لـ «البؤساء» الصادرة عام 1862. تجدر الاشارة هنا الى ان كاتبة امريكية تحمل اسم «لورا كالباكيات» قد كتبت ايضا عملاً روائياً يحمل عنوان «كوزيت» وتمت ترجمته الى اللغة الفرنسية عام 1996، لكن هذا العمل لم يثر الكثير من الانتباه على اساس ان كاتبته هي امريكية جعلت من «كوزيت» مديرة لصحيفة جمهورية تم تعذيبها من قبل نظام نابليون الثالث. اي ما يعبر في الواقع عن نقص في المخيلة كان من الصعب ان يدفع هذا العمل بعيداً. تجدر الاشارة هنا مرة اخرى الى فرنسا تستعد للاحتفال عام 2002 بالذكرى المئوية الثانية لولادة فكتور هوجو وحيث يستعد الروائي والكاتب الفرنسي الشهير «ماكس غامو» لاصدار سيرة حياة الاديب والشاعر الكبير في مجلدين، بدء الحديث عنهما منذ الان. لقد استأنف «فرانسوا سيريزا» مؤلف «كوزيت او زمن الاوهام» كتابة حياة «كوزيت» منذ اللحظة التي تخلى عنها فيها فكتور هوجو عام 1862 وحيث كانت بعمر 18 سنة وتعرّفت على ماريوس الشاب ذي الثلاثة وعشرين عاما وذهبا معا لزيارة «جان فالجان» الذي كان قد اصبح عجوزاً طاعناً في السن ويقترب من نهاية حياته. ومن منا لا يعرف «جان فالجان» ذلك «اللص» الذي لم يتردد ذات يوم في ان يسرق من مسكن القس الذي استضافه لبعض الوقت في منزله شفقة عليه فما كان منه الا ان استأثر ببعض «موجودات» المسكن، ولكن ليس من اجله وانما من اجل ان يستطيع مساعدة من كان يعتقد انه أكثر بؤساً منه. وكان «فالجان» قد تبنى «كوزيت» كابنة له وهي التي كان قد حمل عنها ذات يوم الاناء المملوء بالماء الذي كانت تجلبه من بعيد واعتقدت عندها ان كائناً جاء من كوكب اخر كي يساعدها اذ كان «جان فالجان» قد حرص على مساعدة «كوزيت» البائسة دون ان يظهر لسنوات طويلة على مسرح حياتها. ان «فرانسوا سيريزا» يعود بقارئه الى اجواء باريس في نهايات القرن التاسع عشر حيث كانت تعيش «كوزيت» «ماريوس». وهناك يبدأ توجه جديد في حياتهما، اذ يتعرف ماريوس على المركيز «اميدي ديغراند» الذي لم يكن يأبه لاي شيء سوى المجون واللهو. لقد جرّ «ماريوس» شيئاً فشيئاً الى عالمه. وكان ذلك المركيز قد عمل على جذب الشاب الى ذلك العالم لانه كان في الواقع معجباً بـ «كوزيت» الجميلة الانيقة والمختلفة بشكل كامل عن تلك «البائسة» التي عرفناها في رواية «البؤساء» لفكتور هوجو. وكما كان متوقعاً بدأ «ماريوس» الانغماس في ذلك العالم الجديد بالنسبة له حيث وجد متعة الاكتشاف والشهرة لبعض الوقت.. لكن تلك التسلية: كانت ذات أمد قصير جداً.. اذ بدأت اشكال سوء الفهم والتفاهم كي تتطور تدريجياً الى الدخول في جو من الدسائس والمؤامرات، وهكذا ادّت «انحرافات» ماريوس به الى طريق السجن.. كما كان قد حدث بالنسبة لـ «جان فالجان» في الرواية الاصلية قبل ثلاثين عاماً.. ومثلما كان الامر بالنسبة لـ «فالجان» يعيش «ماريوس» مغامرة الحياة مستلهماً من حياة سابقة مع محاولة الاحتفاظ باجواء «البؤساء». ان هذا العمل الجديد يطرح في الواقع مسألة مهمة تتعلق بالتعامل مع الاعمال الادبية الكبرى. فهل كان مطلوبا استكمال عمل فكتور هوجو؟ على هذا السؤال الحقيقي اجاب عدد من الناس بعد نشر «الرواية» الاخيرة لفرانسوا بيريزا وقد تراوحت الاجابات بين تيارين اساسيين يعبر عن الاول قول احدهم: «هذه فكرة سيئة جدا. اذ ينبغي على الكاتب ان يثبت قدراً من الخيال الابداعي. واذا كان الروائي اي روائي يريد ان يكون جديراً بهذه التسمية فان عليه تجنب تبني شخصيات موجودة ابتدعها كتّاب قبله. اما التيار الاخر فيعبر عنه القول التالي: «ان قصة البؤساء تستحق بالحقيقة الاستكمال، لاننا نريد ان نعرف ماذا جرى بالنسبة لشخصياتها فيما بعد». ويروي مؤلف هذا الكتاب في مقابلة صحفية معه اخيراً كيفية خروج «كوزيت او زمن الاوهام» الى النور. ويحكي انه تلّقى في خريف عام 1998 دعوة من الناشر للقاء به. وقد فاجأه هذا الاخير عند بداية الحديث بالقول: «لدي مشروع بالنسبة لك اريدك ان تكتب تتمة لرواية البؤساء» كانت مثل ضربة على الرأس يقول «فرانسوا سيريزا» ويضيف: «عندما يقترح احدهم عليك مثل هذا المشروع لابد وان يقفر الى رأسك مباشرة كماً كبيرا من الخوف والخشية اذ ان الامر يتعلق بفكتور هوجو انه فكتور هوجو. وأبدى المؤلف ترددا كبيرا فقال له الناشر: «فلتفكر بالامر». وعاد الى ذهنه «المشهد» كاملاً، فها هي «كوزيت» ببؤسها وها هو «جان فالجان» اللص الشريف وتذكر بان «جافير» القى بنفسه في مياه نهر السين منتحراً «قبل الاوان» ثم.. ثم «تراندييه» الشرير الذي خرج من كل افعاله الخبيثة بحال جيدة.. امام هذا المشهد قرر «فرانسوا سيريزا» ان يحمل قلمه و«يصفى حساباته» مع هذا الشرير بشكل خاص.. وكذلك مع نظام الحكم الذي كان سائداً آنذاك والذي ينتقده بشدة مع «فرح واضح» حيث نقرأ مثلا وصفة لممثلي الحكومة آنذاك بالقول: «مع وجود تيير على رأس الداخلية وغيزو مسئولاً عن التعليم العام، فإننا يمكن ان نفهم بان فرنسا كانت تلك التي يسود فيها قليلا الذكاء والمقاولين». ويبدو بوضوح ايضا في عمله «سيريزا» التأكيد على أهمية الدقة التاريخية حتى في ابسط التفاصيل التي اخرجها المؤلف من القواميس والاراشيف المختلفة حول باريس في نهايات القرن التاسع عشر وحول تاريخ تلك الفترة وخاصة تاريخ «ملكية يوليو» كما شاعت التسمية عن النظام الذي كان سائداً انذاك. لكن هذا الاهتمام بالدقة والتفاصيل التاريخية لم يمنع المؤلف من ابراز «شخصيات» جديدة لم تكن رواية «البؤساء» قد احتوت عليها مثل «روجيه» الذي يتعرف على الشرير «تيناردييه» الذي كان قد حاول ان يعيش حياة هانئة جديدة بما كسبه من ثروة طائلة جمعها عن طريق الغش والدسائس. كما ان «سيريزا» يعيد «بعث شخصية جافير» الذي كان قد القى نفسه في نهر السين، وكان لايزال شابا يافعاً، واذا كان فكتور هوجو قد دفع جافير هذا الى الانتحار فان «سيريزا» «انتشله» في بدايات القرن الحادي والعشرين. لقد انقذه قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة وفتح امامه افاقا واسعة للنجاة وللحياة السعيدة. بكل الاحوال ومهما كانت درجة النجاح التي يمكن ان تعرفها كوزيت الجديدة التي قد يشهدها كتاب «كوزيت او زمن الاوهام» لفرانسوا سيريزا وحيث وجد مكانه في عداد قائمة الاكثر انتشار في فرنسا، فانه لن يرقى الى اكثر من كاحل «البؤساء» التي كتبها فكتور هوجو اذ وبعد نشرها مباشرة شهدت فرنسا ولسنوات طويلة موجة من تسمية الطفلات الوليدات بـ «كوزيت» تيمنا بـ «كوزيت» فكتور هوجو. واليوم نقرأ في قواميس اسماء العلم الخاصة بمشاهير التاريخ في شتى الميادين قديما وحديثاً، مقابل اسم «كوزيت» ما يلي: احدى شخصيات رواية فكتور هوجو البؤساء. طفلة ترمز للضعف والبراءة انقذها جان فالجان ونقرأ عن جان فالجان: «الشخصية المركزية في رواية فكتور هوجو البؤساء» رجل خارج عن القانون «...» يرمز الى الضمير المتحرر من الاستعباد والذل». «قاموس روبير». رواية حول الحنين الى ايام خلت... الى كوزيت التي لاتزال تقرع على الابواب.. وعلى القلوب ايضا